فقه الجهاد في سبيل الله (١)
قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)} [الحجرات: ١٥].
وقال الله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)} [الفرقان: ٥٢].
وقال الله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)} [النساء: ٧٤].
لفظ الجهاد له معنيان:
أحدهما: بمعنى بذل الجهد لإعلاء كلمة الله، ونشر دينه، بالدعوة إلى الله، والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الله سبحانه في الآيات المكية: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
وقال سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)} [الفرقان: ٥١، ٥٢].
فهذا كله وما في معناه كله بمعنى الدعوة إلى الله، وبذل الجهد في نشر دينه.
الثاني: الجهاد بمعنى القتال كما هو غالب الآيات المدنية كقوله سبحانه: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)} [التوبة: ٤١].
وقوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)} [البقرة: ٢١٨].
فالجهاد بمعنى الدعوة حسن لذاته.
والجهاد بمعنى القتال حسن لغيره.
فالله خلق الخلق لعبادته وطاعته، وأرسل رسله لإبلاغ شرعه إلى عباده، وأنزل كتبه ليهتدي بها الناس إلى ربهم.
فمن استجاب فآمن بالله وعمل بشرعه فهو من المؤمنين.
ومن أبى الإسلام فعليه أن يدفع الجزية مقابل رعايته في المجتمع الإسلامي.
فإن أبى الإسلام وأبى دفع الجزية فهذا مستكبر معاند، مؤذ ظالم كافر غير شاكر، عاص غير مطيع، يجب قتاله حتى يكون الدين كله لله.
فالقتال في سبيل الله له أسباب.
وله أوامر.
وله أوقات.
وله أحوال.
والدعوة إلى الله مشروعة ومفتوحة كل وقت لكل مسلم ومسلمة، والإسلام جاء لهداية الناس ورحمتهم ودعوتهم لعبادة الله وحده لا شريك له.
فالدعوة إلى الله واجبة على المسلمين في جميع الأوقات والأحوال ليلاً ونهاراً.
سراً وجهاراً.
حال الأمن وحال الخوف.
حال الإقامة وحال السفر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاها أكثر الوقت، وهي مسؤولية الأمة بعده.
أما الجهاد في سبيل الله فيشرع عند اللزوم، بل هو واجب لدفع عدو عن المسلمين، وقتال معاند، ونصر مظلوم، وحماية المسلمين، ورفع الظلم عنهم، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله.
فنوح - صلى الله عليه وسلم - دعا إلى الله ولم يقاتل، وهود وصالح، وإبراهيم ولوط، وإسماعيل وإسحاق، وموسى وعيسى، جميع هؤلاء الأنبياء دعوا إلى الله، ولم يؤمروا بقتال، وقاتل داود من أنبياء بني إسرائيل.
ثم مَنَّ الله على هذه الأمة بخاتم الأنبياء والمرسلين فدعا إلى الله، ولما أوذي والمؤمنون معه أذن الله لهم بالقتال بعد الهجرة إلى المدينة كما قال سبحانه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: ٣٩، ٤٠].
ولما أظهر الله دينه، وأعز أهله، وصارت لهم دار في المدينة، وقويت شوكتهم، عظم ذلك على الكفار، فزاد شرهم وظلمهم، وعظم كيدهم وطغيانهم، فحملوا سيوفهم وركبوا خيلهم للقضاء على الإسلام وأهله والدعاة إليه، واجتمع المشركون كافة لإبادة المسلمين كافة، فحينئذ شرع الله للمسلمين قتالهم كما قال سبحانه: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)} [التوبة: ٣٦].
وكلما احتاج المسلمون في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى القتال بسبب ظلم الكفار لهم، وصدهم عن سبيل الله، شرعه الله لهم، وأمرهم به ورغبهم فيه لإعلاء كلمة الله كما قال سبحانه: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)} [النساء: ٧٤].
وقد جاهد المسلمون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لرد كيد الكفار، وصد عدوانهم، ومنعهم من الصد عن سبيل الله كما حصل في بدر وأحد، والأحزاب، والحديبية وخيبر، وفتح مكة والطائف وغيرها كما قال سبحانه: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)} [التوبة: ٨٨، ٨٩].
وقد فرض الله الجهاد في سبيل الله على المسلمين كافة كما فرض عليهم الصلاة والزكاة، فلا يحل لأحد أن يتخلف عنه إلا من عذر كما قال سبحانه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)} [البقرة: ١٩٠].
وقال سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)} [البقرة: ٢١٦].
والدعوة إلى الله كالمطر للنبات، فإذا لم يوجد مطر لا يوجد نبات ولا حيوان، وكذلك إذا لم توجد الدعوة لا يعرف الناس الإيمان، ولا العبادات كالصلاة والزكاة، والصيام والحج وغيرها، ولا يعرفون المعاملات والآداب والأخلاق والسنن والأحكام.
فالصلاة لها وقت.
والصيام له وقت.
والحج له وقت، والجهاد له وقت.
والدعوة إلى الله لها كل الوقت لأنها أم الأعمال، وهي وظيفة كل فرد من الأمة كما قال سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)} [يوسف: ١٠٨].
والجهاد نوعان:
جهاد داخلي.
وجهاد خارجي.
فالجهاد الداخلي:
جهاد النفس.
وجهاد الهوى.
وجهاد الشيطان.
وجهاد الدنيا.
أما الجهاد الخارجي: فهو جهاد الأعداء والكفار من شياطين الإنس والجن باللسان والسيف، والجهاد الداخلي مقدم على الجهاد الخارجي.
فإذا انتصر المسلم على عدوه الداخلي نصره الله على عدوه الخارجي، وإذا انتصر عليه عدوه الداخلي انتصر عليه عدوه الخارجي.
فيجب علينا الاعتماد على الله، والتوكل عليه، والتوجه إليه في جميع الأمور، وامتثال أوامره، وفعل ما يرضيه ويحبه، واجتناب ما يكره، كما يجب علينا ألا نتأثر من الأشكال والأموال، والأشياء، والقوات وغيرها من المخلوقات والأسباب، فالكل في قبضة الله.
وإنما نتفكر ماذا يريد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؟.
وماذا يحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؟.
وماذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند لقاء أعدائه فنفعله ليرضى الله عنا، وينصرنا على أعدائنا؛ لأنه تكفل بنصر رسله وأتباعهم.
والجهاد ذروة سنام الإٍسلام، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْض، فَإِذَا سَألْتُمُ اللهَ فَاسْألُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأعْلَى الْجَنَّةِ - أُرَاهُ- فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الْجَنَّةِ» أخرجه البخاري (١).
وأهل الجهاد في سبيل الله هم الأعلون في الدنيا والآخرة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - في الذروة العليا منه، واستولى - صلى الله عليه وسلم - على أنواعه كلها.
فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان.
والدعوة والبيان.
والسيف والسنان، فلهذا كان أرفع العالمين ذكراً، وأعظمهم عند الله قدراً، وأمره الله عزَّ وجلَّ بالجهاد من حين بعثه فقال: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)} [الفرقان: ٥٢].
فهذه آية مكية أمره الله فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان، وإبلاغ القرآن.
ثم لما استمر في الدعوة إلى الله، وآذاه الكفار، وظلموه وسبوه، وأرادوا قتله، وكفروا به، وصدوا عن سبيل الله، وصدوه عن المسجد الحرام، وبالغوا في ظلمهم وطغيانهم، وأصروا على كفرهم وشركهم، أذن الله له بالقتال بعد أن مُنع منه ثلاثة عشر عاماً في مكة، فلما بلغ الأذى والظلم أشده: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)} [الحج: ٣٩].
فجاهد عليه الصلاة والسلام بعد الهجرة إلى المدينة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، ويعبد الله وحده لا شريك له، امتثالاً لأمر ربه الذي قال له: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)} [التحريم: ٩].
والجهاد بالقلب واللسان، وبالسيف والسنان، كله لإعلاء كلمة الله ونشر دين الله، ليحصل الخير لجميع البشرية، ويكف عنهم الشر، وذلك يتطلب بذل النفس والمال والوقت، والتضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمة الله.
وحقيقة المجاهدة تكون بثلاثة أشياء:
الأول: أن نكمل العمل من أوله إلى آخره، عبادة ودعوة، وشرطه أن يكون خالصاً لله، موافقاً لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الثاني: التضحية بالبذل والترك من أجل الدين، فنقدم حاجات الدين على حاجات النفس، والدعوة على جميع الأعمال، والأهم على المهم.
الثالث: الاستقامة على هذا العمل، والاستمرار فيه، وإقامة الناس عليه، وبذلك تحصل لنا السعادة في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)} [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وبهذه المجاهدة الله يرزقنا الإخلاص، وحسن العمل، وتحصل الهداية لنا ولجميع الناس كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
والنبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رضي الله عنهم حين واجهوا الكفار في بدر لم يتفكروا من سيكون معهم الفرس أو الروم؟.
بل هم اجتهدوا كيف يكون الله معنا، وما زالوا يدعون الله ويبكون حتى نزلت عليهم نصرة الله مع قلتهم وقلة ما معهم كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)} [آل عمران: ١٢٣].
فالإيمان والدعاء والأعمال الصالحة عدة المجاهدين في سبيل الله، وهي سبب نصرهم سواء كان جهادهم بالسيف وهو القتال، أو باللسان وهو الدعوة إلى الله كما قال سبحانه: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)} [الروم: ٤٧].
وقد أمر الله عباده المجاهدين في سبيله بالشجاعة الإيمانية وإعداد القوة، والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان، والتخلص من قيد الشهوات وسيئ الأخلاق، والثبات والصبر، ليواجهوا الأعداء بكمال الإيمان، وكمال التقوى، وكمال الصبر فيحصل لهم النصر كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)} [الأنفال: ٤٥، ٤٦].
وفي ذلك كله نصرة لدين الله.
وقوة لقلوب المؤمنين.
وإرهاب للكافرين.
وإعلاء لكلمة الله.
وإظهار لدينه.
وقد بين الله في القرآن الكريم أن المجاهدين في سبيل الله إذا تخلصوا من ثلاث آفات حصلوا على كمال الإيمان والتقوى فحصل لهم النصر من الله وقهر بهم الأعداء، وهدى بهم من شاء من عباده.
وهذه الآفات هي:
آفة الأخلاق السيئة.
وآفة الشهوات.
وآفة اليقين على المشاهدات، فلا بدَّ أن ينقوا ويهذبوا وينخلوا، لتخرج منهم هذه الآفات، ويحصلوا على كمال الإيمان والتقوى الذي يحصل به النصر.
فإذا تمت التنقية بقي ما يحب الله وينصر به، وخرج ما يبغض الله ويخذل به.
فالأول: منخل الصفات، فلا بدَّ من التحلي بالأخلاق الحسنة من الإيمان والتقوى، والتخلص من الأخلاق السيئة من الكفر والكبر والحسد والعجب والغرور.
فطالوت كان فقيراً يسقي الماء بالقِرَب، فاختاره الله وبعثه ملكاً على قومه من بني إسرائيل، ولكنهم لم يقبلوه بسبب كبرهم وحسدهم: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)} [البقرة: ٢٤٧].
فأنى يُنصر هؤلاء وقد ردوا بسبب أخلاقهم السيئة ما اختار الله لهم واصطفاه عليهم؟.
فلا بدَّ أن يتخلقوا بالأخلاق الطيبة التي يحبها الله، ويتخلصوا من الأخلاق السيئة التي يبغضها الله، ولكن هذا لا يكفي، فلا بدَّ أن يمروا بمنخل آخر وهو:
الثاني: منخل الشهوات، فالله له محبوبات وأوامر، والنفس لها محبوبات وأوامر، فلا بد من تقديم ما يحبه الله على ما تحبه النفس، فالنصر ينزل والهداية تحصل بامتثال أوامر الله، فمن قدم أوامر الله على شهواته فاز ونُصر، ومن قدم شهواته على أوامر الله خسر وحُرِم كما شرب أكثر جيش طالوت من النهر الشرب المنهي عنه فحُرموا الخير، ورجعوا على أعقابهم، ونكصوا عن قتال عدوهم، وكان في عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم على القتال الذي سيتطاول، وتحصل به المشقة الكبيرة، وكان في رجوعهم عن باقي العسكر ما يزداد به الثابتون توكلاً على الله وثباتاً وتضرعاً إليه، فقعد من شرب كثيراً، وسار مع طالوت من اغترف غرفة بيده كما قال سبحانه: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة: ٢٤٩].
وحسن الأخلاق، وتقديم ما يحبه الله على ما تحبه النفس لا يكفي، فلا بدَّ من منخل آخر وهو:
الثالث: منخل المشاهدات، فالله سبحانه بيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء، فمن كان يقينه على الله نصره، وجعله سبباً لهداية الناس، ومن كان يقينه على المشاهدات والمصنوعات والأعداد أذله الله بها وهزم بسببها كما قال سبحانه عن طالوت وجيشه: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)} [البقرة: ٢٤٩].
فالمؤمنون الذين أطاعوا أمر الله، ولم يشربوا من النهر الشرب المنهي عنه وساروا مع طالوت لحرب عدوه صاروا فريقين:
فريق لما رأوا قلتهم وكثرة عدوهم قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده؛ لأنهم تأثروا بالمشاهدات من كثرة العدو، وكثرة عددهم وسلاحهم.
أما الفريق الآخر فهم أهل الإيمان الثابت واليقين الراسخ فقالوا مثبتين لباقيهم ومطمئنين لخواطرهم، وآمرين لهم بالصبر: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)} [البقرة: ٢٤٩ - ٢٥١].
فالتصفية الأولى: للتحلي بالأخلاق الحسنة، والتخلي عن الصفات السيئة.
والتصفية الثانية: لتقديم أوامر الله على شهوات النفس.
والتصفية الثالثة: لتحصيل اليقين على الله، والتوكل عليه وحده في جميع الأمور، وعدم الالتفات مطلقاً إلى الأشياء والمشاهدات.
فمن نجح في هذه الابتلاءات الثلاثة نصره الله عزَّ وجلَّ، وجعله سبباً لهداية الناس.
والتقوى والصبر سبب لحفظ المؤمنين من كيد الأعداء، وإذا كادنا الأعداء وغلبونا علمنا أن حقيقة التقوى والصبر لم تكن في قلوبنا كما قال سبحانه: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)} [آل عمران: ١٢٠].
وإذا تقابلت طائفتان من الناس في ميدان الجهاد، فإن كان يقينهما معاً على الأسلحة والرجال غلبت الطائفة التي معها الأشياء الأكثر، والرأي الأصوب، والصبر الأدوم.
وإن كان يقين إحداهما على الله، ويقين الأخرى على الأسباب والأشياء نزلت نصرة الله على من توجه إليه، وهلكت الأخرى ودمرت كما حصل في بدر كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)} [آل عمران: ١٢٣].
(١) أخرجه البخاري برقم (٢٧٩٠).
مختارات
