الخزانة التاسعة..
• إن الله ﷿ خلق الإنسان من نطفة وجعله يمر بمراحل:
المرحلة الأولى: في بطن الأم ومدتها تسعة أشهر تقريبًا، والحكمة من وجوده هذه المدة شيئان:
١ - تكميل الأعضاء الداخلية من الكبد والقلب والرئتين ونحو ذلك.
٢ - وتكميل لأعضاء الخارجية، كالرأس واليدين والرجلين ونحوهما.
المرحلة الثانية: في بطن الدنيا ومدتها من يوم الولادة إلى الموت، والحكمة من وجوده في الدنيا شيئان، تكميل الإيمان والأعمال الصالحة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
المرحلة الثالثة: في القبر ومدتها من الموت إلى قيام الساعة، والحكمة من وجوده في القبر انتظار قيام الساعة، وهو في هذه الفترة إما في عذاب وإما في نعيم، حسب عمله سواءً دفن أو لم يدفن.
المرحلة الرابعة: في دار القرار في الجنة أو النار، ومدتها من دخول الجنة أو النار إلى أبد الآباد، والحكمة من وصوله إلى هذه الدار بلوغ كمال النعيم، والتمتع برؤية ربه إن كان مؤمنًا، والخلود في الجنة؛ أما الكافر فيصل إلى كمال العذاب جزاءً على عمله السيئ في الدنيا وكفره بالله، ثم يخلد في النار.
والله حكيمٌ عليم، خلق الإنسان ضعيفًا، ومع ضعفه علمه قليل، فمهما علم من العلم فلن يعرف كل شيء: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
والإنسان مع ضعفه وقلة علمه عجول، ومع عجلته كان أكثر شيءٍ جدلًا، ومع جدله كان خصيمًا وقتورًا وهلوعًا:﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢]
فوق ذلك كان ظلومًا جهولًا، فوق ذك كان مختالًا فخورًا،وفوق ذلك كان كفورًا: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [الزخرف: ١٥].
إن أعطي لم يشكر، وإن ابتلي لم يصبر، وإن أساء لم يستغفر: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ» أخرجه مسلم.
فالإنسان بحاجةٍ إلى الوحي، وبحاجة إلى الدين، وبحاجةٍ إلى قدوةٍ حسنة، ولذلك بعث الله إليه خيار الناس وهم الأنبياء والرسل، ليقتدي بهم، فمن تبعهم وسار على هديهم أفلح ونجا في الدنيا والآخرة، ومن خالفهم وسار على هواه ضل وخسر في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
فسبحان ربنا العليم الحكيم، السميع البصير، الذي خلق الإنسان ورعاه ورباه وهو جنينٌ في بطن أمه، وجعله في موضعٍ صغير لا يد تناله ولا بصر يدركه، ويبحان من أجرى له الدم من الأم يتغذى به كما يتغذى النبات بالماء فينمو تدريجيًا حتى يصير بشرًا سويًا، وسبحان من قلب ذلك الدم بعد الولادة لبنًا خالصًا، حتى إذا كمل خلقك، وقوي بدنك على مباشرة الهواء واتسع صدرك لملاقاة الضياء، وصلُبت عظامك على مباشرة الأيدي، هاج الطلق بأمك بأمر العزيز الحكيم، وجاءت الأوامر بخروجك: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ [عبس: ٢٢ - ٢٢].
فخرجت من الظلمات إلى النور، ومن دار الأمن إلى عالم الابتلاء، فبينما الرحم مبتهجٌ بحملك، صار يعج إلى ربك من ثقلك، فسبحان الذي فتح لك بابه حتى ولجت، ثم ضمه عليك وحفظك فيه حتى كملت، ثم فتح لك الباب والسعة حتى خرجت منه كلمح البصر، لم يخنقك ضيقه،ولم تحبسك صعوبة طريقه: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠)﴾ [عبس: ٢٠].
وسبحان من صرّف ذلك اللبن الذي كنت تغذى به في بطن أمك إلى خزانتين معلقتين على صدرها تحمله بذلك على صدرها كما حملتك في بطنها، وساقه إلى تلك الخزانتين أعظم سوقٍ وألطفه، فهي بئرٌ مملوءةٌ بالحليب، تشرب منها كلما ظمئت وجعت لبنَا خالصًا سائغًا للشاربين.
تبارك الكريم الذي خلقه وصفاه وأطاب طعمه، وحسن لونه، وأحكم طبخه، ليس بالحار المؤذي ولا البارد القارس، ولا المالح، ولا الكريه الطعم والرائحة، بل هو أحسن ما يكون، وجعله في أعلى مكان ليناسب حالك، فإذا اشتهيت اللبن در لكح الثدي بإذن ربه.
ولسهولة وصوله إليك جعل الله في رأس الثدي حلمة هي بمقدار صغر فمك فلا يضيق عنها ولا يتعب بالتقامها: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية: ٦].
ثم نقب سبحانه في رأس الحلمة نقبًا صغيرًا يناسب حالك، لم يوسعه فتختنق باللبن، ولم يضقه فتمصه بكلفة، فسبحان من عطف قلب الأم على مولودها ووضع فيه الحنان العجيب، والرحمة الباهرة، تسهر من أجلك، وتأثرك بكل شيء وهي منقادةٌ مسرورة، حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك وخشنت عظامك، واحتجت إلى طعامٍ يشتد به عظمك ويقوى عليه لحمك.
أنبت في فيك آلة القطع والطحن من الأسنان والأضراس فسبحان الذي حبسها وقت الرضاعة رحمةً بك وبأمك، ثم أعطاكها أيام أكلك، رحمةً بك ولطفًا بك وبأمك، وكلما ازدادت قوة الحاجة إلى الأسنان في أكل الطعام زيد لك في تلك الأسنان شيءً فشيءً حتى تنتهي إلى النواجذ، فتطيق نهش اللحم وقطع الخبز ثم إذا ازددت قوة زيد لك فيها حتى تنتهي إلى الطواحين التي هي آخر الأضراس.
من رحمة الله ﷿ بالإنسان أن أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، فإنه على ضعفه لا يحتمل العقل والفهم والمعرفة، وإنما يُعطَى ذلك تدريجيًا كما ينمو تدريجيًا رحمةً من ربه العزيز الرحيم.
فلا يزال يتزايد فيه العقل وتزداد المعرفة شيئًا فشيئًا، حتى يعرف الأشياء ويتمرن عليها ويستقبلها بحسن التصرف فيها وحسن التدبير لها.
وخص سبحانه الذكر بأن جمّل وجهه باللحية وقارًا وهيبةً له، وجمالًا وزينة، وفصلًا له عن سن الصبا وفرقًا بينه وبين الإناث، وبقيت الأنثى على حالها لما خلقت له من استمتاع الذكر بها، فبقي وجهها على حاله ونضارته ليكون أهيج للرجل على الشهوة وأكمل للذة الاستمتاع.
فسبحان الخلاق العظيم، الماء واحد، والوعاء واحد، واللقاح واحد، والنتاج مختلف، سبحان الذي أعطى الذكر الذكورية والأنثى الأنوثية، وجعل لكل ذلك حكمة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].
وجعل سبحانه المعدة خزانةً يستقر فيها الغذاء فتطبخه كالطباخ، وتسلمه لمن ينتفع به، فالإنسان يطبخ الطعام في الخارج حتى يظن أنه قد كمل، وطبّاخه من الداخل يعاني من موجه وطبخه مالا تهتدي إليه ولا تقدر عليه، فهو يوقد عليه نيرانًا تذيب الحصى وتذيب مالا تذيبه النار، وهي في ألطف موضعٍ منك، لا تحرقك ولا تلتهب عليك، وهي أشد حرارة من النار.
وجعل سبحانه في بدنك المنافذ والأبواب لإدخال ما ينفعك وإخراج ما يضرك، فهل من عاقل؟ وهل من ذاكر؟ وهل من شاكر؟ وهل من متفكر؟.
قال الله تَعَالىَ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].
فسبحان الخلاق العليم، الذي خلق لك الحواس الخمس، وجعلها في الرأس كالمصابيح فوق المنارة لتتمكن بها من مطالعة الأشياء، وجعل سبحانه الخواص خمسة في مقابلة المحسوسات الخمس كي لا يبقى شيء من المحسوسات لا يناله بحاسة، فجعل البصر في مقابلة المبصرات، وجعل السمع في مقابلة الأصوات، وجعل الشم في مقابلة الروائح، وجعل الذوق في مقابلة المذوقات، وجعل اللمس في مقابلة الملموسات، فأي محسوسٍ بقي بلا حاسة؟.
وأُعينت هذه الحواس بمخلوقاتٍ أُخر لتكمل بها منفعتها، فأعينت حاسة البصر بالضياء والنور، وأعينت حاسة السمع بالهواء الذي ينقل الأصوات، وأعينت حاسة الشم بالنسيم اللطيف، وأعينت حاسة الذوق بالريق المتحلل في الفم، وأعينت حاسة اللمس خاصة بقوةٍ جعلها الله فيها تدرك بها الملموسات، ولم تحتج إلى شيءٍ من خارج.
فسبحان من أخرج الكلام من هواءٍ ساذج في باطن الإنسان، وأخرج من الحروف والكلمات والجمل أنواع الكلام، من أمرٍ ونهي، ونثرٍ ونظم، ومضحكٍ ومبكي، ومسلٍ ومحزن، وما يولد الخوف وما يولد الأمل، ومنه ما يسقم الصحيح ومنه ما يبرئ السقيم.
ومنه ما يزيد النعم ومنه ما يحل النقم، ومنه ما يستدفع به البلاء ومنه ما يجلب النعماء، ومنه ما يؤلف القلوب ومنه ما يفرق القلوب، ومن ما يهدي ومنه العالي ومنه السافل، ومنه الحسن ومنه القبيح.
فسبحان من أخرج هذا الكلام المتنوع من هواءٍ ساذجٍ يخرج من الصدر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ [الشعراء: ٨ - ٩].
سبحان من أخرج من هواءٍ واحد ما لا يحصيه إلا الله من الحروف والكلمات والأصوات والأنغام، وأخرج بماءٍ واحد ما لا يحصيه إلا الله من النباتات والأشجار والأزهار والثمار، وأخرج بلسانٍ واحد ما لا يحصيه إلا الله من اللغات واللهجات والحروف والكلمات، فالحلق يمر به هواءٌ واحد، والأرض تسقى بماءٍ واحد، والمواليد من هذه وهذه مختلفة، لا يحصي أنواعها إلا الله الذي لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وما أعظم نعمة الله في الحفظ والنسيان والذي خص به نوع الإنسان، وما أعظم ما فيهما من الحِكَم وما للعبد فيهما من المصالح، فإنه لولا القوة الحافظة التي خص الله بها الإنسان لدخل عليه الخلل في أموره كلها، ولم يعرف ما له وما عليه، ولما أخذ ولا ما أعطى، ولا ما سمع وما رأى، ولا ما قال ولا ما قيل، ولا ذكر من أحسن إليه ولا من أساء إليه، ولا من نفعه فيقرب منه ولا من ضره فينأى عنه، ولا يعرف علمًا ولو درسه مرارًا، ولا يهتدي إلى الطريق الذي سلكه أول مرة ولو سلكه مرارًا، ولا ينتفع بتجربة ولا يعرف من عامله من الخلق.
ومن أعجب النعم عليه نعمة النسيان، فلولا النسيان لما سلا أبدًا، ولا انقضت له حسرة، ولا تعزى عن مصيبة، ولا ارتفع عنه حزن، ولا بطل له حقد، ولا استمتع بشيءٍ من الدنيا مع تذكر الآفات، ولا نام من تذكر المصائب والبليات، فما أعظم نعمة الله على العبد في الحفظ والنسيان مع ترددهما: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
الله ﷿ هو الخلاق العليم، وهو على كل شيءٍ قدير، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، خلق آدم بلا أبٍ ولا أم، وخلق زوجه من أبٍ بلا أم، وخلق عيسى من أمٍ بلا أب، وخلقنا من أبٍ وأم؛ خلق آدم من تراب، وخلق زوجه من أحد أضلاعه، وخلق عيسى من نفخة جبريل في درع مريم، وخلق البشر من اجتماع ماء الرجل والمرأة.
فسبحان من خلق من هذا الماء بشرًا سويًا يقوم ويقعد ويأكل ويشرب، ويفرح ويغضب، ويصلي ويتعبد، ويعدل ويظلم، ويتكلم ويسكت، ويرحم ويبطش، سبحان من جعل من نسله الذكر والأنثى، والأسود والأبيض، والطويل والقصير، والمؤمن والكافر، والعاقل والمجنون، والعرب والعجم.
وسبحان من هيأ هذا الإنسان للإيمان والكفر، وللطاعة والمعاصي، والخير والشر، والإحسان والإساءة، والهدى والضلالة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
وسبحان من ملأ الأرض من نسل هذا الآدمي، فهذا يولد وهذا يموت، حتى يأكلوا أرزاقهم ويستكملوا آجالهم، والله يوالي عليهم نعمه، ويرسل إليهم رسله، وهم يعملون بما يسر الله لهم، ويغدون ويروحون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فما أعظم خلق هذه النفوس، وما أعجب ما فيها من الآيات والعبر، والشواهد والحِكم، وما دل على قدرة باريها وفاطرها ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢٢].
وقال الله ﷿: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وهذا الإنسان الذي خلقه الله وركبه من ستة أشياء وهي:
١ - بدنه الجثماني.
٢ - ونفسه الشهوانية.
٣ - ونفسه الغضبية.
٤ - ونفسه الشيطانية.
٥ - وروحه الملكية.
٦ - وجوهره العقلي.
والذي يملك السمع والأبصار هو الله، فهو خالقها وحده، وهو الذي يهبها القدرة على أداء وظائفها أو يحرمها ويعافيها، أو يبلغها ويسمعها ويريها ما تحب أو ما تكره.
وفي تركيب العين وأعصابها وكيفية إدراكها للمرئيات: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [الشعراء: ٨].
وفي تركيب الأذن وأجزائها وطريقة إدراكها للذبذبات، في ذلك كله عجائب تذهل العقول وتدير الرؤوس: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
إن كثيرًا من الناس يمرون غافلين بالبدائع الإلهية في الكون وفي أنفسهم كأنهم لا يبصرون ولا يدركون: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ [يونس: ٩٢].
فنعوذ بالله من الجهل والغفلة وقلة المعرفة.
والذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي هو الله وحده، ألا ما أعظم الرب الخالق سبحانه وما أعظم قدرته وما أتقن صنعه، وإن وقفةً واحدة أمام هذه الحبة والنواة تخرج منهما النبتة والنخلة، أو أمام البيضة والبويضة، يخرج منهما الفرخ والإنسان، إن ذلك لكافٍ لاستغراق حياة الإنسان في التأمل والارتعاش إجلالًا لعظمة الله الخلاق العليم، وكمال قدرته وسعة علمه، وجميل صنعه:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فسبحان العليم القدير، أين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ وأين كان يكمن العود؟ وأين كانت تلك البذور والساق والأوراق والثمار؟ وأين في النواة كان يكمن اللب واللحاء والساق والعراجين؟.
وأين كان يكمن الطعم والنكهة واللون والرائحة والحجم؟ وأين كان يكمن البلح والتمر والرطب والبسر؟ وأين في البيضة كان الفرخ؟ وأين تكمن تلك العظام واللحوم والزغب والريش؟ وأين كان يكمن في البويضة ذلك الكائن البشري العجيب؟ وأين كان يكمن لحمه وعظامه، وعروقه وأعصابه وسمعه وبصره ورأسه وأطرافه وأفكاره وأعماله وكلامه وحركاته؟.
قال الله تَعَالىَ: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١].
وإن تحول الطعام الذي يموت بالطهي والنار إلى دمٍ حيٍ في الجسم الحي، وتحول هذا الدم إلى فضلاتٍ ميتة بالاحتراق لأعجوبةٌ يتسع العجب منها كلما ازداد العلم بها وهي بعد كائنة في كل لحظة آناء الليل وأطراف النهار، إن هذه الكائنات الحية لا تكون إلا من إلهٍ حي، يهب الحياة لكل حي.
قال الله تَعَالىَ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
***
مختارات

