الخزانة السادسة..
فقه الخلق والأمر:
الله سبحانه جعل لكل شيء في هذه الدنيا أساساً، فأساس الدنيا المُشاهَدة، وأما أساس الدين فهو المجاهدة: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
فالمشاهدة للمخلوقات والأشياء للجميع، والمجاهدة للحصول على الإيمان الذي يريده الله للمؤمن؛ لذلك هناك ثلاثة أمور:
علمُ الدين.
وأعمال الدين.
وحقيقة الدين.
فعلم الدين يشترك فيه المسلم والكافر، فكم من حفاظ للقرآن والسنة من المسلمين وغيرهم.
وأعمال الدين يشترك فيها المسلم والمنافق؛ فالمنافقون في مسجد النبي ﷺ في المدينة كانوا يصلون سبع صلوات؛ الصلوات الخمس، وصلاة الضحى، وصلاة التهجد: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].
لكن هل المقصود علم الدين فقط؟ أو أعمال الدين فقط؟ أم حقيقة الدين؟
المقصود الأعظم حقيقة الدين، ولا يقوم على الحقيقة ظاهرًا وباطنًا إلا المؤمن.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والله ﷿ هو الحق، الذي يريد الحق، ويعطي الثواب على الحق، لأنه الحق الذي أمر بالحق، وتَعامُل الناس مع بعضهم بالحقائق لا بالصور: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٠].
فالله ﷿ يريد منا الحقيقة، والحقيقة للحصول عليها لابد من المجاهدة: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وما هي الحقيقة؟
هي البصيرة؛ والبصيرة نظر القلب إلى الحق، والاستقامة على العمل حتى الممات: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤].
فمن عرف الحق، وعمل بالحق، نال الثواب على الحق:﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣٢].
والنفاق أخطر شيء على المسلمين، فالمنافقون في عهد النبي ﷺ لم يقولوا بقلوبهم في حياتهم «لا إله إلا الله»، وكذا لم يقولوا لا بألسنتهم ولا بقلوبهم: «لا إله إلا الله» عند الموت، مع أنهم صلوا مع النبي ﷺ، وخرجوا معه للجهاد، لأنهم كفار لا خير فيهم: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣].
ومقصود جهد الدعوة إلى الله تحريك كل طاقة في الإنسان للعمل بالدين، ونشر الدين، حتى الممات: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
ولتحصيل البصيرة لا بد من بذل الطاقة في كل وقت للدين، فالإيمان حتى يدخل في القلب لا بد له من الجهد الدائم؛ فالصلاة، والصوم، والزكاة، والحج هذا كله مستوى إسلامك، والمطلوب مستوى إيمانك، لذلك يُسأل الإنسان في القبر:من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟.
قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [الحجرات: ١٤].
فدخول الإنسان في الإسلام شيء، ودخول الإيمان في قلب الإنسان هذه درجة أعظم، فإذا دخل الإيمان في القلب حرك لسان المؤمن وقلبه وجوارحه بأعظم أعمال الدين؛ وهي الدعوة إلى الله، وعبادة الله، وتعليم شرع الله،والإحسان إلى خلق الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
اللهم ارزقنا الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين، يا رب العالمين.
فقه الكدح:
الله ﷿ على كل إنسان ثلاث سُنن، جمعها في قوله سبحانه:﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦].
فالأولى: سُنّة الكَدحِ،
وأعظم الكدح كدح الأنبياء والرسل بجهد العبادة والدعوة:﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وقال الله تعالى: عن سيد الأنبياء والرسل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
والله أوجب على الجميع في هذه الدنيا الكدح من أجل تحصيل المصالح، وبيَّن أفضل كدحٍ، ورغَّب فيه، وأثاب عليه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ [الصف: ١٠ - ١٤].
السُّنة الثانية: إلى ربك، فكل كدحٍ وعملٍ يرتفع إلى الله، فإن كانت أعمالك صالحة ترجمت فورًا شهواتٍ يوم القيامة في الجنة، فرحٌ وسرورٌ، وطعامٌ وشراب، وحورٌ وقصور.
وأكثر الناس مجاهدةً في الدنيا من أجل الدين أكثرهم شهواتٍ يوم القيامة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وأقلُّ الناس مجاهدةً في الدنيا أقلهم شهوات يوم القيامة.
ثم تنتقل لذة تلك الشهوات والمسرَّات من الجنة إلى قلب المؤمن الذي عملها في الدنيا، فالجنة ترسل هداياها إلى المؤمن في الدنيا؛ فمجالس الإيمان، ولذة العبادة من هدايا الجنة للمؤمن.
والنار كذلك ترسل هداياها إلى الكافر والعاصي، عذابٌ وألمٌ، وضيقٌ، وشدةٌ، وتعبٌ، وحسرة، وخوف وحزن: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
فهدايا الجنة إخوانًا على سررٍ متقابلين، متحابين، متراحمين،وللقلب من ذلك في الدنيا نصيب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وهدايا النار متدابرين، متلاعنين، متقاطعين، متحاسدين:﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وكدحُ السيئات يرتفع إلى الله ثم يُترجم في النار عذابًا أليمًا، وشديدًا، وعظيمًا، وشقاءً، وخوفًا، ثم ينتقل أثر ذلك إلى قلب الكافر في الدنيا: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
فالكدح كل يوم يرتفع، وكل يوم ينزل أثره على من عمل خيرًا كان أو شرًا.
وأثر الحسنة على المؤمن البركة، وأثر السيئة نزع البركة.
فللحسنة نورٌ في قلب المؤمن، وضياءٌ في الوجه، وصحةٌ في الجسم، وبركةٌ في الرزق، ومحبةٌ في قلوب الخلق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦].
وللسيئة ظلمةٌ في الوجه، وسوادٌ في الوجه، وضيقٌ في القلب، ووهنٌ في الجسم، ومحقٌ في الرزق، وبغضٌ في قلوب الخلق؛ فكل الخلق يبغضونه، لأنه كفر بمن خلقه، ورزقه، وهداه، وأنعم عليه بنعمٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى.
السنّة الثالثة: فملاقيه؛ فكل كادح سوف يلقى كدحه خيرًا أوشرًا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
والله سبحانه لم يُبين كدح التجار والصنَّاع والزرَّاع، وإنما بيّن أحسن كدح؛ وهو كدح الأنبياءُ والمرسلين والمؤمنين، وفصّله في القرآن، فيوم القيامة سوف تلاقي كدحك قبل كل شيء: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وأسوأ كدحٍ: هو الكدح الذي فيه إفساد البشرية، لذلك كدح إبليس اكتمل في يوم واحد، لكن كدح الأنبياء فيه إصلاحٌ للبشرية، كم احتاج من الأنبياء؟ مائة و أربعة وعشرون ألف نبي ورسول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وجُهدُ إفساد البشرية قام به واحد، وهو إبليس، لأن كدح الباطل خفيفٌ، وحلوٌ، وأساسه الشهوات، وكدح الحق ثقيلٌ، ومرٌ، ومخالفٌ لشهوات النفس.
فبداية الحق تَحمُّل المكاره، ونهايته الجنة، وبداية الباطل الشهوات، ونهايته النار، وكدح الحق لايتغير أبدًا، جُهدٌ واحد، ومقصدٌ واحد، وأسلوبٌ واحد، فسبب الهداية الجُهد، والدعوة إلى الله، كما أن سبب الرؤية البصر، وسبب السمع الأذن، وسبب الكلام اللسان: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
لهذا العبادة مجملةٌ في القرآن، مفصلةٌ في السُّنة، والدعوة إلى الله مجملةٌ ومفصلةٌ في القرآن، بيَّن الله أصولها وأحكامها وأهلها، حتى لا يُقال هذا حديثٌ ضعيفٌ أو منكرٌ أو شاذٌ، بل نصوصها قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وكل يقينٍ على ما سوى الله فهو يقينٌ فاسد، لأن الخالق ﷻبيده كل شيء، و غيره من المخاليق ليس بيده شيء: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فابن نوح ﷺ قال: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ [هود: ٤٣].
وكل واحدٍ منا عنده جبل، واليقين على الجبل هل يعصم من أمر الله؟
فمن أوى إلى جبل الشهوات، أو جبل حب الدنيا، أو جبل الرياسات، فقد أوى إلى غير الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وكدح قوم نوح، وكدح فرعون، وكدح قارون، وكدح هامان، وكدح مدين، وكدح قوم شعيب، هل نفعهم؟
لم ينفعهم؛ بل دمرهم، لأنهم كفروا بالله، واشتغلوا بدنياهم، وأعرضوا عن رسل ربهم: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٣٨ - ٤٠].
وكدح الأنبياء والرسل أعظم كدح؛ كدح نوح ﷺ، كدح إبراهيم، كدح هود، كدح صالح، كدح موسى، كدح عيسى، كدح محمد، هل نفعهم؟ كدحُ المؤمنين من أجل إعلاء كلمة الله هل نفعهم؟.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
هذا الكدح العظيم يُسعد الإنسان في الدنيا والآخرة،وينصره الله في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
قال بعض التابعين لو نظرنا إلى حياة الصحابة لقلنا مجانين، ولو رآنا الصحابة لقالوا منافقين، فما بالكم لو رآنا الصحابة اليوم ماذا يقولون؟!!.
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
والصحابة ﵃ جاهدوا بأموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
فالصحابة ﵃ ضحوا من أجل إعلاء كلمة الله بأنفسهم، وأموالهم، وأوقاتهم، وشهواتهم، وأهلهم، وديارهم، فرضي الله عنهم ورضوا عنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨].
وما هي أعظم مجاهدةً عند الصحابة ﵃؟ هل هي ترك أموالهم، وأهلهم، وديارهم، والتضحية بأوقاتهم، وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله؟.
وأعظم مجاهدة عندهم هي فراق النبي ﷺ، حينما يوجههم إلى الغزوات، ويوجههم للذهاب للدعوة إلى الله، ونشر دين الله.
فأعظم شيءٍ عند الصحابة الجلوس بين يدي النبى ﷺ، وتركوا ذلك، وأطاعوا الرسول ﷺ من أجل إرضاء الله ورسوله، ونشر دينه، وإذا كانت هذه مجاهدةٌ الصحابة العظمى، فما هي مجاهدة النبي ﷺ؟.
أعظم مجاهدة عند النبي ﷺ هي فراق المناجاة، وفراق القرب من الله ﷿؛ فالله سبحانه يقول للأنبياء والرسل:تحملُّوا فراقي، واجتهدوا على خلقي، حتى تأتوا بخلقي أمام بابي: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فالأنبياء والرسل ثم الصحابة أعطوا كل الأوقات للدعوة إلى الله، ونشر دين الله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩].
وقال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
والله ﷿ هو الخلاق العليم؛ الذي خلق عالم الغيب، وعالم الشهادة؛ وعالم الشهادة ما نراه، وعالم الغيب ما أخبرك الله ورسوله ﷺ عنه؛ من خلقٍ أو أمرٍ، فيجب أن تؤمن به كأنك تراه، لأن من أخبرك به صادق: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
والله ﷿ هو الخلاق العليم الذي خلق كل شيء.
فخلق عالم الغيب، وعالم الشهادة، وخلق عالم الدنيا، وخلق عالم الآخرة، وخلق العالم السفلي، وخلق العالم العلوي، ومن هذا خلقه، وهذه قدرته، هو وحده الذي يستحق العبادة دون سواه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والله سبحانه خلق سبع سماوات، ومن الأرض مثلهن.
وقد ذكر الله السماوات السبع في القرآن سبع مرات في سبع آيات، كما قال سبحانه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ [المؤمنون: ٨٦]
وقال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ [الملك: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ [نوح: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ [النبأ: ١٢].
فهذه سبع آيات، ذكرَت السماوات السبع؛ وذِكره سبحانه سبع سماوات في سبع آيات أمرٌ معجز، وهي سبع سماواتٍ متطابقة، تغلف العليا منها السفلى، وقد مرَّ الرسول صلى الله عليه وسلمبها كلها في الإسراء والمعراج، وقطعها في ليلة، وما نشاهده في الكون جزءٌ محدودٌ من السماء الدنيا.
والله سبحانه أخبرنا عن سبع سماوات، وسبع أراضين، وكشف لنا عن سماءٍ واحدةٍ، وأرضٍ واحدة، نراهما بالحس والبصر، وست سماوات، وست أراضين، نصدق بهما بالخبر.
وتبديل السماوات والأرض يوم القيامة يكون على وجهين:
الأول: أن تكون الذات باقية، وتتبدل صفات الأرض، وصفات السماء.
الثاني: أن تفنى الذات الأولى من السماء والأرض، وتُخلق ذاتٌ أخرى، والله قادرٌ على هذا وهذا فهو الخلاق العليم:﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم: ٤٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].
ومَن هذا خلقه، وهذه عظمته، وهذه قدرته، هو وحده الذي يستحق أن يعبد دون سواه، وأن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
والله ﷿ خلق هذه المخلوقات العظيمة من السماء والأرض، وملأها بمخلوقاتٍ عظيمة لا يحصيها إلا هو، خلقها شاهدةٌ بوحدانيته، ومسبحةٌ بحمده، ومطيعةٌ لأمره، وخاضعةٌ لعظمته، ومستجيبةٌ لمشيئته، ومسرعةٌ إلى إرادته:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
والإنسان لما قبل تحمّل الأمانة خيَّره الله بين أن يؤمن أو يكفر، ورغَّبه في الإيمان، وحذَّره من الكفر، وخيَّره بين أن يطيع أو يعصي، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].
***
مختارات

