الخزانة الرابعة..
إخراج الزكاة
• الأموال التي تجب فيها الزكاة نوعان:
الأول: ما هو نامٍ في نفسه كالحبوب والثمار، أو غير نامٍ كالمعادن والركاز ونحوها، فهذه تجب الزكاة فيها عند الحصول عليها، إذا بلغت النصاب، ولا يُشترط لها حول.
الثاني: ما يُرصد للنماء أو التجارة كالذهب والفضة، والأوراق النقدية، وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة ونحوها، فهذه رُصدت للنماء والتجارة فتُخرج زكاتها إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول.
• آداب إخراج الزكاة:
الزكاة عبادة من العبادات العظيمة التي تطهر النفس والأموال مما يُفسدها ومن آداب إخراجها:
أن يُخرجها المسلم ابتغاء وجه الله.
وأن يُخرجها صاحبها وقت وجوبها.
وأن يُخرجها طيبًة بها نفسه، وأن يتصدق من طيب ماله وأجوده، وأحبه إليه، وأقربه من الحلال.
وأن يفرح بإخراجها، وأن يُرضي المصدق.
وأن يستصغر عطيته، ليسلم من العجب، وأن يخفيها، ليسلم من الرياء، ويُظهرها أحيانًا تعظيماً لهذا الواجب، وترغيبًا للأغنياء للإقتداء به، وتذكيرًا للناس، وألا يبطلها بالمن والأذى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
• أفضل أهل الزكاة:
الأفضل أن يبتغي المزكي بصدقته الأتقى، والأقرب، والأحوج ويطلب بصدقته من تزكو به الصدقة من الأقارب، والأتقياء، وطلبة العلم، والفقراء المتعففين، والأسر الكبيرة المحتاجة، ونحوهم، وإخراج ما عنده من زكاة وصدقة ونحوها قبل حصول الموانع، وكلما كثرت صفات الاستحقاق في شخص كان أحق بالزكاة، وأعظم في الأجر، كفقيرٍ قريب، وفقيرٍ طالب علم وهكذا.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نوى».
متفق عليه.
• وقت إخراج الزكاة:
أولاً: يجب إخراج الزكاة على الفور إذا حل وقت وجوبها إلا لضرورة أو عذر.
ثانيًا: يجوز تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب، وفيه ثواب عظيم، خاصًة عند الحاجة فيجوز تعجيل زكاة الماشية، والنقدين، وعروض التجارة، إذا ملك النصاب.
ثالثاً: يجوز إخراج الزكاة قبل سنة أو سنتين، وصرفها للفقراء على شكل رواتب شهرية إذا اقتضت المصلحة ذلك.
رابعاً: من ملك أموالًا متفاوتًة في الزمن كالرواتب وأجور العقارات والإرث، أخرج زكاة كل مالٍ بعد تمام حوله، وإن طابت نفسه، وآثر جانب الفقراء وغيرهم جعل لإخراج زكاته شهرًا واحدًا من شهور السنة كرمضان مثلًا،وهذا أعظم: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
• حكم تفريق الزكاة:
يجوز أن يعطي الجماعة من الزكاة ما يكفي الواحد وعكسه والأفضل أن يفرق الزكاة بنفسه سرًا وعلانية حسب المصلحة، والإسرار هو الأصل إلا لمصلحة: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١].
• حكم دفع الزكاة للحاكم:
يجوز للحاكم إذا كان عادلًا أمينًا على مصالح المسلمين أن يأخذ الزكاة من الأغنياء، ويصرفها في مصارفها الشرعية، ويجب عليه بعث السعاة لقبض زكاة الأموال الظاهرة كسائمة بهيمة الأنعام، والزروع، والثمار ونحوها؛ لأن من الناس من يجهل وجوب الزكاة، ومقدارها، ومنهم من يتكاسل أو ينسى:: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
وإذا طلب ولي الأمر الزكاة من الأغنياء وجب دفعها إليه، وتبرأ الذمة بذلك، ولهم أجرها، والإثم على من بدلها وصرفها لغير مستحقيها.
• حكم أخذ ضرائب من الناس:
ليس في المال حقق واجبٌ سوى الزكاة، أما أخذ الضرائب والمكوس من الناس، فهو حرم، ولا يجوز احتسابها من الزكاة، كالرسوم الجمركية على الصادرات والواردات بين الدول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨].
• حكم ضمان الزكاة:
الزكاة بعد وجوبها أمانةٌ في يد المزكي، فإذا تلفت، فإن تعدى أو فرط ضمن، وإن لم يتعدى ولم يفرط لم يضمن.
• أين تُخرج الزكاة:
زكاة المال تتعلق بالمال، فيُخرجها صاحبها في بلد المال، وزكاة الفطر تتعلق بالبدن فيخرجها المسلم حيثما وجد وقت وجوبها.
والأصل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده، ويجوز نقلها إلى بلدٍ آخر لمصلحة أو قرابة أو شدة حاجة، والأفضل أن يُخرجها بنفسه، ويجوز أن يوكل من يُخرجها عنه من أشخاصٍ أو جهات خيرية: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
• صفة إخراج زكاة الدين:
الدين له ثلاثة أحوال:
أولًا: إن كان الدين على ملي باذل، فتجب زكاته إذا قبضه عن كل السنوات، وإن أخرج زكاته عن كل سنة فهو أفضل حذرًا من الموت أو النسيان.
ثانيًا: وإن كان الدين على معسر أو مماطل أو جاحد فلا زكاة فيه حتى يقبضه، ويستقبل به حولًا جديدًا، وكذا المال المسروق أو المغصوب أو المفقود.
ثالثًا: الديون المؤجلة إن كانت على ملي باذل فتجب عليه زكاتها كل عام، وإن كانت على معسرٍ أو مماطلٍ زكاها إذا قبضها لسنةٍ واحدة.
رابعًا: لا يجوز لمن له مالٌ على أحد لا يستطيع سداده أن يُسقطه عنه بنية الزكاة، ومن أقرض غيره مالًا، فعليه زكاته حتى يُسلمه إلى صاحبه.
• كيفية إخراج زكاة الصداق:
صداق المرأة وهو مهر زواجها مالٌ كسائر الأموال إن قبضته، وبلغ النصاب وحال عليه الحول، أخرجت زكاته ربع العشر، وإن كان صداق المرأة مؤجلًا فلا يخلو كالدين من أمرين:
إن كان زوجها موسرًا وفيًا وجب عليها إخراج زكاة المهر المؤجل، وإن كان زوجها معسرًا وجب عليها إخراج زكاته إذا قبضته لسنةٍ واحدة.
وإذا قبضت المرأة صداقها، ثم طلقها زوجها قبل الدخول، وقد بلغ المهر النصاب، وحال عليه الحول، فلها نصف المهر، وتخرج زكاة نصف المهر ويخرج الزوج زكاة النصف الثاني.
• حكم المال غير المقدور عليه:
المال غير المقدور عليه لا زكاة فيه حتى يقبضه، فمن له مالٌ لم يتمكن من قبضه بسبب عائد إليه كنصيبه من عقارٍ أو إرث فلا زكاة فيه حتى يقبضه، ويبتدئ له حولًا جديدًا تبدأ الزكاة منه؛ لأنه قبل ذلك لا يملك التصرف فيه.
• عقوبة مانع الزكاة:
يجب على من ملك نصابًا، وحال عليه الحول، إخراج زكاته، وإيصالها لأهلها فورًا، ومن منع الزكاة جاحداً لوجوبها وهو عارفٌ بالحكم كفر، وأُخذت منه، وقتل إن لم يتب؛ لأنه مرتد، ومن منعها بخلًا لم يكفر، وأُخذت منه وعزر بأخذ شطر ماله.
وقد توعد الله ﷿ بالعذاب الأليم كل من منع إخراج الزكاة، لما في ذلك من الظلم والبخل، وأخذ حقوق المحتاجين، وحرمان الفقراء من حقوقهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾ [آل عمران: ١٨٠].
وعَنْ أبي ذرٍ ﵁، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَوْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ أَوْ كَمَا حَلَفَ، مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاس».
متفق عليه.
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلَا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
الْآيَةَ».
أخرجه البخاري.
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّى زَكَاتَهُ إِلاَّ أُحْمِىَ عَلَيْهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».
أخرجه مسلم.
مصارف الزكاة
• أهل الزكاة الذين يجوز صرفها لهم ثمانية، وهم مذكورون في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
• جهات صرف الزكاة:
الله ﷿ بحكمته قد يعين المستحق، وقدر ما يستحقه، كالفرائض وأهلها، وقد لا يعين المستحق، ولا قدر ما يُستحق، كالهدية والعطية.
وقد يعين ما يُستحق، دون من يستحقه، كالكفارات مثل كفارة الظهار واليمين ونحوهما، وقد يعين المستحق، دون قدر ما يستحقه، كأهل الزكاة وهم ثمانية أصناف.
• أصناف أهل الزكاة:
أهل الزكاة الذين يجب صرف الزكاة لهم ثمانية أصناف وهم:
الأول: الفقراء؛ وهم الذين لا يجدون شيئًا، أو يجدون بعض الكفاية.
الثاني: المساكين؛ وهم الذين يجدون أكثر الكفاية أو نصفها.
الثالث: العاملون عليها، وهم جباتها وحفاظها والقاسمون لها، فإن كان لهم مرتب من الحاكم؛ فلا يعطون من الزكاة، وإن كانوا فقراء يعطون من الزكاة.
الرابع: المؤلفة قلوبهم، مسلمون، أو كفار، وهم رؤساء قومهم ممن يُرجى إسلامه، أو كف شره، أو يُرجى بعطيته قوة إيمانه أو إسلامه أو إسلام نظيره يُعطون من الزكاة بقدر ما يتحقق به المقصود.
الخامس: وفي الرقاب، وهم الأرقاء والمكاتبون الذين اشتروا أنفسهم من أسيادهم، فيعتقون ويعانون من الزكاة، ويدخل فيهم فداء أسرى الحروب من المسلمين.
السادس: الغارمون، والغارم من عليه دين، وهم نوعان:
الأول: غارمٌ لإصلاح ذات البين، فيُعطى بقدر ما غرم، ولو كان غنياً شكراً لمعروفه وإحسانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠].
الثاني: غارمٌ لنفسه، بأن تحمل ديونًا، ولم يكن عنده وفاء، ومن غرم في محرم فلا يُعطى من الزكاة حتى يتوب إلى الله.
السابع: في سبيل الله، وهم الغزاة المجاهدون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله تعالى ونحوهم كالدعاة إلى الله، هؤلاء يعطون من الزكاة إذا لم يكن لهم مرتب أو لهم مرتبٌ لا يكفيهم أو كانوا فقراء.
الثامن: ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع به سفره، وليس معه ما يوصله إلى بلده، فيُعطى ما يسد حاجته في سفره ولو كان غنيًا.
ولا يجوز صرف الزكاة لغير هؤلاء الأصناف الثمانية، ويبدأ المزكي بمن حاجته أشد: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
• الذين لا يجوز صرف الزكاة لهم:
أولاً: يجوز دفع الزكاة لبني هاشم ومواليهم، إكرام لهم، لأن الزكاة أوساخ الناس.
عن عبد المطلب بن ربيعة وابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺقال: «إن الصَّدَقَة لا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخ النَاسِ».
أخرجه مسلم.
ثانيًا: لا يجوز أن تُدفع الزكاة لكافر إلا إن كان مؤلفًا، ولا إلى عبد إلا إن كان مكاتبًا.
ثالثًا: لا يجوز أن تُدفع الزكاة إلى غني إلا إذا كان من العاملين عليها، أو المؤلفة قلوبهم، أومن المجاهدين في سبيل الله، أوابن سبيل منقطع، أوغارم.
• حكم صرف الزكاة إلى الجمعيات الخيرية:
يجوز صرف الزكاة لإيجاد مؤسسات لرعاية المسلمين الجدد، أو رعاية الفقراء والأيتام ونحوهم.
والعاملون في الجمعيات الخيرية الذين لا تصرف لهم الدولة رواتب، فهؤلاء يجوز أن تصرف لهم الجمعية رواتب من الزكاة إن كانت تلك الجمعية بإذن الدولة؛ لأنها نائبةٌ مناب الإمام.
أما العاملون في الجمعيات الإسلامية في بلاد الكفار، فيجوز صرف الزكاة للعاملين فيها مقابل عملهم، ويسقط فيها إذن الإمام، لأنهم من العاملين على تنميتها ورايتها:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
• كيفية صرف الزكاة:
يجوز صرف الزكاة إلى صنفٍ واحد من أهل الزكاة كالفقراء والمساكين ونحوهم، ويجوز دفعها إلى شخصٍ واحدٍ من أهل الزكاة في حدود حاجته، وإن كانت كثيرة فيُستحب تفريقها على تلك الأصناف.
ومن راتبه الشهري ألفي ريال؛ لكنه يحتاج إلى ثلاثة آلاف شهريًا، لتغطية نفقاته ونفقات من يعول؛ فإنه يُعطى من الزكاة بقدر حاجته: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
وإذا دفع المسلم الزكاة إلى من يظنه أهلًا بعد الاجتهاد والتحري، فبان أنه غير أهلٍ للزكاة، فزكاته مجزئة، وقد برئت ذمته، ونال أجره، لأن الله يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• حكم استثمار أموال الزكاة:
تنمية أموال الزكاة بالبيع والشراء ينقسم إلى قسمين:
الأول: تنمية أموال الزكاة من قبل المزكي نفسه، فهذا لا يجوز له ذلك، لأن إخراج الزكاة واجبٌ على الفور.
الثاني: استثمار أموال الزكاة من قبل الإمام أو نائبه مثل الوزارات أو الجمعيات الخيرية التي أنشأت بإذن الإمام؛ فهذا جائزٌ، لمصلحة العمل الخيري، فتجوز المضاربة بهذا المال بشرط مراعاة حاجة الفقراء والمساكين بأن لا يكون هناك جهة صرفٍ عاجلة، وأن يقوم بذلك ذوي الخبرة والأمانة بإذن ولي الأمر، وأن يكون الاستثمار في مجالات مشروعةٍ لا محرمة.
وإن اقتضت المصلحة صرف الزكاة على شكل رواتب للفقراء جاز: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
• أحكام أهل الزكاة:
أولاً: يجوز صرف الزكاة لمن أراد أن يؤدي فريضة الحج، وليس عنده ما يكفيه، ويجوز صرفها لفك الأسير المسلم، وصرفها للمسلم إذا أراد الزواج، وهو فقير يريد اعفاف نفسه، ويجوز سداد دين الميت من الزكاة.
ثانيًا: يجوز لمن له دينٌ على فقير أن يُعطي الفقير من زكاته إذا لم يكن عن تواطؤ بينهما أن يعطيه ليسدد له، ولا يجوز إسقاط الدين واعتباره من الزكاة.
ثالثًا: إذا تفرغ قادرٌ على التكسب لطلب العلم فاحتاج فإنه يعطي من الزكاة، لأن طلب العلم نوعٌ من الجهاد في سبيل الله، ونفعه متعدِ لغيره.
رابعًا: يُسن دفع الزكاة إلى الفقراء الأقارب الذين لا تلزمه نفقتهم كالإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ونحوهم.
خامسًا: الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقةٌ وصلة.
• حكم دفع الزكاة للوالد أو الولد أو الزوج:
أولاً: يجوز صرف الزكاة للوالدين وإن علو، وإلى الأولاد وإن سفلوا، إذا كانوا فقراء، وهو عاجزٌ عن نفقتهم، ما لم يدفع بذلك واجباً عليه، وكذا لو تحملوا دينًا أو ديًة، فيجوز أن يقضي عنهم ذلك من الزكاة، وهم أحق به، لأنهم من الغارمين.
ثانيًا: يجوز للزوج دفع زكاته إلى زوجته، إذا تحملت دينًا أو كفارًة ونحوهما؛ أما الزوجة فيجوز أن تدفع زكاتها لزوجها إن كان من أهل الزكاة.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن زينب امرأة بن مسعود قالت: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ».
أخرجه البخاري.
• الغني: هو من يجد كفاف عيشه وعيش من يعولهم طول العام، إما من مالٍ موجود أو تجارةٍ أو صنعةٍ ونحو ذلك.
• ما يقوله من أخذ الزكاة:
يسن لمن أعطي الزكاة أن يدعو لمن أعطاه قائلًا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ».
متفقٌ عليه)
أو يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ».
أخرجه البخاري.
أو يقول: «اللهُمَّ بَارِكْ فِيهِ».
أخرجه النسائي.
• حكم الإخبار بالصدقة:
من يُخرج الزكاة إذا كان يعلم أن فلانًا من أهل الزكاة، وأنه يقبل الزكاة، فيعطيه ولايخبره أنها زكاة، وإن كان لا يدري عنه، أو كان لا يقبل الزكاة، فهنا يخبره أنها زكاة.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١].
***
مختارات
