الخزانة الرابعة..
صلاة التطوع
• أقسام الصلوات:
الصلوات التي أمر الله رسوله بها نوعان:
الأول: الصلوات المفروضة: وهي الصلوات التي فرض الله على المؤمنين فعلها، وهي الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة.
الثاني: صلاة التطوع، وهي صلاة النفل التي وسع الله على العباد فيها، وجعلها من باب الزيادة في الأجر والخير، سواءً كانت نوافل مطلقة أو مقيدة كصلاة التطوع وكصلاة العيدين، والاستسقاء ونحوهما كما سيأتي.
والتطوع: هو فعل الطاعة مطلقًا سواءً كانت واجبة أو مسنونة، ويطلق التطوع في الشرع على كل طاعةٍ غير واجبة: من صلاةٍ وصدقةٍ وصومٍ وحجٍ ونحو ذلك.
وصلاة التطوع: هي جميع الصلوات المشروعة غير الواجبة، ويطلق عليها لفظ السنة، والمستحب، والرغيبة، والفضيلة.
• حكمة مشروعية التطوع:
الله ﵎ يحب المؤمنين، ويحب لهم الدرجات العلى في الجنة، ومن رحمة الله بعباده أن شرع لكل فرضٍ تطوعًا من جنسه، ليزداد المؤمن إيمانًا بفعل هذا التطوع، ويكسب به زيادة الأجر، وتعلو به درجته عند ربه، ويكمل به ما نقص من الفرائض.
وشرع سبحانه الصلاة، وجعل منها الفرض والتطوع، وشرع الزكاة وجعل منها الواجب والتطوع، وشرع الصيام وجعل منه الواجب والتطوع، وشرع الحج وجعل منه الواجب والتطوع، وهكذا في جميع الأعمال الصالحة.
وكلما أكثر العبد من التطوع والنوافل أحبه الله، وازداد منه قربًا، وأجاب دعاءه.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أن الله قال: من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحبُ إلي مما افترضت عليه، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ، وَبصَرُهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدُهُ التي يَبْطِشُ بها، ورِجْلِهِ التي يَمْشِي بها، وإن سألَنِي لأعطينهُ، وإن إستعَاذَنِي لاأُعِيذنهُ، وما تَرَددتُ عن شيءٍ أنا فَاعِلُهُ تَرَدُدِي عن نَفَسِ المؤمن يَكرهُ الموتُ، وأنا أكرهُ مُساءتهُ».
أخرجه البخاري.
• قيمة التطوع:
أوامر الله ﷿ نوعان:
فرائض.
ونوافل.
فالفرائض: رأس المال، وهي أصل التجارة، وبها يحصل دخول الجنة، والنجاة من النار.
والنوافل: هي الربح، وبها تكثر الحسنات، وتكفر السيئات، ويفوز العبد بأعلى الدرجات من الجنة.
وكان الصحابة ﵃ مواظبون عن السنن، مواظبتهم على الفرائض، ولا يُفرقون بينهما في اغتنام الثواب: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
• أفضل التطوع:
التطوع أنواعٌ كثيرةٌ جدًا، وآكدها الجهاد في سبيل الله، والعلم، والصلاة، والذكر، والاستغفار.
وأفضل التطوع يختلف باختلاف الفاعل، وباختلاف الزمن، وباختلاف النوع.
فالشجاع الأفضل في حقه الجهاد في سبيل الله، لأنه أليق به.
والذكي الحافظ قوي الحجة الأفضل له العلم، لأنه الأليق به.
والغني الأفضل له الإنفاق في وجوه البر والإحسان.
والقوي النشيط الأفضل له الصلاة والذكر، وصاحب الشهوات الأفضل له الصيام، وهكذا باقي الأعمال الصالحة،ينظر المؤمن ما يصلح قلبه فيلزمه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال الله تعالي: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥].
وإذا كنا في زمنٍ تفشى فيه الجهل والبدع، وكثر من يفتي بلا علم، فالعلم أفضل من الجهاد، وإن كنا في زمنٍ كثر فيه العلماء، واحتاجت الثغور إلى مرابطين يدافعون عن الإسلام والمسلمين، فالأفضل الجهاد في سبيل الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩].
فإن لم يكن مرجحٌ لهذا ولا لهذا فالأفضل له العلم وتعليمه، ليرفع الجهل عن نفسه، وعن غيره، فالعلم لا يعدله شيءٌ لمن صحة نيته.
ومبنى الشرع كله على العلم الإلهي: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال الله تعالي: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالي: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
وقال الله تعالي: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
• فضل التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قال: من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحبُ إلي مما افترضت عليه، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ، وَبصَرُهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدُهُ التي يَبْطِشُ بها، ورِجْلِهِ التي يَمْشِي بها، وإن سألَنِي لأعطينهُ، وإن استعَاذَنِي لا أُعِيذنهُ، وما تَرَددتُ عن شيءٍ أنا فَاعِلُهُ تَرَدُدِي عن نَفَسِ المؤمن يَكرهُ الموتُ، وأنا أكرهُ مُساءتهُ».
أخرجه البخاري.
وعن ثعلبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عليكَ بكثْرَة السُجُود لله فَإِنَكَ لا تَسجُد لله سَجْدة إلا ورفعك بها الله درجة، وحَطَ عنك بها خَطِيئة».
أخرجه مسلم.
• أنواع صلاة التطوع:
صلاة التطوع أنواعٌ كثيرة:
منها ما تشرع له الجماعة: كصلاة التراويح، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف.
ومنها ما لا تشرع له الجماعة: كصلاة الاستخارة.
ومنها ما هو تابعٌ للفرائض كالسنن الرواتب.
ومنها ما ليس تابعاً للفرائض كصلاة الضحى.
ومنها ما هو مؤقت كصلاة التهجد، والتراويح، ومنها ما هو تطوعٌ مطلق لا يتقيد بسببٍ ولا بوقتٍ ولا بفرضٍ ولا بعدد كالنوافل المطلقة.
ومنها ما هو مقيد بسبب كركعتي الوضوء، وتحية المسجد.
ومنها ما هو مؤكد كصلاة العيدين والكسوف والاستسقاء والوتر.
ومنها ما ليس بمؤكد كالنوافل قبل العصر والمغرب ونحوهما.
وهذا من فضل الله الكريم على عباده، حيث شرع لهم ما يتقربون به إليه من الطاعات والقربات، ليرفع لهم به الدرجات، ويكفر عنهم به السيئات ويضاعف لهم به الحسنات.
فلله الحمد والشكر على ما خلق وأمر، وله الشكر على ما سن وشرع، وله الحمد على ما قضى وقدر، وله الشكر على جزيل النعم والعطاء: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
ومن رحمة الله بعباده أن شرع لهم لكل فرض تطوعاً من جنسه، ليزيد المؤمن إيمانًا بفعله هذا التطوع، ويكمل به ما نقص من الفرائض، فالفرائض يعتريها النقص، والتطوع يكمل ذلك النقص.
فعلى العبد أن يبادر إلى تلك الطاعات والتطوعات: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقال الله تعالي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالي: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
• فضائل صلاة التطوع:
أولاً: صلاة التطوع تجلب محبة الله للعبد، وإجابة دعائه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأعيذنه».
أخرجه البخاري.
ثانيًا: صلاة التطوع ترفع الدرجات، وتحط الخطايا،
عن ثعلبة ﵁ أنه سئل عن أحب الأعمال إلى الله؟ فقال:سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «عليكَ بكثْرَة السُجُود لله فَإِنَكَ لا تَسجُد لله سَجْدة إلا ورفعك بها الله درجة، وحَطَ عنك بها خَطِيئة».
أخرجه مسلم.
ثالثًا: كثرة النوافل من أعظم الأسباب لدخول الجنة.
عن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: «كنتُ أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيت بوضوئه وحاجته، فَقَالَ لِي: «سَلْ».
فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ.
قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ».
قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ.
قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ».
أخرجه مسلم.
رابعًا: صلاة التطوع: تكمل الفرائض، وتجبر نقصها.
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يُحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن أتمها وإلا، قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أُكملت الفريضة من تطوعه، ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك».
أخرجه أبو داود وابن ماجه بسندٍ صحيح.
خامسًا: التطوع وكثرة التطوع، ومحبته: علامة شكر العبد لربه.
عن عائشة ﵂: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ».
متفقٌ عليه.
سادسًا: صلاة التطوع أفضل الأعمال بعد الجهاد والعلم.
عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «استَقِيموا تُفْلِحوا، وخيرُ أعمالكمُ الصلاة، وما يُحافِظُ على الوضُوء إلا مُؤمن».
أخرجه أحمد بسندٍ صحيح.
سابعًا: صلاة التطوع في البيت سببٌ في حصول الخير والبركة.
عن زيد بن ثابت ﵁ أن الرسول ﷺ: «اتْخَذَ حُجْرَةً، قال:حَسِبْتُ أنَهُ قال: مَنْ حَصِير في رمضان فصَلَى فيها ليَالي، فصلى بصلاتهِ ناسٌ من أصحابه، فلما عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يقعُد، فخرج إليهم، فقال: قد عرفْتُ الذي رأيتُ من صَنِيعُكُمُ، فصَلُوا أيها الناس في بيُوتِكُم، فإن أفضل الصلاة صلاة المَرْءُ في بيتهِ إلا المكْتُوبَة».
متفقٌ عليه.
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا».
أخرجه مسلم.
• أحبُ التطوع إلى الله ﷿:
عن عائشة ﵂ قالت: «دَخَلَ عليَ رسول الله ﷺ: وعِنْدِي امرَأةٌ، فقال: مَنْ هَذِهِ؟ فقلتُ: امرأةٌ لا تنَامُ تُصلي، قَالَ:عَلَيكُم من العَمَلِ ما تُطِيقُون، و والله لا يَمَلُ الله حتى تَمَلُوا، وكان أحبُ الدين إليه ما دَاوَمَ عليهِ صاحبهُ».
متفقٌ عليه.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل النبي ﷺ: «فإذا حبلٌ ممدودٌ بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبلٌ لزينب، فإذا فتَرَتَ تعلقت، فقال ﷺ: لا حُلُوه، ليُصَلِي أَحَدُكُم ما شاءهُ فإذا فَتَرَ فلَيَقْعُدْ».
متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».
متفقٌ عليه.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وكان أحبُ الصلاةُ إلى الرسول ﷺ ما دُوِمَ عليهِ صاحبه، وإن قل، وكانوا إذا صلُوا صلاةً داوموا عليها».
متفقٌ عليه.
• فضل النية والعمل الصالح:
من اعتاد شيئًا من التطوعات والطاعات، وحال بينه وبين فعله العذر، كتب الله له به أجرها.
ومن كان يصوم الاثنين، ووافق صيام البيض، أو كان يصومُ يومًا، ويفطر يومًا، ووافق يوم الاثنين، فإنه ينويهما معًا، فإنما الأعمال يزيد أجرها بحسب تعدد النيات.
وهكذا تحية المسجد تُجزئ عن السنة الراتبة، وركعتي الوضوء.
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرؤٌ ما نوى».
متفقٌ عليه.
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مَرِضَ العبدُ أو سافر، كُتِبَ له مثل ما كان يعمله وهو صحيحٌ مقيم».
أخرجه البخاري.
• صفة أداء صلاة التطوع:
الأول: يجوز للمسلم أن يصلي النوافل قائمًا وقاعدًا، والقيام أفضل عند القدرة، ومن صلى قاعدًا وهو قادر على القيام فله نصف أجر القائم، ومن صلى قاعدًا وهو عاجزٌ عن القيام فله مثل أجر القائم: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
ثانيًا: يجوز أداء بعض التطوع من قيامٍ، وبعضه من قعود.
ثالثًا: صلاة الفريضة القيام فيها ركن، ومن تركه مع القدرة عليه فصلاته باطلة، والسنة لمن صلى قاعدًا بأن يتربع في حال القعود.
عن عمران بن حصين ﵁ قال: سألتُ النبي ﷺ: «عن الرجلُ صلاة وهو قاعدٌ؟ فقال: من صَلَى قائمًا فهو أَفْضَلُ، ومن صلى قاعدًا فله نصفُ أجرُ القائمِ، ومن صَلَى نائمًا فلهُ نِصفُ أجرُ القَاعدِ».
أخرجه البخاري.
وعن عمران بن حصين ﵁ قال: «كانت بي بواسير، فسألتُ النبي ﷺ عن الصَلَاةِ؟ فقال: صَلِ قائمًا، فإن لم تَسْتَطِعْ فقاعدًا فإن لم تَسْتَطِعْ فعَلَى جَنْبَ».
أخرجه البخاري.
وعن عائشة ﵂ قالت: «رأيتُ النبي ﷺ يُصَلِي متربعًا».
أخرجه النسائي وابن خُزيمة بسندٍ صحيح.
• حكم صلاة التطوع جماعة:
السنة أن يصلي المسلم صلاة التطوع، والتهجد، والنوافل، في بيته منفردًا إلا ما شُرَعِ له جماعة.
وصلاة التطوع في جماعة قسمان:
الأول: ما تُسنُ له الجماعة الراتبة: كصلاة العيدين، والكسوف، والتراويح، والاستسقاء، فهذا يُفعل جماعةٌ دائماً.
الثاني: ما لا تُسنُ له الجماعة الراتبة: كقيام الليل، وصلاة الضحى، والنوافل المطلقة، فهذا يصليه المسلم منفردًا في البيت، لأن ذلك هو السنة، وأبعدُ عن الرياء، وأصون عن المحبطات للأعمال، وأقرب للإخلاص، وعلامة الصدق والمحبة، وليتبرك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة والملائكة، وتنفر منه الشياطين.
وإذا صلى المسلم هذا التطوع جماعةً أحيانًا جاز إذا لم يتخذ عادة، وكذا إذا كان لمصلحة مثل: أن لا يحصر المصلي وحده، ولا ينشط وحده فالجماعة أفضل إذا لم يتخذ هذا عادة راتبةً، والمداومة على فعل هذا الجماعة بدعة، وفعلها في البيت أفضل إلا لمصلحةٍ راجحة.
عن أنس بن مالك ﵁: «أن جَدَتُهُ مَلِيكة بَعَثَتْ لرسول الله ﷺ بطَعَامٍ صَنَعَتهُ لهُ، فأكلَ منه، ثم قال: قُوموا فلاصلي لكم، قال أنس: فقمتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودْ من طُولِ ما لُبِسَ، فنضحته بماءٍ، فقام رسول الله ﷺ وصَفْفتُ واليتيمُ وراءهُ، وقال: عزيزٌ والعجوز من ورائِنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركَعَتين، ثم انْصَرَفَ».
متفقٌ عليه.
وعن زيدٍ بن ثابت ﵁ أن الرسول ﷺ: «اتخذَ حُجْرَةً قال: حَسِبْتُ أنهُ قال: من حَصِير، في رمضان فصَلَى فيها ليالي، فصلى بصلاتة ناسٍ من أصحابه، فلما عَلِمَ بهم جعل يقعُد،فخرَجَ إليهم فقال: قد عرفتُ الذي رأيتُ من صَنِيعكُمُ، فصلوا أيها الناس في بيوتكُم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرءُ في بيته إلا المكتوبة».
متفقٌ عليه.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺلَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ».
، قُلْنَا: وَمَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ ﷺ».
متفقٌ عليه.
• حكم التطوع على الراحلة في السفر:
يستحب للمسافر التطوع على الراحلة، سواءً كانت طائرة، أو سيارة، أو قطار، أو سفينة، أو حيوان، أو غير ذلك من وسائل النقل.
ويستحب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام في التطوع في السفر إن قدر، وإلا صلى حيثما توجهت به راحلته، أما الفريضة فلابد المسافر أن يستقبل القبلة في جميع صلاته، راكبًا أو نازلًا، مقيمًا أو مسافرًا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥].
وعن ابن عمر ﵁ قال: كان النبي ﷺ: «يُصَلي في السفرِ على رَاحِلتِه حيثُ تَوَجَهَتْ به يُومِي إيماءً صلاةُ الليلِ، إلا الفرائضُ، ويُوترُ على راحلتهِ».
متفقٌ عليه.
وعن جابر ﵁ يقول: «كان النبي ﷺ يُصلِي على راحلتهِ حيثُ توجهتْ، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة».
متفقٌ عليه.
• أوقات النهي عن صلاة التطوع:
أوقات النهي عن صلاة التطوع خمسة وهي:
من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ومن طلوع الشمس إلى ارتفاعها قدر رمح، ويقدر بخمس عشرة دقيقة تقريبًا؛ ومن استواء الشمس حتى تزول، وهو وقتٌ قصير جدًا ويقدر بخمس دقائق تقريبًا، ومن بعد صلاة العصر إلى اصفرار الشمس، ومن شروع الشمس في الغروب إلى أن تغرب.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا صَلاةَ بعد العَصَرَ حتى تَغْرُبَ الشمسُ، ولا صَلاةَ بعد صلاةِ الفَجْرِ حتى تَطْلُعَ الشمسِ».
متفقٌ عليه.
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كان رسول الله ﷺ ينْهَانَا أن نُصليَ فيهُن أو أن نقبر فيهن موتَانَا: حين تطْلُعُ الشمسُ بازغةً حتى ترتفع، وحين يقومُ قائمٌ الظهيرة حتى تميلُ الشمسِ، وحين يضيف الشمسُ للغروبَ حتى تغرُب».
أخرجه مسلم.
• حكمة النهي عن صلاة التطوع في أوقات النهي:
سبب النهي عن صلاة التطوع في أوقات النهي هو عدم مشابهة الكفار الذين يسجدون للشمس عند طلوعها، وعند غروبها، ولأن النار تُسجر عند استواء الشمس في كبد السماء وقت الظهيرة، ولما فيه من التعبد لله فيما أمر به، ونهى عنه، في كل حال، ولما فيه من إراحة النفوس إذا مُنِعَت بعض الوقت، لتقبل على العمل بعد المنع منه برغبة ونشاط.
عن عمرو بن عنبسة السلمي ﵁ قال: «قلتُ يا نَبِيَ الله أخْبِرْنِي عما علمكَ الله وأجَهَلُهُ؟ أخبرنِي عن الصَلاةَ؟ قال:صَلِ صلاة الصُبُح، ثم اقصُر عن الصَلَاة حتى تَطْلُعَ الشمسُ حتى تَرْتَفِعَ، فإنها تَطْلُعُ حين تَطْلُعُ بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجدُ لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودةٌ محظورة حتى يستقلُ الظلُ بالرُمحِ، ثم اقْصُرْ عن الصلاة فإن حينئذٍ تُسجَرُ جهنمُ، فإذا أقبل الفيء فصلْ فإن الصلاة مشهودةٌ محظورةٌ حتى تُصلي العصر، ثم اقْصُرْ عن الصلاة حتى تغرُب الشمس فإنها تغرُبُ بين قرْنَي شيطان وحينئذٍ يسجدُ لها الكُفار».
أخرجه مسلم.
• الصلوات التي يجوز فعلها في وقتِ النهي:
الصلوات التي يجوز فعلها في أوقات النهي أقسام:
الأول: قضاء الفرائض الفائتة بسبب نومٍ أو نسيان أو غيرهما، فهذه الصلوات تُقضى في وقت النهي، وفي غير وقت النهي.
الثاني: صلوات ذوات أسباب مثل: صلاة الكسوف، والجنازة، وتحية المسجد وركعتي الطواف ونحو ذلك.
وضابط هذه الأسباب هو كل صلاةٍ متعلقة بسبب، فإن كانت تفوتُ، إذا أُخرت عن سببها، فإنها تُشرع في أوقات النهي
كالكسوف، وتحية المسجد ونحوهما.
وإن كانت لا تفوت فإنها لا تشرع في أوقات النهي كصلاة الاستسقاء.
الثالث: قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، أو بعد طلوع الشمس، وهو الأفضل وقضاء سنة الظهر، بعد صلاة العصر، لفعل النبي ﷺ.
***
مختارات
