الخزانة التاسعة..
فقه استلام الحجر الأسود:
استلام الحجر الأسود عند ابتداء الطواف، وفى أول كل شوط، سُنة مشروعة، ولا يشرع استلام الحجر الأسود في غير الطواف بالكعبة.
ولاستلام الحجر الأسود مراتب:
الأولى: استلام الحجر باليد، ثم تقبيله بالفم.
عن ابن عمر ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله».
أخرجه البخاري.
الثانية: استلامه باليد، ثم تقبيل اليد.
عن نافع قال: رأيت ابن عمر استلمه بيده، وقبل يده، واخبر أنه رأى رسول الله ﷺ يفعله.
أخرجه مسلم.
الثالثة: استلام بعصا ونحوه، ثم تقبيل طرف ذلك العصا الذي استلم بها الحجر.
عن أَبَي الطُّفَيْلِ قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ».
أخرجه مسلم.
الرابعة: الإشارة إليه باليد اليمني أو بشيء دون تقبيل.
عن ابن عباس ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ طاف بالبيت على بعير كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشيءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ».
أخرجه البخاري.
حكم سجود الشكر:
سجود الشكر من أعظم ما يشكر به العبد ربه على نعمة؛ لما فيه من الخضوع لله؛ ولما فيه من شكر الله بالقلب واللسان والجوارح.
وسجود الشكر مشروع في الأحوال الآتية:
إذا حصلت للمسلمين نعمة عامة، أو اندفعت عنهم نقمة.
وإذا حصلت للمسلم نعمة خاصة، أو اندفعت عنه نقمة.
سواء تسبب في ذلك أو لم يتسبب، ولا يسجد المسلم للشكر أثناء الصلاة، كما أنه يشرع سجود الشكر عند رؤية مبتلى في دينه أو بدنه أو ماله.
وسجود الشكر لا يشترط له ما يشترط الصلاة من الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة وغيرها، بل يسجد حسب حاله، لكنه مع تلك الأمور أولى.
وسجود الشكر ليس له تكبير في أوله، ولا في آخرة، وليس له تشهد ولا تسليم، وإنما يشرع للساجد أن يقول ما يقال في سجود الصلاة، وما يناسب المقام من حمد الله وشكره واستغفاره.
وسجود الشكر سجدة واحدة، وهو مشروع للقائم والقاعد، والماشي والراكب، ويجوز قضاء سجود الشكر إذا لم يتمكن من أدائه في وقته بعذر من جهلٍ أو نسيان ونحوهما.
والسجود المفرد من غير سبب تقربا إلى الله من البدع المحرمة، لأنه لم يرد في كتاب ولا سنة.
عن أبي بكر ﵁ أن رسول الله ﷺ: (كانَ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْيُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِداً شُكْراً للهِ ﵎».
أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند حسن.
حكم الصلاة داخل الكعبة:
تجوز صلاة الفريضة و النافلة داخل الكعبة، وقد صلى النبي ﷺ في جوف الكعبة صلاة النافلة، وما صح في النفل صح في الفرض.
ويحرم المرور بين يدي المصلى، ويجوز في حال الضرورة، وفى حال الحاجة الملحة المرور بين يدي المصلي مطلقًا، كما هو الحال عند الزحام في الطواف بالكعبة في مناسبات الحج أو العمرة، ولا إثم على المار؛ لأن الضرورات تبح المحذورات.
ويجوز المرور بين أيدي المأمومين في المسجد الحرام وغيره، لكن الأولى ألا يمر إلا عند الحاجة، لئلا يشوش على المصلين.
ويحرم المرور بين يدي الإمام والمنفرد داخل المسجد الحرام وغيره، في غير حال الضرورة والحاجة.
الفرق بين المرأة البكر والثيب:
المرأة البكر هي التي لم يمسها أحد، والثيب من زالت بكارتها بنكاح صحيح، أو شبهة نكاح، أو ملك يمين، وهى التي جربت النكاح ومارسته.
أما من زالت بكارتها بزنا أو غصب، فهذه لم تمارس النكاح، فلها حكم البكر، وإذا طلقها أو مات عنها ولم يجامعها، فهي في حكم البكر.
ومن زالت بكارتها بغير جماع كمن زالت بكارتها بوثبة أو أصبع ونحو ذلك، فحكمها حكم البكر، لأنها بكر حقيقة، ولأنها لو زنت أقيم عليها حد البكر، إلا إنها ليست عذراء.
حكم تزويج البكر والثيب:
أولا: لا يجوز للأب أو لغيره من الأولياء تزويج الثيب البالغة إلا برضاها، وإذنها لا يكون إلا بالنطق.
ثانيًا: لا يجوز للأب أن يزوج ابنته الصغيرة الثيب ولا غيره إلا برضاها.
ثالثا: يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر التي لم تبلغ تسع سنين، ولا خيار لها إذا بلغت، إذا زوجها من رجل كفء.
ويجوز للولي غير الأب تزويج البكر الصغيرة إذا بلغت تسع سنين بإذنها، ولا خيار لها، وليس له تزويجها قبل ذلك.
وقد زوج أبو بكر الصديق ﵁ الرسول ﷺ عائشة وهى بنت ست سنين.
والمرأة إذا زوجت بغير إذنها، وهي ممن يجب استئذانها، فإن العقد موقوف على إجازتها.
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذَنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صماتها».
أخرجه مسلم.
أقسام الأحكام الشرعية:
الأحكام الشرعية تنقسم إلي قسمين:
الأول: العبادات: وهي أركان الإسلام الخمسة، وما يتبعها من الآداب والأذكار والأدعية وغيرها من الفرائض والنوافل.
الثاني: المعاملات: وهي أربعة أنواع:
الأول: المعاملات المالية كالبيع والإجارة والشركة ونحوها.
الثاني: المعاملات الشخصية، كالنكاح، والطلاق، والظهار، ونحوها، كالمواريث.
الثالث: معاملات القضاء، كالإقرار، والأيمان، والشهادة، ونحوها، من المعاملات.
الرابع: معاملات القصاص والجنايات، والحدود كحد الزنا والسرقة ونحوهما.
والواجبات الشرعية إما فرض عين، أو فرض كفاية.
والفرق بين فرض العين، وفرض الكفاية، أن الأمر إذا تعلق بالفاعل فهو فرض عين كالصلاة والصوم ونحوهما، وإذا تعلق بالعمل فهو فرض كفاية كالأذان والإفتاء ونحوهما.
مقدار وليمة النكاح:
أولم النبي صلى الله عليه وسلمبحيس حين تزوج صفية، وأولم بشاة حين تزوج بزينب بنت جحش، وأولم بأكثر من شاة حين تزوج ميمونة في مكة، فليس للوليمة حد معين، فيكون بحسب العرف، وبحسب اليسر والعسر، وبحسب كثرة الناس وقلتهم، بلا إسراف ولا مباهاة.
ووقت الوليمة المسنون بعد الدخول بالزوجة؛ لأنه المنقول من فعل النبي ﷺ، والأمر فيه سعة من حين العقد إلى انتهاء أيام العرس.
أنواع الطلاق:
الطلاق على أربعة أوجه:
وجهان حلال وهما:
الأول: أن يطلق المرأة في طهر لم يجامعها فيه.
الثاني: أو يطلق زوجته حاملا قد استبان حملها.
ووجهان حرام وهما:
الأول: أن يطلق زوجته وهي حائض.
الثاني: أو يطلقها في طهر جامعها فيه، وهذا كله في طلاق المدخول بها.
أما من لم يدخل بها فيجوز طلاقها طاهرا أو حائضا.
ومن الطلاق المحرم أن يطلقها ثلاثاً بكلمة واحدة أو كلمات، وهذا الطلاق لا يقع إلا واحدة؛ لأن الطلاق إنما يقع على زوجة في عصمته لا مطلقه، وهى تطلق هنا من الطلقة الأولى.
أقسام الإحداد:
الإحداد على الميت ينقسم إلى قسمين:
الأول: الإحداد الشرعي وهو إحداد المرأة على زوجها المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا.
الثاني: إحداد المرأة على غير زوجها ثلاثة أيام.
فقه المشتبهات:
الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، والمشتبهات هي المشكلات، وهي كل ما يحتمل أن يكون من الحلال البيّن أو الحرام البيّن.
والمشتبهات أنواع كثيرة:
الأول: ما تعارضت فيه الأدلة الشرعية وهو قسمان:
أحدهما: ما لم يترجح لدى المجتهد حِله، ولا تحريمه.
الثاني: وما يترجح لديه حِله، لكن عنده بعض التردد في حكمه، لقوة الدليل المعارض له.
الثاني: ما اختلف فيه العلماء، وأشكل عليه معرفة الأقرب للصواب.
الثالث: أن يشتبه الشيء الذي أصله مباح من جهة واقعه، والحالة التي هو عليها، هذا حكمه أنه باقٍ على أصله، لكن الورع اجتنابه من أجل هذه الشبهة، ومن هذا النوع:
اختلاط الحرام بالحلال كأموال السراق والفساق، فإن الورع ترك معاملة هؤلاء، وعدم قبول هداياهم، وعدم الأكل من موائدهم، ولا يحكم بتحريم شيء من ذلك؛ لأن الأصل في الأموال الحل، ولا يحرم منها إلا ما تيقن العبد حرمته بعينه.
الرابع: الاشتباه في وجود الصفة التي أنيط بها الحكم الشرعي.
الخامس: ما حصل فيه التردد، هل هو مباح أم لا؟.
السادس: ما ورد في النهي عنه حديثٌ ضعيف.
السابع: ما ثبت حكمه بالقياس الذي اختلف فيه أهل العلم.
الثامن: ما ورد في النهي عنه نص عام، وكانت هذه الصيغة من الصيغ التي اخُتلف في دلالاتها على العموم.
التاسع: المباح إذا كان يفضي أحيانًا إلى الوقوع في المحرم، مثل الإكثار من الأكل من الطيبات التي تفضي إلى كثرة الاكتساب والبطر، والانشغال بها عن العبادة.
وحكم المشتبهات أنها مباحة، لكن الأولى والورع تركها، والبعد عنها، فيجب على كل مسلم أن يكون بيعه وشراؤه، وطعامه وشرابه، وسائر معاملاته على السنة البينة الواضحة، فيأخذ الحلال البيّن، ويتعامل به، ويجتنب الحرام البيّن، ولا يتعامل به، أما المشتبه فينبغي تركه؛ حماية لدينه وعرضه، وصيانةً له من الوقوع في الحرام.
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلميَقُولُ: «إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ وإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْب».
متفق عليه.
أحكام العيد:
العيد اسم لما يعود ويتكرر مرة بعد أخرى.
وهو تعظيم زمن لذات الزمن، وليس في الإسلام إلا ثلاثة أعياد:
عيد الفطر، وعيد الأضحى كل عام، والجمعة عيد الأسبوع.
أما أعياد الموالد والزواج والتعيين على الوظائف وغيرها فهي بدعة، لما فيها من تعظيم الزمن، سواء كان ذلك احتفالًا، أو طعاماً أو تهنئة عند مرور ذلك الزمان: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعن عَائِشَةَ أَنَّ اَلْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ».
متفق عليه.
حكم الإحداد الجاهلي:
الإحداد الشرعي ينقسم إلى قسمين:
إحداد على الزوج أربعة أشهر وعشرة أيام، وهذا واجب.
وإحداد على غيره ثلاثة أيام، وهذا جائز.
أما الإحداد الجاهلي، وهو كل إحداد يخالف الإحداد الشرعي، ومنه الإحداد الجاهلي المعاصر، وهو الإحداد العام في الدول على موت رئيس، أو عظيم أو حلول مصاب عام.
ومن مظاهره الجاهلية في هذه المناسبات: تنكيس الأعلام، وإيقاف الأعمال، وتغيير برامج الإعلام، وهذا كله من البدع المحدثة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
فقد تُوفي سيد الخلق ﷺ، وتوفي الخلفاء الراشدون فلم يفعل الصحابة شيئًا من ذلك، وهذا الإحداد إنما أخذه بعض المسلمين عن الكفار، ومن تشبه بقوم فهو منهم:﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
***
مختارات
