الخزانة الخامسة..
هذه الأمة أُعطيت وظيفة الأنبياء والرسل، وهي عبادة الله ﷿ وحده لا شريك له والدعوة إليه، والعابد ميدان جُهده النفس، والنفس قطرة، والداعي إلى الله ميدان جُهده النفس والناس، والناس بحرٌ لا ساحل له: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
والجو الإيماني، يتربى فيه على التوحيد، والإيمان، ومحاسن الأقوال، والأعمال، والأخلاق، والصحابة ﵃، رباهم النبي ﷺ على ذلك، فجمعوا بين حسن الأدب، وحسن العمل، فرضي الله عنهم، ورضوا عنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فالحقُ لابد أن يُنشر بين الناس؛ لأنه حقٌ لكل إنسان، فكما أن نور الشمس يسير به كل إنسان وحيوان، وينتفع به كل مخلوقٍ من نبات وغيره، فكذلك التوحيد والإيمان حقٌ لكل إنسان، وهو واجب هذه الأمة، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، بإذن ربها: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فالضلال العالمي، لابد أن يقابله هداية عالمية وحقٌ عالمي؛ ليسعد الناس في دنياهم وأخراهم.
ولكي يخرج الضلال من العالم، لابد من ثلاثة أمور:
الأول: دعاء الهداية، وهو الذي أمرنا الله ﷿ أن نكرره أكثر من أربعين مرة في صلواتنا، ما بين فريضة ونافلة:﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ١ - ٧].
الثاني: جُهد الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وجُهد الهداية، جُهد على النفس بالاستقامة، وجُهدٌ على الغير بالدعوات إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى الخلق.
الثالث: لزوم بيئة الهداية: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
فلزوم بيئة الهداية، هي روضة المؤمن التي ينتفع بها، وتثمر له خمس ثمرات:
وفي بيئة الهداية نتعلم الدين.
ونعمل بالدين.
ونثبت على الدين.
ونترقى في الدين.
وندعو إلى الدين.
وقد ربى النبي ﷺ أصحابه على ذلك، فنجلس في الجو الإيماني؛ لنعرف عظمة الله، وكبريائه، ونعرف نعمه وإحسانه فنشكره، ونعرف عظمة اليوم الآخر.
ثم نخرج من البيئة الإيمانية إلى الساحة البشرية، فنجتهد على الغافلين، ونأتي بهم للبيئة الإيمانية في المسجد، فيتذكروا، فيكونوا ذاكرين، ثم يعودون إلى البيئة الغافلة،وهكذا ينتشر الحق والخير في العالم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وحقيقة الإنسان الروح، وعُلبتها الجسد، فالجسد مادامت الروح فيه، فله قيمة، فإذا خرجت الروح، صارت العُلبة لا قيمة لها، تُدفن في التراب، ولو كانت عُلبة ملك، أو رئيس، أو وزير، أو تاجر، أو ابنك، أو أباك، أو زوجتك، فقيمة الإنسان في صفاته، وأعماله، وأخلاقه، لا بذاته، ولا بنسبه،ولا بماله: «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِى الْقَلْبُ»متفق عليه.
الله ﷿ هو الهادي الذي يهدى ما يشاء إلى صراطٍ مستقيم، وهى عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه:﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ [الحج: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
وأعظم الناس هداية هم الأنبياء، والرُسل الذين بعثهم الله بالحق لهداية عباده إليه: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٨٨ - ٩٠]
فأعظم الناس هداية هم الأنبياء والرُسل عليهم الصلاة والسلام ثم من تبعهم علي ذلك.
وكيف نحصل علي الهداية؟
لابد من معرفة أصول حياة الأنبياء والرُسل عليهم الصلاة والسلام فحياة الأنبياء والرسل كلها هداية.
وأصول حياة الأنبياء والرسل أربع أمور:
الأول: التضحية بكل شيءٍ من أجل الدين، من أجل لا اله إلا الله، وذلك بترك الأمر الأدنى من أجل الأعلى، والخروج من مِزاج النفس إلى مِزاج الدين، وتقديم الوحي علي العقل، ومن ضحي بشيء من أجل الله، وهبة الله له فورًا كما حصل لجميع الأنبياء والرُسل فقد حصل لإبراهيم ﷺ من هذه التضحيات أنه ضحى بحياته، فوهب الله له الحياة:﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠].
وضحي بالبلد، فالله أعطه أحسن بلد مكة، وبنى فيها بيت الحرام، وضحى بالولد فالله أحيا الولد وهو إسماعيل، وأخرج من نسليه أحسن ولد وهو محمد ﷺ وضحي بأم الولد هاجر، وتركها في بيت غير ذي زرع: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وهي مكة فالله أحياها، وحفظها وابنها، وجعل خطواتها نُسك يتعبد به بين الصفا والمروة في كل حجٍ أو عمرة، فمن ضحى من أجل الله وهبه الله فورًا ونصره على من عاداه:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وتلك حقائق المجاهدة.
الثاني من أصول حياة الأنبياء:
الاستقامة علي الدعوة، فالدعوة أمر الله كالصلاة، فالله يقول ﷻ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧].
وكذلك يقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
فالدعوة أمر الله كالصلاة أمر الله والذي يريد الاستقامة لابد له من التوبة إلى الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
ولا يستقيم علي جُهد الهداية، وجُهد الدعوة إلا من تيقن أن فلاح البشرية كلها بهذا العمل، ويلزم بيئة الإيمان ليزيد إيمانه، ويُحسن الظن بربه وبالناس ويصبر على الأذى،والمشقة ويتحلى بمكارم الأخلاق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]
وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
وأعظم الأمراض التي تطرد الإنسان عن عمل الدعوة هي الغيبة، والنميمة، وإتباع الهوى، والانتقاد، وحب الدنيا فنفسك إن لم تشغلها بالخير اشغلها الشيطان بالشر.
الثالث من أصول حياة الأنبياء: المسابقة في كل ميادين طاعة الله ورسوله حتى الممات، في الدعوة إلى الله، والتعليم، والعبادة، والإنفاق، فالمسارعة إلى كل فضيلة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والصحابة ﵃ قدم كل واحد منهم ما يملك وما يستطيع إلى أخر يوم في حياته من أجل هذا الدين؛ ولهذا ﵃وقربهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
الرابع: الدعاء والاستغاثة بالله وحده؛ لأنه قاضي الحاجات كلها وحده لا شريك له، والقرآن كُله يبين دعوة الأنبياء ودعاء الأنبياء كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩]
وجميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام دعوا إلى الله، ودعوا الله فاستجاب دعائهم: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ [الأنبياء: ٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾ [القمر: ١٠ - ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٩١].
فهذه هي أصول دعوة الأنبياء، التضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمة الله، والاستقامة علي الدين ظاهرًا وباطنًا، والسابقية إلى كل عملٍ صالح، والدعاء والاستغاثة بالله ﷿في كل شأن فمن قام بها حصل له كمال الإيمان والتقوى وملأ الله قلبه بنور الهداية، وحصل علي الفلاح في الدنيا والآخرة.
ومقصود الدعاء إحياء أمر الله بطلب الحوائج من الله وحده لا شريك له، ليس فقط الاستجابة، فالاستجابة قد أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
ومن نقص منها واحد من هذا الأصول حُرم من الثمرة بقدر النقص.
ومن سنة الله أن: «مَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ، ومن مات عَلَى شَيْءٍ بُعِثَ عَلَيْهِ».
والذين قاموا علي هذا العمل عمل الأنبياء والرُسل، وهو الدعوة إلى الله بإخلاص ماتوا علي العمل في أحسن حال في الصلاة، والزيارات، والشورى، والتعليم ونحو ذلك:﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الصراط المستقيم هو: الإسلام والتوحيد، والحق والقرآن:﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
فالصراط المستقيم هو المُوصل الوحيد إلى رضوان الله وجنته: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فالمؤمن يطلب من ربه الهداية إلى هذا الصراط المستقيم؛لأنه أقرب الطرق إلى المقصود وأقصرها ويحمد الله ﷿ على نعمة الهداية: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١].
والطريق المستقيم يُوصل إلى المقصود بسهولة، والمعوج لا يوصل إليه، والمستقيم ثابتٌ لا يتغير والمعوج يتغير، فالمؤمن يسأل ربه الهادي أن يهديه إلى هذا الصراط المستقيم، الذي شرعه الله وسار عليه خيار خلق الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
فالطرق ثلاثة:
الأول: طريق الذين أنعم الله عليهم وهم الأنبياء والرسل وأتباعهم من المؤمنين.
الثاني: طريق المغضوب عليهم وهم كل ما علم الحق وخالفه، كاليهود وأمثالهم.
الثالث: طريق الضالين وهم كل ما عرف الحق ثم ضَل عنه كالنصارى وأمثالهم مما ابتدع في الدين فصار ضالاً وهذا بالنسبة للنصارى، قبل أن يبعث الرسول ﷺ أما لما بعث الرسول ﷺ وكذبوه صاروا من المغضوب عليهم كاليهود؛ لأن اليهود مغضوب عليهم؛ لأنهم كذبوا عيسي ﷺفالنصارى مغضوبٌ عليهم الآن؛ لأنهم كذبوا محمد ﷺ.
فصار اليهود والنصارى بعد البعثة كلهم مغضوبٌ عليهم، اليهود كفروا بما جاء به موسي وعيسي،والنصارى كفروا بما جاء به محمد ﷺ ودين الله الذي جاء به جميع الرسل هو الإسلام كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩].
ولا يقبل الله بعد بعثه محمد ﷺ دينًا سواه؛ لأن الله أكمله:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، هديتنا للإسلام، وعلمتنا السنة والقرآن وجعلتنا من خير أمة أُخرجت للناس، علمتنا إذا أردنا أن نحمدك أن نذكر حمد الجميع لك، فنقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢٧].
وعلمتنا لما أردنا عبادتك أن نذكر عبادة الجميع لك فقلت:﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥].
وعلمتنا لما أردنا الاستعانة ذكرنا استعانة جميع الخلق بك فقلنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥].
فمن فضلك علينا أن علمتنا إذا طلبنا الهداية أن نطلبها للجميع فنقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦].
كما أمرتنا، وعلمتنا.
وإذا طلبنا الاقتضاء بالصالحين أن نطلب الاقتضاء بالجميع:﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
وإذا أردنا الفرار من المردودين أمرتنا أن نفر من جميع المغضوب عليهم والضالين فقلت: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
فيا ذا الجلال والإكرام يا من بيده ملكوت كل شيء، نحمدك علي أن هديتنا إلى الإسلام، فيا من هديتنا إلى الاقتضاء بالأنبياء والصالحين في الدنيا، اجمعنا بهم يوم القيامة إنك أنت الرحمن الرحيم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
***
مختارات

