القسم الأول (الخزانة الأولى)
• فضل بعثة النبي ﷺ.
الله ﷿ هو الملك الحق، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، وهو سبحانه الخالق، القادر، القاهر الذي وسم جميع المخلوقات بآثار الحدث بعد العدم، وبما أجرى على الكل من العجز، والحاجة، والنقص، والزيادة؛ لتكون له الحجة البالغة، والربوبية الناطقة، والألوهية الواحدة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ثم أكد الله ذلك، وأكمله برسل بعثهم بالحق إلى خلقه، فجعلهم سفراء بينه، وبين عبيده، وأمناء على وحيه، واختصهم بفضله، واصطفاهم برسالته، وأمرهم بإبلاغ وحيه، وكلفهم بالدعوة إلى توحيده والعمل بشرعه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
هو سبحانه الخالق الذي له الخلق، و الأمر وحده، خلق جميع الخلائق، وفضل بعضهم على بعض، فاصطفى من الملائكة رسل، واصطفى من البشر أنبياء، ورسل، وفضل بعضهم على بعض، وجعلهم على مراتب مختلفة، ودرجات متفاوتة.
فاصطفى الله ﷿ من الأنبياء، والرسل أولي العزم، وهم نوح، و إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم أفضل الصلاة والسلام، واصطفى الله سبحانه من أولى العزم الخليلين إبراهيم، ومحمد عليهما أفضل الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
واصطفى من الخليلين محمد ﷺ، وجعله أكمل الخلق، وسيد البشر، وخاتم الأنبياء، وأفضل الرسل، وأكثرهم تابعة، وأعلاهم قدرًا، وأحسنهم شريعة، وخص هو ربه بأعلى الدرجات، وأحسن الكرامات، وأعظم الأخلاق، و أرسله بأكمل الشرائع: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وجعل له سبحانه من الأصحاب، والأتباع النصيب الأوفر، وبعثه بالدعوة التامة، والرسالة العامة، وحفظه من كل جبار عنيد، وعصمه من كل شيطان مريد حتى أظهر الله به الدين، وأوضح به السبيل وأشاد به معالم الحق، وهدم به معاقل الشرك، و أزهق به الباطل، وحطم به الأصنام، و الأوثان وأظهر به أمة التوحيد، والإيمان.
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
وجعل سبحانه دين محمد ﷺ أحسن الأديان، وكتابه أحسن الكتب، وأمته خير الأمم، ثم أوجب الله علينا الإيمان به ﷺ وتصديقه، ومحبته، وطاعته، وتوقيعه وإتباعه، وحسن الاقتداء به، والقيام بأداء حقوقه، ونصرة دينه، وأتباعه، والدفاع عنه وعن دينه وسنته فالحمد لله رب العالمين الذي أكرمنا بتصديق رسوله ﷺ وشرفنا بإتباعه، وجعلنا من أمته خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
والحمد لله رب العالمين الذي أرسل رسولا بالهدى، ودين الحق كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
أرسله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٦].
وبعثه رحمةً للعالمين بلسانٍ عربي مبين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
والحمد لله رب العالمين الذي أختار محمدا ﷺ؛ ليكون رسولا أمينًا، معلمًا، مبينًا، واختار له دينًا قويمًا، وهداه صراطًا مستقيمًا، وارتضاه لجميع البشرية إمامًا، وجعل شرعه للنبوءة ختامًا.
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
ملأ الله قلبه ﷺ إيمانا، ورحمة، وعلمًا، وحكمة، و أرسله الله رحمة للعالمين، فبلغ الرسالة و أدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاد حتى أتاه اليقين، فصلوات الله، وسلامه عليه، وعلى إله، و أصحابه، وأتباعه إلى يوم الدين.
بلغ ﷺ البلاغ المبين، وعلم أصحابه أركان الإسلام، والإيمان، وبين لهم شرائع الإسلام، وفضائله، وفرائضه، ونوافله، وعباداته، ومعاملاته، وحلاله، وحرامه، وأخلاقه، وآدابه وكان ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، وعلى تعليم ما ينفعهم حريصًا أمينًا يرشدهم إلى أحسن الأعمال، ويهديهم إلى أحسن الأخلاق، ويدلهم على ما فيه فلاحهم، ونورهم، ونجاتهم في الدنيا والآخرة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
دل ﷺ أمته على كل خير، وحذرها من كل شر لم يترك خيرًا قط إلا أمرهم به، ولم يترك شرًا قط إلا حذرهم منه، حتى لم يكن شيئًا من أعمال البر في زمانه متروك، ولم يكن شيئًا من سبل السلام، والخير في زمانه إلا مسلوكًا ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
فلما تم ما أراده الله برسوله من هداية أهل الإسلام، وبلغ الرسول ﷺ جميع ما أرسله الله به من الأحكام، وقرب رحيله من دنيا الأعمال أنزل الله شواهد التبليغ، والتمام،والكمال فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فرحل ﷺ إلى جوار ربه، وترك الأمة على البيضاء ليها كنهارها لا يزغ عنها إلا هالك وترك ﷺ لأمته الأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والآداب الحسنة، و الأخلاق الكريمة، والسيرة العطرة، والسنة المطهرة، وأمرهم ﷺبتعلم هذا الدين الحق، والعمل بأحكامه، والتخلق بأخلاقه، وإبلاغه لجميع البشرية إلى يوم القيامة؛ ليعبد الناس ربهم وحده لا شريك له، ويسعدوا في الدنيا، والآخرة ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
هو ﷺ رسول رب العالمين الصادق، الأمين، الهادئ إلى الصراط المستقيم المفسر بسيرته، وسنته للقرآن الكريم ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
بلغ ﷺ القرآن لأمته، وفسره لهم بحياته العلمية، والعملية، والأخلاقية، وتفجرت من لسانه بحار العلوم الإلهية، وجرت منه أنهار الأحكام الشرعية، وتجمل ظاهره، وباطنه بأحسن الأخلاق الإسلامية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقد ربى الرسول ﷺ أمته على حمل هذه الأمانة العظيمة، وأمرهم بأدائها للبشرية كما نزلت من أول يوم بعثه الله فيه، ولقد كانت السيرة النبوية أول، وأكبر، وأحسن جامعة تخرج منها أمثل النماذج البشرية، وأطهر النفوس الذكية، وهم أصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين أمنوا بالله ورسوله، وجاهدوا في الله حق جهاده حتى ﵃، ورضوا عنه ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فكان من الصحابة ﵃ الخلفاء الراشدون، والمهاجرون، والأنصار، وكان من هؤلاء الأخيار المؤمن النقي، التقى، والعابد الخاشع، والساجد الباكي، والقائد المحنك، والسياسي الداهية، والحاكم العادل، والمجاهد الباسل، والعبقري الملهم، والمحدث الحافظ، والفقيه البارع، والعالم العامل، والغنى الشاكر، والفقير الصابر، والورع الزاهد، والحكيم، والحليم، والعفو، والكريم، والتاجر، والزارع الأمين، وكان منهم الأب التقى، والزوج الوفي، والولد البار، والأم الرحيمة، والزوجة الأمينة، والعامل الصادق، والأخ الرحيم، والجار المحسن.
فهذا الجيل الفريد من البشر، وهذا السوق العامل من الفضائل كلهم من ثمرات الإيمان بالله، ورسوله، وكلهم تخرجوا من جامعة الإيمان، والتقوى، واصحبوا رعاة للأمم بعد أن كانوا رعاة للغنم فساد الأمن، والسلام في كل بلاد فتحوها، ولهذا كانوا الأمة الوسط، وخير القرون، ونواة خير أمة أخرجت للناس، كما قال ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
السيرة النبوية هي الينبوع الصافي لطالب العلم، والفقه، والدليل الهادي لمريد الهداية، والصلاح، والمنهج السديد لمريد الدعوة والإصلاح، والخزانة الواسعة لكل شعب الدين، والخير، والحياة.
وكذا السيرة النبوية هي البحر الزاخر، و الشراج المنير، والغيث العميم، والشجرة المباركة المثمرة بأطيب الثمار من الأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والأقوال الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الكريمة، والسنن النبوية الفاضلة.
وكذا السيرة النبوية خير معلم، ومدرس، وخير مربى، ومؤدب، وفيها كل ما ينشده كل مسلم من دروس التوحيد، والإيمان، ومناهج الدعوة، والتعليم، وأنواع العبادات، والمعاملات، ومعالي الأخلاق، والآداب، ووصول الإمامة، والقيادة، ومناهج العدل، والرحمة، وأنواع الجهاد، والكفاح وألوان الكرم، والعطاء، وأنواع الصبر، والتضحيات في سبيل الله ﷿.
وكذا السيرة النبوية هي المصدر الوحيد الأعلى للأسوة الحسنة التي يتطلع إليها كل مسلم، ومنبعه الشريعة العظيمة التي يدين الله بها كل مسلم.
والمسلم الذي لا يعيش الرسول ﷺ في قلبه، ولا يتبعه في فكره، وعلمه، وعمله بجوارحه، ولا يقتضى به في سيرته، وسنته، ولا يتخلق بأخلاقه، وآدابه هو مسلم انتماء لا مسلم التزام لأنه أخذ الصورة، وترك الحقيقة: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقد اقتضت حكمة الله ﷿ أن تطلع شمس الرسالة من جزيرة العرب التي كانت أشد البلاد ظلامي، وأشدها حاجة إلى هذا النور الساطع الذي يبدد الظلام، والظلمات، ويملأ الدنيا كلها هداية، ونور، ورحمة، وعدل ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
وأخرج الله هذه الأمة ببعثة النبي ﷺ من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم، ومن العداوة إلى المحبة، ومن الظلم إلى العدل، ومن الخوف إلى الأمن ومن الهوى إلى الهدى:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وكما اختار الله ﷿ رسوله محمد ﷺ للعرب فقد اختار سبحانه العرب؛ ليكونوا هم أول من يتلقى هذه الدعوة، ثم يبلغوها إلى أنحاء العالم إلى يوم القيامة ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وفى اختيار الله للعرب ليكونوا أول من يتلقى الوحي حكمٌ بالغة، فقد كانوا أسلم الناس فطرة، وأصحاب إرادة قوية، إذا عسر عليهم الحق تركوه، وإذا التوى عليهم فهمه حاربوه، وإذا انكشف الغطاء عن عيونهم آمنوا به، وأحبوه، واحتضنوه، واستماتوا في سبيله.
وهذا ما حصل، فقد كانوا شر البرية، ولما آمنوا بالحق صاروا خير البرية، وكانوا شر القرون، ولما آمنوا صاروا خير القرون، وكانت ألواح قلوبهم صافية لم تكتب فيها عقائد، وكتابات عميقة يصعب محوها، وإزالتها شأن الفرس والروم، وأهل الهند الذين كانوا يفتخرون بعلومهم، وآدابهم الراقية، والزاهية التي لم يكن من السهل حلها، وإبطالها.
أما العرب، فلم تكن على ألواح قلوبهم إلا كتابات بسيطة خططها يد الجهل والبداوى، فانغمست في وديان الشهوات و الغفلات، وعميت عن الحق، فكان من السهل اليسير محو تلك العادات، وغسلها، ورسم صور ربانية مكانها، فأسرعوا في قبول الإسلام، فتغيرت حياتهم، وغيروا العالم، وفتحوا قلوب البشرية بالإيمان، والتقوى، والأخلاق الحسنة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
ولما أكرم الله العرب بهذا الدين، فقبلوه كانوا خير أمة أخرجت للناس في العبادة، والدعوة، والأخلاق، والآداب، وحسن المعاملات، والمعاشرات.
وكانوا أرحم الناس بالناس، فدعوا الناس إلى الله، وعلموهم شرع الله، وأحسنوا إليهم في كل حال، وكانت قوى العرب العلمية، والعملية، وطاقتهم الفكرية، ومواهبهم الفطرية مزخورة فيهم لم تستهلك فكانت أمة بِكرة، فلما أسلمت صارت حياتها دافقة بالحياة، والنشاط، والعزائم، والحماس، والرحمة، والإحسان، والصدق، والإخلاص، والعدل، والأمانة، والعلم، والتعليم، والدعوة، والجهاد ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
وكانت الفترة التي بعث الله بها رسوله محمد ﷺ من أشد الفترات التي مرت بها جزيرة العرب ظلمًا، وجهلًا، وفسادًا، وفرقة، وأبعد من كل أمل في الإصلاح، وأشد يأس في الاجتماع، وأصعب مرحله واجهها نبي من الأنبياء، ثم طلعت شمس الرسالة، وأيد الله رسوله ﷺ بالحق، وأظهر دينه على الدين كله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩].
وأظهر الله ﷿ على يد الرسول ﷺ محاسن الأقوال، والأعمال، وأعظم الأخلاق، والآداب، وأحسن السنن، والأحكام، وتغيرت حياة أهل الجاهلية بجهده وجهاده ﷺفعزت بعد ذلة، واجتمعت بعد فرقة، وتراحمت بعد قسوة.
وانتقلت من أمة كانت ترعى الغنم إلى أمة ترعى الأمم، وانصرفت من عباد الأصنام، والأوثان إلى عبادة ربهم الرحمن، وتزينت قلوبهم بالتوحيد، والإيمان، وتجملت أجسادهم بالسنن، والآداب، واجتمعت نفوسهم على الحق، والهدى، وشاعت بينهم الرحمة، والأخوة بدل الوحشة،والقسوة: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
• فقه الإيمان بالله ورسوله.
الإيمان له ستة أركان وهي:
«أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».
متفقٌ عليه.
والإيمان هو التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح.
والتصديق وحده لا يكفى، فلابد معه من الإقرار، والانقياد، فقد صدق أبو طالب عم النبي ﷺ بنبوة ابن أخيه محمد ﷺ، ولكنه لم يقر له، ولم يتبعه، فمات مشركًا وكذلك اليهود الذين كانوا بعهد النبي ﷺ كانوا يعرفون أنه نبي، ويشهدون أنه نبي ومع ذلك حكم الله عليهم بالكفر؛ لأنهم لم يتبعوه، وكذا الكفار: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣].
وكذا بعض الكفار اليوم يؤمنون بنبوة محمد ﷺ ويسمونه النبي، وهم باقون على كفرهم؛ لأنهم لم يتبعوه لهذا لابد من التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح:﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
فلا نجاة لأحد يوم القيامة إلا بثلاثة أمور:
١ - عبادة الله وحده لا شريك له.
٢ - إتباع الرسول ﷺ وحده.
٣ - والكفر بكل ما يري دون الله ﷿.
قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وقال الله ﷿: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
ولو أن الإيمان هو التصديق لله ورسوله فقط بدون انقياد، لكن إبليس مؤمنًا لأنه يعلم الحق من الباطل، ولكنه لم ينقد للحق استكبارًا عليه ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
لهذا لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان برسول الله ﷺ، ولا يتم توحيد الله بالعبادة إلا بتوحيد الرسول ﷺ بالإتباع:﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
والإيمان بالله، ورسوله أصل التوحيد، وأساس الإيمان، وأعظم أركان الإسلام، والطريق الوحيد للفلاح، والنجاة في الدنيا، والآخرة: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
لهذا لا يمكن إيمان العبد إلا باستكمال أركان الإسلام، وأركان الإيمان، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إله إِلاَّ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَيامِ رَمَضَانَ، وْحَجِّ البيت».
متفقٌ عليه.
وعن ابن عمر ﵄ قال: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إله إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».
متفقٌ عليه.
وعن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
أخرجه مسلم.
وقال جبريل ﷺ: «يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الإسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إله إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً قَالَ: صَدَقْتَ،قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأله وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإيمَانِ،قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».
أخرجه مسلم.
• فشهادة التوحيد لها ركنان:
١ - شهادة أن لا إله إلا الله.
٢ - وشهادة أن محمدًا رسول الله.
فشهادة أن لا إله إلا الله، توحيد الله ﷻ بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وعبادته وحده لا شريك له، وكلمة التوحيد بركنيها شرط للدخول في الإسلام، وشرطٌ لدخول الجنة، والنجاة من النار، وهى لب الدين، وأساس الملة، لهذا يجب على من أراد الله، والدار الآخرة أن يعلم شروط تلك الشهادة، ويحققها بالعمل بموجبها، والقيام بشروط كلمة التوحيد من أوصاف أهل الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ [المعارج: ٣٣].
وهذه الآية، وإن كان المقصود بها عموم الشهادات، فإن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله هي أول الشهادات بالهدى، والتحقيق، والتصديق، والتطبيق.
***
مختارات
