الخزانة السابعة..
الله ﷻ هو الخلاق العليم، خلق خلقه أطواراً، وكل مخلوقٍ يسبح بحمد ربه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
فخلق سبحانه للملائكة عقولاً لا شهوات لها وجبلها على طاعته، وخلق للحيوانات شهوات لا عقول لها، وخلق الثقلين الجن والإنس وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة، وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء،وهم المعرضون للثواب والعقاب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فخلق سبحانه الملائكة وطبعهم على الخير، وخلق الشياطين وطبعهم على الشر، وخلق الثقلين الإنس والجن وجعلهما محل الابتلاء والاختبار، ولو شاء الله ﷿ لجعل خلقه على طبيعة واحده وخلقًا واحد ولم يفاوت بينهم، ولكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة، ولو كان الخلق كله على طبيعة واحده ونمط واحد لقيل هذه مقتدى الطبيعة، ولقيل كذلك لو كان الله فاعلًا بالاختيار لتنوعت أفعاله ومفعولاته، ولفعل الشيء وضده والشيء وخلافه.
فتنوع أفعاله سبحانه ومفعولاته من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه وقدرته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
ولهذا خلق الله ﷿ النوع الإنساني أربعة أقسام:
أحدها: من خلقه الله لا من ذكرًا ولا أنثى وهو أبوهم آدم ﷺ.
الثاني: من خلقه من ذكرًا بلا أنثى وهو حواء، خلقها الله ﷿ من ضلع آدم.
الثالث: من خلقه الله من أنثى بلا ذكر، كخلق المسيح عيسى ابن مريم ﷺ.
الرابع: من خلقه الله من ذكرًا وأنثى وهم سائر النوع الإنساني.
وذلك كله ليدل عباده على كمال قدرته وكمال حكمته ونفوذ مشيئة، وأن الأمر ليس كما يظنه الكافرون به الجاحدون له من أن ذلك أمرٌ طبيعي.
والله وحده هو الخلاق العليم، الذي خلق المخلوقات بالعالم العلوي والعالم السفلي إظهاراً لكمال قدرته وتنبيهاً لبريته، خلق السماوات والأرض وخلق الليل والنهار وخلق الذكور والإناث، وخلق العالي والسافل وخلق الأبيض والأسود، ليُعرف ﷻ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٠ - ٢٧].
والطبيعة مخلوقًا من مخلوقاته، وعبدٌ من عبيده، مسخره لأمره منقادة لمشيئته، لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف في ذاتها ونفسها فضلاً عن إسناد الكائنات إليها، فتنوع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبية والإلوهية، وهو أيضاً من موجبات الحمد لله، فلله الحمد على ذلك كله أكمل حمدٍ وأتمه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وأيضاً فإن مخلوقاته هي موجبات أسمائه وصفاته، فلكل اسم وصفة أثرًا لابد من ظهوره فيه، فالخلق كله من آثار اسمه الخلاق، والرحمة كلها من آثار اسمه الرحيم، والأرزاق كلها من آثار اسمه الرزاق وهكذا.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
وتنوع أسباب الحمد أمرٌ مطلوب للرب محبوباً له، فكما تنوعت أسباب الحمد تنوع الحمد بتنوعها وكثر بكثرتها.
فاللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً ملء السماء وملأ الأرض وملء ما شئت من شيء بعده، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
الله ﷿ محمودٌ من جهتين:
١ - محمودٌ لعظمة ذاته وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله.
٢ - ومحمودٌ كذلك على عظيم نعمه وآلاءه وإحسانه، فهو المحمود على انتقامه من أهل الإجرام والإساءة، كما هو محمودٌ على إكرامه لأهل العدل والإحسان والإيمان، فهو محمودٌ على هذا ومحمودٌ على ذلك.
وهو سبحانه المحمود على حلمه بعد علمه، المحمود على عفوه ومغفرته، المحمود على عفوه عن كثير من جنايات العبيد، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى; ٣٠].
فنبه سبحانه باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذي عفا عنه، وأنه لو عاجلهم بعقوبته وأخذ بحقه لقضي إليهم أجلهم، ولما ترك على ظهرها من دابة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥].
ولكنه سبحانه لكمال رحمته، سبقت رحمته غضبه، وعفوه انتقامه، ومغفرته عقابه، فلله الحمد على عفوه وانتقامه وله الحمد على عدله وإحسانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
والله ﷿ قادرٌ على هداية خلقه كلهم ولو شاء لفعل ذلك لكمال قدرته ونفوذ مشيئته، فالملك ملكه والخلق خلقه والأمر أمره، ولكن حكمته تأبى ذلك وعدله يأبى تعذيب أحدٍ وأخذه بلا حجة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩].
فأقام سبحانه الحُجة وصَرف الآيات وضرب الأمثال ونوع الأدلة؛ ليُعرف سبحانه وليقيم على عباده حجته البالغة:﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
والله ﷿ هو الملك، الذي كل ما في الكون مُلكه، وحقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام والإهانة والمثوبة والعقوبة والتولية والعزل، وإعزاز من يليق به العزة، وإذلال من يليق به الذل، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
والله ﵎ هو المحمود على ذلك كله، هو سبحانه المحمود على قضاء حاجات العباد، وعلى إجابة دعائهم، وعلى تصريف وتدبير ما في الكون كله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].
فهو سبحانه كل يومٍ هو في شأن، يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويكشف غمًا ويعطي سائلاً ويجيب داعياً وينصر مظلوماً ويأخذ ظالماً ويفك عانياً ويغني فقيراً ويشفي مريضاً، ويجبر كثيراً ويعز ذليلاً ويرحم مسكيناً ويقيل عثرة ويستر عورة ويذهب بدولة ويأتي بأخرى، ويرفع أقواماً ويضع آخرين فعالٌ لما يشاء، فله الحمد على ذلك كله حمداً كثيراً طيباً مباركاً ملء السماء وملء الأرض وملء ما شاء من شيءٍ بعده.
وهو سبحانه مالك الملك لا ينازعه في ملكه منازع، ولا يعارضه فيه معارض، وتصرفه في الملك والممالك والمماليك دائرًا بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة واللطف فلا يخرج تصرفه عن ذلك، فلله الحمد كله على خلقه وأمره وتدبيره.
قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
والمُلك والحمد في حقه متلازمان، فكل ما شمله مُلكه شمله حمده، هو المحمود في مُلكه: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]
وكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته، يستحيل خروجها عن حمده وحكمته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ولهذا يحمد الله سبحانه نفسه عند خلقه وأمره، فهو المحمود على كل ما خلقه وأمر به حمد شكرٍ وعبودية، وحمد ثناءٍ ومدح، ويجمعها التبارك، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
والحمد أوسع الصفات وأعم المدائح لأن جميع أسمائه حمد، وصفاته كلها حمد، وأحكامه كلها حمد، وأفعاله كلها حمد، وعدله كله حمد، وانتقامه من أعدائه كله حمد، وفضله في إحسانه لأوليائه كله حمد: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
الله ﷿ هو الملك الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه هو رب العالمين قيوم السماوات والأراضين ولكمال مُلكه لا يشفع عنده أحدٍ إلا بإذنه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هو سبحانه العليم العالم بكل شيء الذي لكمال علمه لا يعذب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا تسقط ورقة إلا يعلمها ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطلع عليها المَلك،ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليه القلب:﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
هو البصير الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة ويرى جريان دمها في عروقها وعظامها النُحل،ويسمع ويرى دبيب الذرة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
السميع الذي يسمع كل شيء واستوي في سمعه سر القول وجهره الذي وسع سمعه الأصوات فلا يخفى عليه شيء، ولا يشغله سمعٌ عن سمع ولا صوتٌ عن صوت، ولا تختلف عليه اللغات، ولا تشتبه عليه الطلبات والحاجات والسؤالات: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
هو القدير الذي لا يعُجزه شيء ولكمال قدرته يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويجعل المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا والبر برًا والفاجر فاجرًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ [الزخرف: ٨٤].
وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته وهو الذي جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إليه ويهدون بأمره وجعل فرعون وآله وقومه أئمة يدعون إلى النار، ولكمال قدرته لا يحيط أحدًا بشيء من علمه إلا بما شاء أن يُعلمه إياه.
ولكمال قدرته خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك إليه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
فلله الحمد على كمال وحدانيته وعلى عظمة ملكه وسلطانه وعلى عظيم أسمائه وصفاته ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السماوات والأرض وهو المحيط بكل شيء، وهو لم يحط به أحد من مخلوقاته بل هو العالي على كل شيء القاهر فوق كل شيء: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
لا تنفذ كلماته ولا تُبدل ولو كانت بحار الأرض مدادًا وأشجار الأرض أقلامًا وكُتب بذلك المداد وتلك الأقلام لنفذ ذلك المداد وفنيت تلك الأقلام ولم تنفذ كلمات الله،كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧].
فكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل، لا يعاقب أحدًا بغير فعله ولا يعاقبه على فعل غيره ولا يعاقبه بترك مالا يقدر عليه ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
فالله شكورٌ يحب الشاكرين، حميدٌ يحب الحامدين، محسنٌ يحب المحسنين، رحيمًا يحب الرحماء، غفورًا يحب المستغفرين، توابٌ يحب التوابين فلكل صفة عليا وكل اسم حسن وكل ثناء جميل وكل حمدًا ومدح وكل تسبيحًا وتنزيه وكل إجلال وإكرام هو لله ﷿ على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها.
سبحانه وبحمده لا يحصي أحدًا ثناءً عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه به خلقه فله الحمد أولًا وأخرًا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
فهذا أحد نوعي حمده: وهو حمد الأسماء والصفات.
والنوع الثاني من حمده: حمد النعم والآلاء.
وهذا معلوم مشهود للخليقة برها وفاجرها، مؤمنها وكافرها من جزيل مواهبه وسعة عطاياه وكريم أياديه وجميل صنائعه وحُسن معاملته لعباده وسعة رحمته لهم وبره ولطفه وحنانه وإجابته لدعوات المضطرين وكشف كربات المكروبين وإغاثة الملهوفين.
وابتدائه بالنعم قبل السؤال والتكرم بها من غير استحقاق بل ابتداءً منه بمجرد كرمه وفضله وإحسانه ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها وصرفها بعد وقوعها.
قال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨]
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
وهو سبحانه الكريم الذي حبب إلى خواص خلقه الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم من الراشدين فلله الحمد والشكر على جميع آلائه وإحسانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
وكتب سبحانه في قلوب أوليائه الإيمان وأيدهم بروح منه وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه، فله الحمد كثيرًا كما يُنعم كثيرًا وكما يعطي جزيلًا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وتحبب إلى عباده بنعمه مع غناه عنهم وتبغضهم إليه بالمعاصي وشدة فقرهم وحاجتهم إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
ومع هذا فأعد لهم إذا آمنوا به وأطاعوه دارًا حسنة، وأعد لهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وجعل فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
ثم أرسل الرحمن الرحيم إليهم الرسل يدعونهم إلى تلك الجنة ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها ورضي منهم باليسير من العمل في هذه المدة القصيرة بالنسبة إلى البقاء في دار الخلود، وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف مضاعفة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
وإن أساءوا واستغفروه من ذنوبهم أن يغفر لهم: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
***
مختارات

