الخزانة العاشرة..
فقه اليمين:
اليمين هو القسم بالله، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، على أمر من الأمور؛ لتأكيده ومن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك.
قال النبي ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ».
أخرجه الترمذي وأبو داود (١).
أقسام اليمين:
الأيمان أربعة أقسام، يمينان يكفران، ويمينان لا يكفران.
اليمينان اللذان يكفران كأن يقول الإنسان: والله لأ أفعل كذا وكذا، ويفعل.
أو يقول: والله لأفعلن كذا وكذا، فلا يفعل.
واليمينان اللذان لا يكفران كأن يقول: والله ما فعلت كذا وكذا، وهو قد فعل، أو يقول والله لقد فعلت كذا وكذا، وهو لم يفعل، فهذه وما قبلها هي اليمين الغموس، وفاعلها آثم، ولا كفارة لها؛ لأنها أغلظ إثمًا من أن تكفرها كفارة اليمين.
واليمين الغموس من أعظم الكذب؛ وهي تغمس صاحبها في النار.
حكم اليمين:
يخرج الحالف من عهدة اليمين بواحد من ثلاثة أشياء:
الأول: إبرارها، بفعل ما حلف عليه.
الثاني: الكفارة، وهي جائزة قبل الحنث وبعده؛ فإن كانت الكفارة قبله فهي محللة، وإن كانت بعده، فهي مكفرة.
الثالث: الاستثناء بنحو: إن شاء الله، كأن يقول: والله سوف أسافر إن شاء الله.
ومن فعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا فلا حنث عليه؛لأنه معذورٌ بجهله أو نسيانه والله يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فقال الله: قد فعلت: أخرجه مسلم (١).
وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
ولا ينبغي الإكثار من الحلف في كل مناسبة: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠ - ١١].
أما قول الإنسان في كلامه اليومي: لا والله، وبلى والله، فهذا من اللغو ولا يؤاخذ عليه لكن الأولى البعد عنه، وعدم فعله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].
الفرق بين الناسي والمخطئ:
الناسي، أن يفعل الشيء المنهي عنه ناسيًا، كمن قتل الصيد في الحرم، أو الإحرام ناسيًا أنه في الحرم، أو ناسيًا أنه محرم.
والمخطئ أن يفعل ما له فعله فيصيب ما لم يقصده، كأن يرمي غرضًا فيصيب إنساناً فيقتله من غير قصد قتله،ولا إثم على المخطئ والناسي كما قال سبحانه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فقال الله: قد فعلت: أخرجه مسلم.
لكن إذا تعلق الخطأ أو النسيان بإتلاف مال أو دم فعليه ضمانة أو ديته.
حكمة النسخ:
النسخ في الشريعة يكون في الأحكام لا في الأخبار.
ويجوز نسخ الأخف بالأثقل؛ لأنه أكثر أجرًا كنسخ التخيير بين الصيام والإطعام في صيام رمضان بإيجاب صوم رمضان كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ويجوز نسخ الأثقل بالأخف؛ لأنه أسهل منه، كنسخ إعتداد المتوفي عنها زوجها بسنة إلى أربعة أشهر وعشرا.
أما النسخ بالمثل فكالنسخ للقبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام في مكة، وفي هذا النسخ حكم منها:
أولًا: أنه سقط به احتجاج كفار مكة، حيث قالوا للنبي ﷺ: تزعم أنك على ملة إبراهيم، ولا تستقبل قبلته.
ثانيًا: سقطت به حجة اليهود حيث قالوا للنبي ﷺ: تعيب ديننا وتستقبل قبلتنا، وقبلتنا من ديننا.
وسقطت به حجة علماء اليهود الذين عندهم في التوراة أنه ﷺ يؤمر باستقبال بيت المقدس، ثم يؤمر بالتحول عنها إلى استقبال الكعبة: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ [البقرة: ١٤٩ - ١٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧].
فضل الرجال على النساء:
خلق الله ﷿ الذكور والإناث، وجعل لكل منهما خصائص ينفرد بها عن الآخر: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢٠ - ٢١].
وفضّل الله الرجال على النساء في أصل الخلقة والطبيعة، فالمرأة الأولى وهي حواء خُلقت من ضلع الرجل الأول وهو آدم ﷺ، فهي جزء منه، والرجل أكمل وأقوى من المرأة، والعقل يقضي بأن الناقص الضعيف يلزم أن يكون تحت الكامل القوي في خلقته؛ ليجلب له ما ينفعه، ويدفع عنه ما يضره.
قال النبي ﷺ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ».
أخرجه مسلم.
لهذا جعل الله الرجل هو المسئول عن المرأة في جميع أحوالها كما قال سبحانه ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء: ٣٤ - ٣٥].
وخص سبحانه الرجال بالرسالة، والنبوة، والخلافة، دونها كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].
وملَّك الله الرجل الطلاق دونها، وجعلها للولي في النكاح دونها، وجعل انتساب الأولاد إليه لا إليها، وجعل شهادة الرجل في الأموال بشهادة امرأتين، وجعل شهادته في الحدود والقصاص دونها، وجعل له مثل حظ الأنثيين من الميراث؛ لأنه ينفق عليها، وجعل ديتها نصف دية الرجل لعظم المصيبة بفقد الرجل.
فسبحان العليم الخبير بأحوال خلقه.
حكمة إباحة تعدد الزوجات:
أباح الإسلام تعدد الزوجات إلى أربع، لمن قدر على العدل؛ لحكم عظيمة منها أن المرأة الواحدة تحيض وتمرض وتنشغل بالولادة ونحوها من الأعذار المانعة من أخص لوازم الزوجية، والرجل مستعد ومطالب بزيادة نسل الأمة، فلو حُبس عليها في حال أعذارها؛ لتعطلت منافعه.
ومنها أن الرجال أقل عددًا من النساء، فلو قصر الرجل على واحدة؛ لبقي عدد كبير من النساء محرومٌ من الزواج، ومن ثَم يقع في الفاحشة، وتكثر الفاحشة بين الرجال والنساء.
ومنها أن النساء كلهن مستعدات للزواج؛ لأنه لا عائق لهن، وكثير من الرجال يعوقهم الفقر عن الزواج، فلو قُصر الزواج على واحدة لضاع كثير من المستعدات للزواج؛ لعدم وجود أزواج، فيقعن في الفاحشة.
فالتعدد مباح في الكتاب والسنة؛ لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج ولمصلحة الرجل في عدم تعطل منافعه في حال قيام العذر بالمرأة الواحدة، ولمصلحة الأمة بتكثير نسلها الذي يعبد الله، ويقاوم عدوها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].
فقه الوكالة:
أولاً: لا يجوز التوكيل إلا في شيءٍ تصح النيابة فيه، فلا تصح في فعل محرم؛ لأن التوكيل من التعاون على البر والتقوى، ولا يجوز التعاون على الإثم والعدوان كما قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
ولا تصح الوكالة في عبادة محضة كالصلاة والصوم ونحوها؛ لأن ذلك مطلوب من كل أحدٍ بعينه، لكن يجوز قضاء الصوم الواجب عن الميت.
ثانيًا: يجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق، سواءً كان الموكل حاضرًا أو غائبًا، وسواءً كان مريضًا أو صحيحًا، فإن كان الموكل معروفًا بالظلم والجبروت، والإدعاء بالباطل، فلا يُقبل منه التوكيل لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥].
وتجوز الوكالة بعوضٍ، وبدون عوض.
فقه هلاك الأمم:
قدر الله مقادير الخلائق مربوطًة بأسبابها كما قال النبي ﷺ: «قدر اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وكان وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ».
أخرجه مسلم (١).
فقدر سبحانه مقادير الخلائق مربوطة بأسبابها، فإذا أراد الله ظهور ما قدره، وإهلاك من سبق في علمه أن يُهلكه، أمر الناس بطاعة الله، وتصديق رسله وإتباعهم فخرجوا عن طاعة ربهم، وعصوا رسله، وكذبوهم، فحق عليهم القول بالتدمير فأهلكهم إهلاكًا مُستأصلًا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦].
فالله لا يأمر بالفحشاء، ولا يأمر بالفسق ثم يُعذب على ذلك: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ [الإسراء: ٤٣].
فالله يأمر بالعدل والإحسان، ولا يأمر بالفواحش والمنكرات، بل ينهى عنها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٣٠].
حكم أهل الفترة:
أهل الفترة معذورون في الدنيا، لكن الله يوم القيامة يمتحنهم، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، فيأمرهم سبحانه في عرصات القيامة باقتحام النار، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، فينكشف علم الله فيه بسابق السعادة، ومن امتنع عن اقتحامها دخل النار، وهو الذي كان يُكذب الرسل لو جاءته في الدنيا، فينكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١].
فالله وحده هو الذي يعلم ما كانوا فاعلين لو جاءتهم الرسل، ويلحق بهم كل مجنون، ومعتوه ونحوهما من أهل الأعذار.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
نقص الأرحام، وزيادتها:
الله ﷿ وحده هو العليم بكل شيء، هو عالم الغيب، والشهادة، والله ﷿ وحده يعلم بالحمل من بدايته، ويعلم زيادته، ونقصه كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد: ٨ - ١٠].
فالله ﷻ عالم بما تنقصه الأرحام، وما تزيده، فالغيض هو النقص الذي يشمل نقص العدد، ونقص العضو من الجنين، ونقص جسمه إذا حاضت عليه أمه فتقلص، ونقص مدة الحمل.
أما ما تزيد الأرحام فيشمل زيادة العضو كاليد أو الأصبع ونحوهما، وزيادة العدد، وزيادة الجسم إذا لم تحض وهي حامل، وزيادة مدة الحمل عن المعتاد.
وأقل مدة الحمل ستة أشهر، وغالبه تسعة أشهر، ولا حد لأكثره.
والحامل لا تحيض وما تراه من الدم دم فساد، وأكثر مدة النفاس أربعون يومًا وقد تصل إلى ستين يومًا، ولا حد لأقله.
فسبحان العليم بكل شيء القادر على كل شيء الذي لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
فسبحان ربنا العظيم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، والذي جميع مخلوقاته في العالم العلوي، والعالم السفلي، مسبحة بحمده وشاهدة بوحدانيته، ومستجيبة لمشيئته، ومسرعةٌ إلى إرادته، وخاضعة لأمره، ومنقادة له، ومتصاغرة لكبريائه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
***
مختارات
