الخزانة التاسعة..
أشد الناس بلاءً:
الإيمان درجات، والرسل درجات، والأعمال درجات، والثواب درجات، والعقاب درجات، فكذلك الابتلاء درجات، وأشد أنواع الابتلاء ما خص الله به أنبياءه ورسله، فهم أعظم الناس ابتلاءً، وأكملهم صبرًا، وأوفرهم أجرًا، كَمَا قَالَ النَبِيُ ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ».
أخرجه أحمد والترمذي.
وأعظم الأنبياء والرسل ابتلاءً سيد الخلق محمد ﷺ، وإبراهيم ﷺ، وموسى ﷺ.
فالإيمان ليس كلمة تقال باللسان، إنما هو الاستسلام لله بالطاعة والعبودية، وبذل كل شيء من أجل الدين، وترك كل شيء من أجل الدين: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
وإبراهيم ﷺ خليل الرحمن، ابتُلى بذبح ابنه إسماعيل، فما كاد يأنس به حتى ابتُلي بذبحه، كما قال سبحانه عن إبراهيم أنه قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ [الصافات: ١٠٠ - ١١٣].
إنها إشارة، وليست وحيا صريحًا، ولا أمرا مباشرًا من ربه، ولكنها إشارة من ربه، وهذا يكفي، فلبى إبراهيم ﷺ دون أن يعتذر أو يسأل، ولم يلبي أمر ربه في انزعاج ولا جزع، بل استجاب مطمئنًا راضيًا واثقًا أنه يؤدي واجبه، والذي لا يهمه الأمر يؤديه في اندفاع وعجلة ليخلص منه.
بل أداه مطمئنًا لقضاء ربه ﷻ.
إن الأمر حقًا شاقُ على النفس جدًا، إن الله لا يطلب منه أن يرسل ابنه الوحيد إلى المعركة، ولا يطلب إليه أن يكلفه أمرًا تنتهي به حياته، إنما يطلب إليه أن يذبحه بيده، وهو مع هذا يتلقى الأمر هذا التلقي، ويعرض على ابنه هذا العرض، ويطلب إليه أن يرى فيه رأيه.
إنه لا يأخذ ابنه على غرة، لينفذ إشارة ربه وينتهي، إنما يعرض الأمر عليه، كالذي يعرض المألوف من الأمر، فالأمر في الحس هكذا، ربه يريد، فليكن ما يريد، وابنه ينبغي أن يعرف ذلك.
وأن يأخذ الأمر طاعة واستسلامًا، لا قهرًا ولا اضطرارًا؛ لينال هو الآخر أجر الطاعة، وليسلم هو الآخر، وليتذوق حلاوة التسليم لأمر ربه العظيم.
إن إبراهيم ﷺ يحب لابنه إسماعيل أن يتذوق حلاوة الإيمان، ولذة الطاعة التي ذاقها، فماذا كان من أمر الغلام الذي يُعرض عليه الذبح تصديقا لرؤية رآها أبوه؟.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ [الصافات: ١٠٢].
لقد تلقى الأمر لا في طاعة فحسب، ولكن في رضا كذلك ويقين، ثم هو الأدب مع الله بالاستعانة به على ضعفه، ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية، ومساعدته على الطاعة، فلم يأخذها بطولة، ولم يأخذها شجاعة، إنما أرجع الفضل كله لله، إنه هو أعانه على ما يطلب منه، وصبره على ما يراد به، ثم يزيد البلاء بدفعه إلى التنفيذ:﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾ [الصافات: ١٠٣].
ألا ما أعظم هذا الابتلاء، لقد كب إبراهيم ﷺ ابنه إسماعيل على جبينه؛ ليذبحه، والغلام استسلم للذبح، فلا يتحرك اقتناعًا، وقد وصل الأمر إلى أن يكون عيانًا، لقد أسلم واستسلم لهذا الأمر العظيم، فهذا هو الإسلام في حقيقته، ثقة وطاعة للآمر، وطمأنينة ورضا بأمره، وتسليم وتنفيذ لرب العالمين.
حقًا إنه الإسلام والاستسلام المطلق لرب العالمين: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١].
فهنا كان إبراهيم وإسماعيل عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قد أسلما ولم يبق إلا أن يذبَحْ إبراهيم ابنه إسماعيل، ويسيل دمه، وتزهق روحه، وهذا أمر لا يعني شيئاً في ميزان الله، بعدما وضع الأب والابن في هذا الميزان من روحهما، وعزمهما كل ما أراد الله منهما، من الإسلام والتسليم والاستسلام لله.
فالابتلاء قد تم، ولم يبق إلا الألم البدني، وإلا الدم المسفوح، والجسد الذبيح من الأب لابنه.
والله ﷿ لا يريد أن يعذب عباده بالابتلاء، ولا يريد دماءهم وأجسادهم في شيء، فلما علم الله من إبراهيم وإسماعيل صدقهما فاعتبرهما قد أديا، فأثمر الصدق والنجاة: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥].
فالله ﷿ لا يريد إلا الإسلام والاستسلام لله، بحيث لا يبقى في النفس ما تكنه عن الله، أو تعزه عن أمره، أو تحتفظ به دونه، ولو كان هو الابن، فلذة الكبد، ولو كانت هي النفس والحياة، فقد ضحى إبراهيم من قبل بنفسه، فاستسلم لربه، بإلقائه في النار، فضحى بالحياة فوراً فوهب الله له الحياة، وها هو يضحى بابنه فيحي الله الابن، ويخرج من نسله سيد الخلق محمدً ﷺ، ويجعل الأنبياء من ذرية إبراهيم ﷺ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾ [الحديد: ٢٦].
فلما استسلم إبراهيم وإسماعيل لذلك الأمر، ولم يبق إلا اللحم والدم، فهذا ينوب عنه ذبح آخر، ذبح من لحم ودم، ويفدي الله هذه النفس الزكية التي أسلمت وأدت، بذبح عظيم يُذبح بدل إسماعيل، وهذا جزاء المحسنين.
ومضت بذلك سنة النحر في عيد الأضحى؛ تذكيرًا بهذا الحادث العظيم الذي تجلت فيه حقيقة الإيمان، وجمال الطاعة، وجمال التسليم، وجمال الرحمة، وجمال البذل، وجمال التضحية، وليعرف العباد أن الله لا يريد أن يعذبهم بالبلاء، إنما يريد أن تأتيه نفوسهم طائعة، ملبية، وافية، مؤدية، مستسلمة، لا تقدم بين يديه، ولا تتأله عليه، بل تستسلم لأمره ﷻ.
فإذا علم الله ﷿ منها الصدق في هذا الأمر أعفاها من التضحيات والألآم، واحتسبها لها وفاءًا وأداءً، وقبلها منها، وفداها، وأكرمها، فهي تذكر بالخير على توالي الأجيال والقرون: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾ [الصافات: ١٠٦ - ١١١].
أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على قدر دينه.
وقد ابتلى الله ﷿ نبيه أيوب ﷺ ليمتحن صبره، فكان يعيش في نعمة من المال، والأهل، والصحة.
فسلبه الله المال حتى لم يبق لديه شيء، وسلبه الأهل والأولاد حتى لم يبق له إلا زوجه، ثم سلبه الله الصحة، وابتلاه بالمرض، حتى أصبح لا يخدم نفسه، ونفخ الشيطان في جسده، حتى تقرح ثم تقيح: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤].
والشيطان يأتي لأيوب ﷺ في كل حال، ويذكره بالمال والأهل والعافية، ولكنه لا يبالي به صابراً لله ﷿، فلما جاءت فيه الصفة التي يحبها الله وهي الصبر رفع الله عنه البلاء كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤٤].
ثم جاء الشيطان إلى زوجة أيوب، وذكرها بحالها الأولى، فاعترضت مرة على أيوب، فعلم أن الشيطان سوَّل لها، وحلف ليضربنها مائة سوط، فلما شفاه الله، وكانت امرأة صالحة محسنة إليه، أفتاه الله أن يضربها بضغث فيه مئة شمراخ ضربة واحدة، ليبر بيمينه، كما قال سبحانه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤٤].
فكان ما أصاب أيوب ﷺ بسبب الشيطان، فشكاه إلى ربه، وصبر على هذا البلاء كله، فشفاه الله، لأنه كمل مراتب العبودية لربه، فأمره أن يضرب الأرض برجله، لينبع منها ماء يغتسل منه، ويشرب منه، فيذهب عنه الضر، ففعل وذهب عنه الضر، وشفاه الله ﷿.
ووهب له أهله، ومثلهم معهم، وأغناه وأعطاه مالاً عظيماً، وعافاه في بدنه، لكمال صبره على البلاء، وقوة يقينه على ربه،كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ [ص: ٤١ - ٤٣].
فليتذكر أولو العقول حالة أيوب ﷺ ويعتبروا، فيعلموا أن من صبر على الضر، أن الله تعالى يثيبه عاجلاً وآجلاً، ويستجيب دعاءه إذا دعاه، كما صبر أيوب ﷺ على البلاء، لوجه الله تعالى، وشكى حاله إلى ربه، وأناب إليه، فاستجاب له، وشفاه، وأغناه، فنعم العبد، ونعم الصابر، ونعم الرسول:﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤٤].
والأنبياء فعلوا الأسباب، وأكلوا الطعام، وتزوجوا النساء؛ لأنهم قدوة للناس، وأكثر الأمة تركوا سنن العادة، وقاموا بسنن العبادة، وقد جعل الله لكل شيءٍ سبباً.
مراتب الدعوة إلى الله:
جهد الدعوة إلى الله له ثلاث مراتب:
البداية.
ثم التربية.
ثم الثمرة.
o فالبداية أولًا بالدعوة إلى الله ﷿
o والتربية بالأحوال والابتلاء
والثمرة بالنصرة ونزول الهداية.
وكل بلاءٍ يصيب العباد لا كاشف له إلا الله الكافي الشافي:﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨].
وكل بلاءٍ يصيب العبد يحتاج إلى صبر، وبحسب قوة البلاء، تكون قوة الصبر، وبحسب قوة الصبر، تكون كثرة الأجر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
قوة الصبر على البلاء تنشأ من عدة أسباب:
أحدها: شهود جزاء المصيبة وثوابها.
الثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.
الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة مسطورة في أم الكتاب قبل أن يُخلق الإنسان، فجزعه لا يزيده إلا عذاباً.
الرابع: شهوده حق الله عليه في تلك البلوى وهو الصبر، أو الصبر والرضا وهذا الأكمل، أو الصبر والرضا، والشكر والحمد وهذا أعلى.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
الخامس: علمه أن المصيبة أصابته بسبب ذنبه، فشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة.
السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له، واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه فعليه أن يرضيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواءٌ نافعٌ له، ساقه إليه العليم بمصلحته، الحكيم الذي يضع الشيء في موضعه، الرحيم به، فليصبر على تجرعه.
الثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية، والصحة وزوال الألم، ما لم تحصل بدونه، فلا ينظر إلى مرارة الدواء، بل ينظر إلى عاقبة امره وحسن تأثيره.
التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه، وجعله من أولياء الله وحزبه أم لا؟.
فإن ثبت اصطفاه الله واجتباه، وخلع عليه خلع الإكرام، وألبسه لباس الفضل، والتقوى، وجعل أولياءه وحزبه خدماً له، وعونًا له.
وإن انقلب على وجهه، ونكص على عقبيه طُرد، وصُفع قفاه، وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر.
العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال،فإن العبد حقاً من قام بواجب عبودية الله على اختلاف الأحوال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وأما عبد السراء والعافية، فهو أخسر الخاسرين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].
فليس هذا من عبيده الذين اختارهم الله لعبوديته، ولو علم العبد أن نعمة الله عليه في البلاء، ليست بدون نعمة الله عليه في العافية، لشغل قلبه ولسانه بشكره وحمده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر العظيم على البلاء، مهما كانت قوته، فإن قويت، أثمرت الرضا والشكر: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
والله ﷿ على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، لا يقضي لعبده إلا ما هو خيرٌ له، سواء كان حلوًا أو مرًا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
فقه الإيمان بالقدر:
الله ﷿ هو الملك الحق، الذي بيده الملك، وهو على كل شيءٍ قدير، وبكل شيءٍ عليم، قدر جميع ما يجري في الكون من الأرزاق والآجال، والأقوال والأعمال، والنعم والمصائب،والأحوال كما قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
فالله سبحانه له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، قدَّر ما يصيب العباد من المصائب قبل أن يخلق ويبرأ الأنفس، والمصائب، والأرض، كما قال النبي ﷺ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وكَاَنَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ».
أخرجه مسلم.
وأخبر ﷻ أن مصدر ذلك كله قدرته عليه، وأنه يسير عليه، وحكمته البالغة التي منها ألا يحزن عباده على ما فاتهم إذا علموا أن المصيبة فيه بقدره وكتابته، وقد كتب ذلك قبل خلقهم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
فإذا علموا ذلك هان عليهم الفائت، فلم يأسوا عليه، ولم يفرحوا بالحاصل منه، لعلمهم أن المصيبة مقدَّرةٌ في كل ما يقع على الأرض، فكيف يفرح بشيءٍ قد قُدرت المصيبة فيه قبل خلقه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب، أو خوف فواته، أو حصول مكروه، أو خوف حصوله، نبَّه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله، وعلى فوته حيث لم يحصل، ونبَّه بعدم الفرح به إذا وجد على توطين النفس لمفارقته قبل وقوعه، وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع لها.
وهذه هي أنواع المصائب، فإذا تيقن العبد أنها مكتوبةٌ مقدرة، وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه، وما أخطأه منها لم يكن ليصيبه، هانت عليه، وخف حكمها عليه، وأنزلها منزلة الحر والبرد، يأتي هذا، ثم يأتي هذا.
والجزع ضعفٌ في النفس، وخوفٌ في القلب، يمده شدة الطمع والحرص، ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر.
ومتى آمن العبد بالقدر، علم أن المقدر كائن ولا بدَّ، وعلم أن المصيبة مقدرةٌ في الحاضر والغائب والمستقبل كميةً، ونوعيةً، ومكانًا وزمانًا، فلم يجزع، ولم يفرح، وإلا فالجزع عناءٌ محض، ومصيبةٌ ثانيةٌ فوق المصيبةِ الأولى.
أما رقة القلب، فإنها ناشئة من صفة الرحمة التي هي الكمال، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
وكان رسول الله ﷺ أرق الناس قلبًا، وأغزرهم دمعًا، وأبعدهم من الجزع؛ لكمال معرفته ورحمته، وأقرب الخلق إلى الله أعظمهم رأفةً ورحمة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فالقلب إذا أشرق فيه نور الإيمان، واليقين بالوعد والوعيد، وامتلأ من محبة الله وإجلاله، رق، وسكنت فيه الرحمة والرأفة، فتراه رقيق القلب، رحيمًا بكل مخلوق:﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
ولا يجوز للعباد أن يرضوا بكل مقضيٌ مقدرٍ من أفعال العباد كالكفر والمعاصي، ولكن على الناس أن يرضوا بكل ما أمر الله به وشرعه، فليس لأحدٍ أن يسخط ما أمر الله به وشرعه؛ فإن الله ﷿ لا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب المعاصي، فضلًا أن يأمر بها: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨].
ويجب على الإنسان أن يرضى بما قدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوبًا، مثل أن يبتليه الله بفقرٍ أو مرض، أو ذلٍ أو أذى الخلق له، فإن الصبر على المصائب واجب، والرضا بها مشروع، والحمد عليها درجته فوق ذلك كله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [المعارج: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
وعلى المسلم في جميع الأحوال في السراء والضراء، لزوم الأوامر الشرعية، وعدم التأثر بالأحوال، وبسبب الأوامر نتحمل الأحوال، وبسبب الأحوال لا نغير الأوامر، ليكون الله معنا، ويكشف ما حل بنا.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
وكل ما قدره الله وقضاه من أنواع الابتلاء، والامتحان، والآلام للأطفال والحيوانات، ومن هو خارج عن التكليف، ومن لا ثواب ولا عقاب عليه، كله جارٍ على مقتضى الحكمة الربانية: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
فالرب سبحانه أسماؤه حسنى، وصفاته كاملة، وأفعاله كلها حكمةٌ ومصلحةٌ، ورحمةٌ وإحسان، وله على ذلك كل حمدٍ ومدحٍ وثناء، وكل خيرٍ فمنه، وله، وبيده، وهو أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والشر ليس إليه بوجهٍ من الوجوه، وإن كان في مفعولاته، فهو خيرٌ بإضافته إليه، وشرٌ بإضافته إلى من صدر منه، أو وقع منه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٨ - ٧٩].
فاللهم فقهنا في الدين، واجعلنا هداة مهتدين، يا رب العالمين.
***
مختارات

