الخزانة الرابعة..
أقسام العقول:
العقل ينقسم إلى قسمين:
الأول: عقل تكليف، وضده الجنون، فالعاقل مكلف باستقبال الوحي والعمل به، أما المجنون فلا تكليف عليه لأنه مرفوع عنه القلم.
الثاني: عقل رشد، وضده السفه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
والعقل سمي عقلاً؛ لأنه يعقل صاحبه عن سوء التصرف ومساوئ الأخلاق، وسمي العقل حجراً؛ لأنه يمنع صاحبه من فعل ما لا يليق شرعاً أو عرفًا، كما قال سبحانه: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ [الفجر: ٥].
والعقل غير الذكاء، وإذا مَنْ الله على الإنسان بالذكاء والعقل تمت عليه نعمة الله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وقد يكون الإنسان ذكياً، وليس بعاقل، أو عاقلاً وليس بذكي، والإنسان بلا عقل قشر بلا لب، وأولوا الألباب هم أصحاب العقول؛ لأنهم عرفوا الخالق وعبدوه بموجب هذه المعرفة.
وجميع الكفار وإن كانوا أذكياء فليسوا بعقلاء: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
أما أولياء الله ﷿:
فهم الذين عرفوا الله، وآمنوا به، واتقوه، وعبدوه، وأطاعوه، فأولياء الله هم أهل العقول الذين حققوا الإيمان في قلوبهم بكل ما يجب الإيمان به، وحققوا العمل الصالح في جوارحهم فاتقوا جميع المحارم بعدم ترك الواجبات أو فعل المحرمات، فهم جمعوا بين صلاح الباطن بالإيمان، وصلاح الظاهر بالتقوى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
• أمراض القلوب والعقول:
عقول البشر كالأبدان تُصاب بمرضين، ومرض القلوب نوعان:
أحدهما: مرض شبهة.
وهو مرض القلب بالكفر والشرك والنفاق كما قال الله عن المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ١٠].
الثاني: مرض شهوة.
وهو ميل القلب من الإيمان والتقوى، إلى الفجور والمعاصي وما لا ينبغي كمن يهوى الفجور والزنا، كما قال سبحانه:﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢].
والعقول خلقها الله ﷿ لمعرفته بآياته ومخلوقاته.
• والعقول تعرف الخالق من جهتين:
الأولى: معرفة الخالق، ثم التوسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته، وهذا هو الطريق الأشرف الأعلى، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
والثانية: عكس ذلك، فمن الناس من عرف المخلوقات، ثم توسل بمعرفتها إلى معرفة خالقها، وهذا هو الطريق الأكثر، فبهذا العقل يتوصل الإنسان من معرفة المخلوق إلى معرفة الخالق، ومن معرفة الصور إلى معرفة المصور، ومن معرفة الأرزاق إلى معرفة الرازق، كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وأكمل أنواع التزكية هو تطهير القلب من ظلمة الكفر والشر إلى التحلي بالتوحيد والإيمان والتقوى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
ومراتب أعمال المكلف ثلاث:
الأولى: إزالة العقائد الفاسدة عن القلب.
الثانية: ثم تزكيته بمعرفة الله وأسمائه وصفاته وافعاله.
ثالثًا: ثم الاشتغال بعبادته وحده لا شريك له، فمن استنار قلبه بمعرفة جلال الله ظهر الخشوع والتواضع والانكسار على جوارحه.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ودلائل التوحيد والإيمان في الكون بعدد الذرات، وجميع المخلوقات.
فوا عجباً كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه العظيم، وعجباً ممن عرف النشأة الأولى، ثم هو ينكر النشأة الآخرة، وعجباً ممن ينكر البعث والنشور، وهو يرى في كل يوم من يموت ويحيا، باليقظة والمنام، في عالم النبات، وعالم الحيوان، وفي عالم الإنسان: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
وعجباً ممن يؤمن بالجنة، وما فيها من النعيم، ثم يسعى لدار الغرور، وينشغل بها عن الدار الآخرة.
وعجباً أشد العجب من المتكبر الفخور، وهو يعلم أن أوله نطفة قذرة، وآخره جيفة نتنة، وهو عورة، خرج من عورة، ودخل في عورة، ثم خرج من عورة، وهو في الدنيا عورة إلا إذا لبس لباس الإيمان والتقوى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
وعجباً ممن عرف الهدى، كيف يتبع الهوى، وعجباً ممن عرف الرحمن كيف يطيع الشيطان: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
• فقه التفكر والتدبر:
خلق الله ﷻ هذا الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء، وجعله مستعداً للإيمان والكفر، وللطاعات والمعاصي، وللخير والشر: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
• والله ﷿ خلق في كل إنسان ثلاث أواني:
الأولى: آنية الطعام والشراب وهي المعدة، ويشترك فيها مع البهائم.
والثانية: آنية المعلومات وهي الدماغ، ويشترك فيها الكفار.
والثالثة: آنية الإيمان وهي القلب، ويشترك فيها مع الملائكة.
وأمر سبحانه ألا يوضع في الأولى إلا ما ينفعها ويصلحها من الطيبات التي أحلها الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وخلق سبحانه العقل والدماغ والمخ وأمرنا باستعمالها حسب أمره، للتفكر في عظمة الله، وجلاله وجماله، وإحسانه، وآياته ومخلوقاته واستقبال الوحي، والعمل بموجبه، وتعليمه، والدعوة إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
وخلق سبحانه القلوب وجعلها محل الإيمان والكفر، ومحل التقوى والفجور وأمرنا بالتفكر في الآيات الكونية، والتفكر والتدبر للآيات القرآنية، ليزيد الإيمان في القلب، فتأتي الطاقة الإيمانية التي تحرك الجوارح بأنواع الطاعات وتأتي المحبة والرغبة للقيام بأعمال الدين، وامتثال أوامر الله في جميع الأحوال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فإذا تزين العبد بالإيمان والطاعات أسعده الله في الدنيا والآخرة، وإن كفر وأعرض عن دين الله شقي في الدنيا والآخرة، فلله ﷿ على كل عبد في كل عضو من أعضائه أمر، وله عليه فيه نهي، وله فيه نعمة، وله به منفعة ولذة: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
فإذا قام العبد لله في ذلك العضو كاليد أو الرجل أو السمع أو البصر، إذا قام العبد لله بذلك العضو بأمره، واجتنب فيه نهيه، فقد أدى شكر نعمته عليه فيه وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠].
وإذا عطل أمر الله في ذلك العضو، عطله الله من الانتفاع بذلك العضو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرته: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
ولله ﷿ على كل عبد، في كل وقت من أوقاته، عبودية تقدمه إليه، وتقربه منه، وتحببه إليه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
فإذا شغل العبد وقته بعبودية ذلك الوقت تقدم إلى ربه، ونال رضاه، وإن شغله بهوى وراحة وبطالة تأخر فخاب وخسر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وجعل سبحانه كل عضو من أعضاء الإنسان آلة لشيء، إذا اُستعمل فيه فهو كماله فالعين آلة للنظر، والأذن آلة للسمع، والأنف آلة للشم، واللسان آله للنطق، والرجل آله للمشي، واليد آلة للبطش، والفرج آلة للنسل، والعقل آلة للتفكر والتدبير، والقلب للتوحيد والإيمان والمعرفة.
فالعقل للتفكر والتدبير والتذكر، وإيثار ما ينفع على ما يضر، وتقديم المصالح، ودرأ المفاسد والتمييز بين البدائل و اختيار الأفضل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
والعبد كالشجرة آلة للعمل والإنتاج، فمتحرك بطاعة، ومتحرك بمعصية، وداعٍ إلى الخير، وداعٍ إلى الشر وحامل مسك، وحامل روث: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ [الليل: ٤].
ولا يزال العبد في تقدم أو تأخر، فإما متقدم إلى الله والجنة بالإيمان والتقوى، أو متأخر إلى العذاب والنار بالكفر والفجور، ولا وقوف في الطريق البتة فقد أنزل الله كتبه، وأرسل رسله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ [المدثر: ٣٦ - ٣٧].
***
مختارات

