الخزانة الأولى..
الله ﷻ هو الملك الحق المبين، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الحميدة والمثل الأعلى، وله الملك كله وله الخلق كله، وله الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله:﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم، فالله حق ودينه حق ورسوله حق ووعده حق، كما قال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الْحَقُّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ وَبِكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» متفق عليه.
فالحق هو الشيء الثابت، فإن وصف به الحكم الشرعي فهو العدل، وإن وصف به الخبر من الله ورسوله فالمراد به الصدق، وكل دين الإسلام على هذا، فأخباره كلها حق وصدق، وأحكامه كلها حق وعدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
والناس في قبول الحق كالأرض التي أصابها الغيث، منها ما ينبت ومنها ما لا ينبت، ومنها ما ينبت سريعاً ومنها ما يظهر بعد مد ة، وكذلك الناس في قبول الحق والاستجابة إليه، فمنهم السريع جداً في قبول الحق كسحرة فرعون الذين آمنوا مباشرة لما رأوا الآيات، ومنهم أبو بكر الصديق ﵁ الذي آمن بالحق لما سمعه من الرسول ﷺحالاً بلا تردد: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].
ومنهم من استجابته للحق بطيئة كقوم نوح الذين دعاهم نوح ألف سنة إلا خمسين عامًا، ومع ذلك لم يؤمن به إلا قليل: ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ [هود: ٤٠].
وكخالد بن الوليد الذي تأخر إسلامه حتى حارب المسلمين ثم أسلم، وكذا عكرمة بن أبي جهل وأبو سفيان وغيرهم فإن هؤلاء تأخر إسلامهم ﵃.
عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِه» متفق عليه.
والحق هو الصراط المستقيم الموصل إلى رضوان الله والجنة.
وقد وصف الله الصراط المستقيم بصفتين:
الأولى إيجابية: بكون الصراط للذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين كما قال سبحانه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
الثانية سلبية: وهي يكون ذلك الصراط المستقيم، بخلاف صراط الذين فسدت قواهم العملية بارتكاب الشهوات المحرمة حتى أستوجب غضب الله عليهم كما قال سبحانه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
وبخلاف صراط الذين فسدت قواهم العلمية حتى ضلوا عن الحق الذي يريده الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
والناس في قبول الحق ثلاث فرق:
الأولى: من عرف الحق وعمل به وهم الذين نعم الله عليهم من المؤمنين.
الثاني: من عرف الحق ولم يعمل به وفي مقدمة هؤلاء اليهود ومن شابههم.
الثالثة: من عرف الحق وضل عنه وفي مقدمة هؤلاء النصارى ومن شابههم.
المكلفون ثلاثة أقسام:
الأول: أهل الطاعة، وهم المؤمنون بالله العاملون بشرعه،كما قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧].
الثاني: أهل المعصية، وهم كل من عرف الله ولم يؤمن به ولم يعمل بشرعه هؤلاء هم الغضوب عليهم: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
الثالث: وأهل الجهل والضلال، وهم كل من لم يعرف الحق أو عرفه لكنه ضل عنه، كمال قال سبحانه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
والمقبول من هؤلاء عند الله طائفة واحدة وهم المؤمنون الذين آمنوا بالحق الذين أنعم الله عليهم بالعلم والعمل والقبول.
والمرددون فريقان المغضوب عليهم والضالون.
المنعم عليهم جمعوا بين معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، والمغضوب عليهم هم الذين اختل عندهم قيد العمل فهم الفسقة وهم مغضوب عليهم.
والضالون هم الذين اختل عندهم قيد العلم فهم الضالون:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
الله ﷻ هو الحق، الموجود حقيقتاً الذي لا يسع أحد إنكاره ولا جحوده، فلا ريب ولا شك في وجوده ﷻ: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]
وهو سبحانه حقُ في ذاته، وحقُ في أسمائه وصفاته، وحقُ في أقواله وأفعاله، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفاً، ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفاً، وهو سبحانه الحق وكل ما يعبد من دونه باطل وعبادته باطلة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
والله ﷻ هو الحق وقوله حق، وفعله حق، ولقائه حق، ورسوله حق، وكتبه حق ودينه حق، وعبادته وحده لا شريك له هي الحق، وحكمه الحق، وكل شيء ينسب إليه فهو حق:«اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الْحَقُّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ» متفق عليه.
وهو سبحانه الإله الحق، والرب الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهن، وخلق أرزاق الخلائق بالحق، وهو الحق الذي يمسك السماوات والأرض أن تقع إلا بإذنه، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحي من الميت والميت من الحي، والذي يدبر الأمر في العالم العلوي والعالم السفلي، حي قيوم لا تأخذه سنه ولا نوم.
فهذا هو الإله الحق العليم بكل شيء، القادر على كل شيء، الخالق لكل شيء، الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يدفع السيئات إلا هو، ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا وذو العظمة والجلال والكبرياء: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣٢].
فهذا هو الإله الحق الذي يستحق إن يعبد ويطاع ويشكر:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والله ﵎ هو الحق الذي أنزل الكتاب بالحق، وأنزل العدل وجعله حكماً فيما تختلف فيه الأمم وما تختلف فيه آراء الناس، وقام شرائعه على العدل في الحكم وجعله الميزان الذي توزن به القيم والحقوق وتوزن به الأعمال والتصرفات، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ [الشورى: ١٧].
فهو سبحانه الحق الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق المشتمل على العدل والإحسان والرحمة ليغيره على الدين كله،كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨].
وما يزال دين الحق ﷻ ظاهر على الدين كله، ومن حيث هو دين فهو الدين القوي بذاته، الكامل بشرائعه، المحفوظ من التحريف والتبديل، الموافق للقلوب والجوارح، المذكي للعقول والروح، الذي يزحف بذاته وحسنه إلى القلوب والبلاد والعباد كل يوم وكل لحظه، اللهم أرينا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
الحمد لله رب العالمين الملك الحق، الذي جاء بالحق، وحكم بالحق ونصر الحق، الحق الذي لا شك في وجوده، الحق الذي لا يقبل الظن ولا غلبة الظن ولا الشك ولا الوهن، والواجب على كل أحد أن يعرف الحق ﷻ، وأن يؤمن بالحق ويمتثل أمر الحق ليفوز بالدنيا والآخرة، واعلم أن كل شيء يقربك إلا مولاك الحق فهو حق، وكل شيء يبعدك عنه فهو باطل، والحق منصور أبدا والباطل مخذول أبدا لأنه باطل ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
***
مختارات

