الخزانة السابعة..
• فقه الصدق:
الصدقُ هو مطابقة الخبر للواقع، والصدقُ يكون في الأقوال والأفعال والنيات، فالأقوال ما يقوله الإنسان إن طابق الواقع فهو صدق، وإن خالف الواقع فهو كذب.
والصدق في الأفعال أن يكون الإنسان باطنه موافق لظاهره، بحيث إذا عمل عملًا يكون موافقًا لما في قلبه.
فالمرائي ليس بصادق؛ لأنه يظهر للناس أنه مخلص، وهو كاذب.
والمشرك ليس بصادق؛ لأنه يظهر للناس أنه موحد، وهو كاذب.
والمنافق ليس بصادق؛ لأنه يظهر الإيمان، وليس بمؤمن.
والمبتدع ليس بصادق؛ لأنه يظهر الإتباع، وليس بمتبع.
فمن صدق الله في قلبه، وقوله، وعمله، كتبه الله من الصادقين، ونال أجر الصادقين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال الله ﷿: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].
مواطن الصدق:
o الصدق يكون بالقصد
o ويكون بالقول
o ويكون بالفعل.
الأولى: الصدق بالقصد:
أن يقصد الإنسان بعبادته وجه الله وحده، ولا يقصد غيره:﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فإن قصد غير الله كان مشركًا، والله غني عنه وعن شركه،كما قاله سبحانه في الحديث القدسي: «أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ».
أخرجه مسلم.
الثاني: الصدق بالقول:
أن يكون الإنسان صادقًا فيما يخبر به، كما قال سبحانه:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَدِيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا».
متفق عليه.
الثالث: الصدق بالفعل:
ويكون بمتابعة النبي ﷺ في كل ما جاء به من أخبار وأحكام.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
وجزاء الصادقين رضوان الله، ودخول الجنة يوم القيامة،كما قال سبحانه: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩].
والتجسس هو: أن يتبع الإنسان أخاه؛ ليطلع على عوراته.
والتجسس مُحرم، سواء كان تجسس بنفسه، أو عن طريق التسجيل، أو عن طريق الهاتف، أو غير ذلك، لما في من ذلك من الاطلاع على عورات الناس بدون إذنهم، وحصول الأذية لهم، وحصول البغضاء بينهم.
والظن أكذب الحديث، وقد نهى الله ورسوله عنه؛ لما فيه من الكذب، لكن الظن المبني عن القرائن لا بأس به؛ لأنه من طبيعة الإنسان إذا وجد قرائن قوية، توجب حسن الظن، أو سوء الظن، فإنه يعمل بها، أما الظن المجرد عن القرائن، فهذا هو المحرم؛ لما يحصل به من الفساد والإثم والعداوة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٢ - ١٣].
• منزلة الصدق:
الصدق من أعظم منازل العبودية، فأعظم الدرجات في الدنيا والآخرة، إنما ينالها العبد بسبب الصدق، ولهذا أمر الله ﷿ بلزوم بيئة الصدق في كل مكانًا وزمان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
والصديقية أول مرتبة بعد النبوة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
والخير كله في الصدق، والشر كله في الكذب: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾ [محمد: ٢١].
والإسلام كله قائم على الصدق، فأركان الإسلام، وأركان الإيمان، وأركان الإحسان، وأركان الأخلاق، وأركان المعاملات، كلها أساسها الصدق، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة/ ١٧٧].
ومن لم يكن صادقًا، فلابد أن يكون كاذبًا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾ [الأحزاب: ٢٣ - ٢٤].
وقال الله ﷿: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾ [الأحزاب: ٨].
فالمنافق كذاب؛ يظهر ما لا يُخفي، له علانية مقبولة، وله سريرة ممقوتة.
قال الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٧ - ٦٨].
والإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فالمؤمن صادق مع نفسه، صادق مع ربه، صادق مع رسوله، صادق مع الناس: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].
ولا ينجو يوم القيامة إلا من كان صادقًا في إيمانه وأقواله وأعماله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩].
فبالصدق يدخل الناس الجنة، كما قال النبي ﷺ: «فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَدِيقًا».
متفق عليه.
والصدق هو الإسلام، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].
• درجات الصدق:
الصدق له ثلاث حالات:
الأولى: صدق باللسان.
الثانية: صدق في العمل.
الثالث: صدق في الحال.
فصادق اللسان، من كان كلامه مطابقًا للواقع.
وصادق العمل، من كان فعله مطابقًا لقوله.
وصادق الحال، من كان ما في قلبه مطابقًا لما في لسانه، وما في لسانه مطابقًا لما في قلبه.
ومن صدق في طلب الحق، وصدق في تعلم العلم، وصدق في دعوة الناس إلى الله، فسيهديه الله لما طلبه من الله صادقًا:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]
والصدق لا نحصل على حقيقته، إلا بقوة الطلب، وشدة الابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
والمؤمنون قسمان:
منهم من صدق فيما عاهد الله عليه، فأصبح مستقيمًا على جميع أوامر الله ﷿.
ومنهم من بدل وغير، كما قال سبحانه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّه الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾ [الأحزاب: ٢٣ - ٢٤].
فالصادق مستقيم حال الصحة، وحال المرض، والمنافق مستقيم حال الصحة، مخالف حال المرض، يبدي للناس خلاف ما في قلبه.
• مقامات الصدق:
مقامات الصدق خمسة:
مدخل الصدق: وهو أن يكون دخول الإنسان في هذا العمل لله، وبالله مستعينًا بالله، مبتغيًا بذلك وجه الله، ممتثلًا لأمر الله، حسب أمر الله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ [الإسراء: ٨٠].
فالدخول في العمل سهل، لكن الخروج أصعب، فقد يدخل الإنسان في تجارة، أو دراسة، أو زواج، مدخل صدق، لكنه لما أصبح في داخل هذا العمل، وعلا شأنه، واتسعت تجارته، خرج كاذبًا: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ [الإسراء: ٨٠].
فالعبرة بالخروج، لا بالدخول فقط.
ولسان الصدق: هو من تكلم عن الحق، عن الآخرة، عن الفضيلة، عن الخير، فهذا لسان الصدق، كما قال إبراهيم ﷺ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤].
وقدم الصدق: أن يثبت المسلم على دينه، ويفعل كل ما يحبه ربه ويرضاه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢].
ومقعد الصدق:
هو الجنة مع رؤية الرب سبحانه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
فمدخل الصدق: التوبة، ومخرج الصدق: الثبات على التوبة حتى يلقى الله، ولسان الصدق الذي تكلم بالحق لا يعرف غيره، وقدم الصدق المكانة والمنزلة الرفيعة بحسب السبق إلى كل عملًا صالح.
ومقعد الصدق هو أعلى مراتب الجنة، والصدق هو الوفاء لله بالعمل الصالح: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٠].
والناس في العمل درجات ثلاث:
الأولى: أعلاها أن تكون أعمالك أكثر من أقوالك.
والثانية: أن تكون أعمالك كأقوالك.
والثالثة: وهي أدناها، أن تكون أقوالك أكثر من أعمالك.
والصدق موافقة السر للنطق، والصدق استواء السر والعلانية،.
وأعظم الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة، والله يدافع عنك بحسب قوة صدقك، والصدق كلمة الحق عند من تخافه وترجوه، والصدق ألا تأخذك في الله لومة لائم:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
***
مختارات

