الخزانة السابعة..
• فقه التعبد لله بأسمائه الحسنى:
إن معرفة الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، أجل المعارف على الإطلاق، وأفضل العطايا من الله لعبده، لأنها روح التوحيد، ولب الإيمان، وزبدة اليقين: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن فتح الله له هذا الباب، انفتحت له أبواب الدين كلها:
أبواب التوحيد الخالص، وأبواب الإيمان الكامل، وأبواب الإحسان والتقوى، وأبواب العمل الصالح، وأبواب الخلق الحسن، وأبواب الأجر العظيم: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وأحسن السبل إلى هذه المعرفة، والتعبد لله بها، النظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات الشرعية، وذلك أعظم مفتاح لمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، واستحضار معانيها، وتحصيلها في القلوب، حتى تتأثر القلوب بآثارها،وتتصف بصفاتها: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وإذا امتلأ القلب بهذه المعارف، جاء فيه حب الله، وتعظيمه، والذل له، وحسن عبادته، ثم انقادت الجوارح معه في فعل كل طاعة لله ﷿، وترك كل معصية لله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فتعرف إلى ربك العظيم بالنظر في آياته ومخلوقاته، تعرف ربك بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويزيد إيمانك، وتحسن عبادتك، وتعظم أجورك: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
فمعرفة أسماء العظمة والمجد والكبرياء، والجبروت والجلال، تملأ القلب تعظيمًا لله، وإجلالًا له، وتكبيرًا له، وتعلقًا به، وهذا هو مقصود العبادة بأنواعها المختلفة:﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
ومعرفة أسماء الجمال والبر، والجود والإحسان، واللطف والرحمة، تملأ القلب حبًا لله، وشوقًا له، وحبًا له، وثناءً عليه، وحمدًا له، وحياءً منه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
ومعرفة أسماء العزة والقهر، والقوة والقدرة والحكمة، تملأ القلب خضوعًا لله، وخشوعًا له، وخوفًا منه، وانكسارًا بين يديه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ومعرفة أسماء الغنى والكرم والإحسان، تملأ القلب افتقارًا إلى الله، واضطرارًا إليه، والتوكل عليه، والاستعانة به، وعدم الالتفات إلى غيره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
ومعرفة أسماء العلم والخبرة، والمراقبة والإحاطة، تملأ القلب مراقبة لله في كل حال، وإحسان العبادة لله، وحراسة الخواطر من الأفكار الرديئة، والإرادات الفاسدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وجميع هذه المعارف تزيد الإيمان في القلب، وتثمر للعبد كمال التعظيم لله، والذل له، والحب له، والحياء منه، وتعلق القلب به، والشوق إليه، والرجاء له، والخوف منه، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والأنس به، والفرار من الخلق إليه وتوحيده، وإخلاص العمل له، وحسن عبادته ودخول جنته:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وكلما قويت هذه المعرفة، استنار القلب بنور العلم والإيمان، ورأى بهذا النور عظمة ربه وجلاله، وإنعامه وإحسانه، ولطفه وبره ورحمته، فعظم إقباله على ربه، واستسلامه لشرعه، ولزومه لأمره، وبعده عن نهيه، وتجديده لتوحيده، وأنسه بمناجاته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
والله ﷿ يحب أسماءه الحسنى، وصفاته العلى، ويحب ظهور آثارها في خلقه، فهو واحد يحب التوحيد وأهله، عليم يحب العلم وأهله، جميل يحب الجمال وأهله، مؤمن يحب المؤمنين، شكور يحب الشاكرين، كريم يحب أهل الكرم، بر يحب أهل البر، عفو يحب أهل العفو، رحيم يحب أهل الرحمة، تواب يحب التوابين: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
والله ﷿ يريد منا تحصيل الصفات التي يحبها.
ومن رحمته أرسل الرسل لدعوة الخلق لتحصيل هذه الصفات التي هي مراد الله من خلقه وتوحيده وعبادته بموجب ذلك.
وهو سبحانه الكريم الذي يهب لعباده هذه الصفات، ويجازيهم بالثواب العظيم بحسب ما فيهم من هذه الصفات التي يحبها، ويرغبهم بالتعبد لله بها بقوله سبحانه:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والله حكيم عليم لا يفعل ولا يأمر من الأحكام إلا ما هو مقتضى أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فأفعاله سبحانه كلها دائرة بين العدل والإحسان، والحكمة والرحمة، وأخباره كلها حق وصدق، وأوامره ونواهيه كلها عدل وحكمة، ورحمة وإحسان.
هو الحكيم الذي يأمر بكل خير، وينهى عن كل شر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وهذه المعارف الإلهية العظيمة تزيد العبد قوة في الإيمان، وزيادة في اليقين، وحمدًا وحباً للرب وصدقًا في التوكل على الله، ورغبةً في عبادته وطاعته: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
والله ﷿ يحب أسماءه وصفاته، ولهذا أظهر آثارها في جميع مخلوقاته في السماوات والأرض، وفي الدنيا والآخرة، ويحب كذلك ظهور آثارها فيمن اصطفاهم من خلقه وهو آدم ﷺوذريته: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وقد خلق الله ﷿ آدم ﷺ على صورته أسماء وصفات، موصوفًا بأسماء العبودية من ذل وخضوع، وضعف وعجز، وفقر ومسكنة، وموصوفاً بصفات الربوبية من كبر وجبروت، وعزة وقوة، ومشيئة وإرادة.
فمن علم الله أنه يصلح للهداية والجنة تولاه، فكفاه شر نفسه، وهداه لاستعمال أسماء الربوبية، وصفات الألوهية، وفق ما يحبه الله ويرضاه، مع ربه، ومع أوليائه وأعدائه، فيسلخ عن عبده المؤمن أسماء وصفات الربوبية مع ربه، ويوجهها منه إلى أعدائه، ثم يوجهه بصفات الألوهية والعبودية إليه، ويستعمله بها بين يديه، من الحب، والتعظيم، والذل لله، والخوف، والرجاء، والتوكل وغير ذلك من سمات العبودية: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «خَلَقَ اللَّهُ ﷿آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا».
متفق عليه (١).
فسبحان الملك الحق الرحيم بعباده، الذي تعرف إلى خلقه بجميع أنواع التعريفات، ودلهم عليه بأنواع الدلالات، وفتح لهم إليه جميع الطرقات: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
ثم عرفهم بالصراط المستقيم الذي يسيرون عليه، وأمرهم بسلوكه إليه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الأنفال: ٤٢].
فالرب واحد، ودينه واحد: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
ولله الحمد كثيرًا على أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، ونعمه الظاهرة والباطنة، ودينه الحق: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وله الحمد كثيرًا أن نهج لنا سبيل معرفته بما كشف لنا عن حقيقة عجزنا عن بلوغ كنهه، فأكمل الخلق معرفةً به أعلمهم بأنه لا نهاية لمعرفته، ولا إحاطة لأحد بأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا إدراك لاحد لكنه صمديته:﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
• فقه التعبد لله باسمه الرب:
من علم أن ربه يراقبه، ويحاسبه على أفعاله، ويعاقبه سريعًا على كل قول أو فعل لا يرضيه، فليعلم أنه في عز العناية الإلهية، وأن فيه خيرًا كثيرًا، وأن الله يؤهله لرحمته، ويربيه ليرقيه، ويكفر عنه سيئاته: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
ومن ارتكب المعاصي والكبائر، ولم يحاسبه ربه، ولم يعاقبه، فليعلم أنه خارج العناية الإلهية، لأن الله علم فيه انحرافًا شديدًا، وإصرارًا على معصية الله، واستكبارًا عن طاعة ربه، فوكله إلى نفسه، ونسيه كما نسيه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧].
فسبحان الرب الرؤوف الرحيم الذي يسوق الشدائد والمصائب لمن عصاه، ليحمله على التوبة من أجل أن يتوب إليه: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ [السجدة: ٢١].
فمن علم الله فيه خيرًا جعله ضمن العناية الإلهية، فرباه وأكرمه وأدبه بما يكون سببًا لرحمته بالنعم الظاهرة والباطنة: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
ومن علم الله أنه لا يصلح لدار كرامته، متعه في الدنيا بشهوات نفسه، فإن لم يشكر عاقبه، فإن أصر أهلكه:﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٣ - ٤٥].
والإنسان كالمريض، إن كان فيه أمل الشفاء، حماه الطبيب مما يضره، وأعطاه ما ينفعه، وإن كان لا أمل في شفائه قال له:كل واشرب ما شئت، لأنه لا أمل في شفافة: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأنعام: ١٢٥].
فتعلم ذلك كله، وتعبد بذلك لربك التعبد كله، وأفرده بما هو أهله، والزم قدرك، واعرف نفسك، فهو الرب وأنت العبد، وهو الخالق وأنت المخلوق، وهو الغني وأنت الفقير،وهو القوي وأنت الضعيف: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ [غافر: ٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
أفرد ربك العظيم بما تفرد به من الكمال، وما اختص به من التعالي والكبرياء، وما توحد به من العظمة والملكوت والجلال والجبروت: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
والزم نفسك شعيرة العبودية لربك العظيم، وذل الافتقار إليه في جميع الأوقات، ووالي ربك بالتوحيد والإيمان، وحسن العبادة، وأكثر من ذكره وحمده وشكره، واستغفره من كل تقصير، فذلك شرفك، وسبيل فلاحك ونجاتك في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران: ٥١].
واعلم أن معرفة العبد بربه، وشهوده انفراده بالربوبية، من الخلق والأمر، والملك والرزق، والتدبير والتصريف، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لا يكون، وأن مقاليد الأمور كلها بيده، كل ذلك يوجب تعلق القلب بالرب وحده، والتوجه إليه، والاستعانة به، وتفويض الأمور كلها إليه، وعدم الالتفات إلى ما سواه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
قف بين يدي ربك العظيم عابدًا حامدًا، خاشعًا ذاكرًا، فقيراً عاجزاً، ضعيفاً جاهلاً، وكن مع خلقه داعيًا ومعلمًا، ومحسنًا ومربيًا، تكن بذلك من المفلحين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال ﷿: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
رب نفسك على ما يحبه الله وافعله، وابغض ما يكرهه الله واجتنبه، وخذ بها إلى سبل الرشاد، ورب سواك بالنصح والتوجيه، وحسن التربية والتعليم، تصلح وتُصلح، وتربح وتؤجر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
والله ﷿ يحب أسماءه الحسنى، وصفاته العلى، ويحب ظهورها في خلقه على شاكلة العبودية، ولهذا أخبرنا الله بها، ودعانا للاتصاف بها، وعبادته بموجبها، والثناء عليه بها:﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
فهو سبحانه الرب الكريم الذي يحب الكرم وأهل الكرم، الشكور الذي يحب الشكر وأهل الشكر، التواب الذي يحب التوبة، وأهل التوبة، العفو الذي يحب العفو وأهل العفو، فكن أنت كذلك، وتجمل بذلك: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
مقصود خلق الإنسان في هذه الحياة، تحصيل الصفات التي يحبها الله، والاتصاف بها، وعبادة الله بموجبها، ودعاء الله بها، ودعوة الناس إليها، كما قال سبحانه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وكن ربانيًا متصفًا بالصفات الحسنى التي يحبها الله، يحبك الله، ويحبك الخلق من الإسلام والإيمان والإحسان، والكرم والعفو، واللطف والرفق، والحلم والرحمة، والحمد والشكر وغير ذلك من الأسماء الحسنى، والصفات العلى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
فإذا وكلك الله بأسرة، فكن لها مدبرًا رحيمًا حكيمًا، وإذا وكلك الله بطلاب علم، فكن لهم مدبرًا لطيفًا، ومربيًا رحيمًا.
وإذا كنت حاكمًا، فيجب عليك أن تدبر أمر رعيتك بما أمرك الله ورسوله به، وإن كنت عالمًا، فيجب عليك أن تدبر أمر عباده بالشرع: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩].
وعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
متفق عليه.
فالله وحده رب العالمين الذي علمك الأمور كلها، وأنت خليفة في الأرض، وكلك الله بتدبير أمور الناس حسب الشرع، والله شهيد عليك إن أحسنت أو أسأت: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
***
مختارات
