الخزانة الخامسة..
محاسن الدعوة إلى الله:
الله ﷿ خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، لأنه الرحمن الذي قال سبحانه: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي».
متفق عليه.
فما أرحم الله بخلقه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
فمن خالف طريق رحمته، صار إلى طريق عذابه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
وأعلى عمل في الدين هو الدعوة إلى الله، لما فيها من المنافع العظيمة للداعي والمدعو؛ ومن أجل أسفار الدعوة، وأعمال الدعوة، جعل الله الرُّخَص في الدين، مِنْ قصْر الصلاة وجمعها، والفطر في السفر، والتيمم عند فقد الماء، أو العجز عن استعماله،.
ونحو ذلك من الرخص.
لهذا الله ﷿ لم يجعل فوق الدعوة عملًا للوصول إليه، لأن الشريعة مركَّبة على الرُّخصة، والدعوة مركبة على العزيمة، فلا يوجد لأحد رخصة في ترك الدعوة إلى الله، فالدعوة على الجميع رجالًا، ونساءً، وصغارًا، في الحضر والسفر، والصحة والمرض: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال ﷿: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١].
فالنفر في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ونشر دين الله، هو أعظم الأسفار: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].
فالدعوة إلى الله أحسن الأعمال، وأكثرها أجرًا، ولهذا شرَّف الله بها جميع هذه الأمة، فقال ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
والشيطان عدوٌ مبين يدعو إلى الباطل، والرُسل يدعون إلى الحق، والشيطان يأتي ليخرج الإنسان من شيئين:
يأتي في الظلمة ليخرج الناس من الطاعات إلى المعاصي، ويأتي في النور ليخرج الإنسان المسلم من الكل إلى الجزء، ويشغله بالجزء عن الكل الذي هو الدعوة، التي يقول الله عنها لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
ومشكلة إبليس ليست مع المصلين، والصائمين، والمنفقين؛ بل مشكلته مع الدعاة إلى الله، والمعلمين لشرع الله، لأنهم يُطفئون الحرائق التي يشعلها، ويُحيون السنة في أمة محمد ﷺ، ولهذا قال إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
وقال الله تعالى عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
والصلاة في مكة أفضل من مئة ألف صلاة، وصلاةٌ واحدةٌ في مكة تساوي صلاة خمس وخمسين سنة خارج مكة، والصحابة أذكى الناس؛ لذا تركوا مكة والمدينة، لأن مقصودهم كيف يكون العالم كله كمكة والمدينة، وكيف تمتلئ صحائفهم بحسنات المصلين، والصائمين، والمنفقين، والمستغفرين، والمسبحين، وكل نبي أُعطيَ الهجرة والدعوة،لأن الهجرة سبب الهداية: كما قال الله ﷿ عن إبراهيم ﷺ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ [العنكبوت: ٢٦].
والله افترض على هذه الأمة الدعوة والهجرة، وبهذه ربَّى الله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ والهجرة ترك كل الدنيا من أجل الدين إلى الأبد، ونشره في العالم كله إلى الأبد، والصحابة تركوا من أجل ذلك كل الدنيا لأعدائهم؛ لأبي جهل، وأبي لهب، والوليد بن المغيرة وغيرهم، فتركوا كل الدنيا لإقامة كل الدين في العالم إلى الأبد: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].
والأنصار بذلوا كل شيء من أجل الدين: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
فالمهاجرون تركوا، والأنصار بذلوا، فالتقت الهجرة والنصرة، ثم جاء الثالث وهو الرضوان من رب العالمين:﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
والهجرة أن تترك دنياك من أجل دينك، والنُصرة أن تبذل دنياك من أجل دينك؛ فالنُّصرة ترك دنياك من أجل دينك، ولكن تترك لإخوانك المؤمنين، كما ترك الأنصار أموالهم لإخوانهم المهاجرين؛ كعبد الرحمن ابن عوف، وعمر، وسعد،.
.
فالمهاجرون تركوا دنياهم لأعدائهم، والأنصار تركوا دنياهم لأحبابهم المؤمنين؛ والمهاجرون أعلى في البذل والترك، فأفضل الصحابة المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الذين اتبعوهم بإحسان: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
والذي يقبل الله دعوته هو من كانت حياته مطابقة لدعوته،ومن كانت حياته مخالفة لدعوته لم تُقبل دعوته: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
ومقصود الدعوة إلى الله تحصيل معية الخالق، وباب النبوَّة أُغلق وبقي في الأمة باب الصفات: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
وفي بدرٍ، الله ﷿ غيَّر نظام القلوب، والعيون، والأقدام، فالله سبحانه أنزل السكينة في قلوب المؤمنين في بدر، وقذف الرُّعب في قلوب الكافرين.
وقلَّل الكفار في أعين المؤمنين، وكثَّر المؤمنين في أعين الكفار.
وأنزل المطر ليثبِّت به أقدام المؤمنين، وكان طينًا تغوص به أقدام الكفار في أرض المعركة.
والنبي ﷺ كان يدعو الله في العريش، وأبو جهل يدعو هُبَل ويستفتح، والنبي ﷺ يدعو ويبكي في العريش، وأبو بكر يقول له إن الله مُنجزٌ لك ما وعدك، وأبو بكر يبكي في الغار في مكة، والنبي ﷺ يقول له: لا تحزن إن الله معنا، وذلك لكمال الصفات فيهما.
وأما بكاء النبي ﷺ في غزوة بدر فكان خائفًا أن ينقص إيمان واحد ممن شاركوا في المعركة من ثلاث مئة رجل، فتنقُص الصفات، فتُرفَع النُّصرة، أما في الغار فكان الرسول ﷺ مطمئنٌ على إيمان أبي بكر، ولذا قال له: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وأي جهدٍ انفرادي سهل، وأي جهدٍ اجتماعي صعب، لأن الجهد الاجتماعي لا بد أن تتنازل فيه عن مزاجك ورأيك، وتخضع للشورى بالطاعة، وتلك هي التربية الصحيحة.
ومقصد الدعوة إقامة كل الأمة على مزاج النبي ﷺ، وفِكر النبي، وعمل النبي، وجُهد النبي، وأخلاق النبي:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
والله سبحانه قال عن المؤمنين في غزوة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩].
ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ١٠].
فالصحابة كانوا في بدر كلهم في الاستغاثة والدعاء، فالإجابة جاءت للجميع، لأن صفاتهم مقبولة، فجاءت الصفات، ثم جاءت المعيِّة، ثم نزلت الملائكة معهم تحمل سيوفًا من نار: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١١ - ١٢].
فالله ﷿ أوحى إلى الملائكة، فنزل إلى أرض المعركة ألفٌ، ثم ثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف، ثم قال الله إني معكم، لماذا؟
لأن صفات الصحابة وصلت إلى أن تكون معية الله معهم، ومن كان الله معه فكل شيء معه، لهذا أفضل الخلق بعد الأنبياء هم المهاجرون والأنصار، وكل خيرٍ في العالم الآن إلى يوم القيامة ففي صحائف المهاجرين والأنصار: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
والخلاف غير الاختلاف:
فالخلاف يكون بالرأي، وهو محمودٌ، والاختلاف يكون بالفعل، وهو مذمومٌ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
فإذا اختلفنا في الرأي، فلا نختلف في الفعل، والإصرار على الرأي يولد الغضب، فإذا جاء الغضب رأيت الحق باطلًا، والباطل حقًا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
ومعرفة الله ﷿ تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة النبي ﷺ تكون بمعرفة مقصده؛ وهو الدعوة إلى الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧].
وأعظم مِنَّة من الله ﷿ على الناس نعمة الإسلام:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وأسباب الحق المجاهدة، وأسباب الباطل المُشَاهدَة، ففرعون عنده أسباب الباطل المُشَاهدَة من المُلك، والمال، وقوة السلطان، حتى قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾ [الزخرف: ٥١].
وموسى ﷺ، وأمه، وزوجه، وأخته، وزوج فرعون آسية، عندهم أسباب المُجاهَدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
كم فرعون ملكه عظيم، وأسبابه عظيمة، وجنوده عظيمة، وكم النساء ضعيفات؟ وكم ضعف أسبابهن؟
ولكن مجاهداتهن عظيمة، كآسية، وخديجة وغيرهن من المؤمنات.
والله ﷻ ذكر في القرآن الكريم أسباب إظهار الحق، وأسباب إبطال الباطل، فإيمان بني إسرائيل مُزِجَ مع المعصية، والسبب: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩].
فلما تركوا الدعوة إلى الله جاءت المعاصي، مع أنهم أبناء أنبياء، فامتزج الإيمان مع المعاصي فجاءت العقوبة نقدًا:﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
ولكن الإيمان في حياة الصحابة كامل مقرونٌ بالطاعة الكاملة، مع أن آباء الصحابة كانوا عبَّاد الأصنام، وآباء بني إسرئيل أنبياء، ولكن ليس بين الله وبين الناس نسبٌ إلا التقوى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
فبنو إسرائيل بسبب المعصية، وترك الدعوة، وقعَ الناس في المعاصي، فسلَّط الله عليهم أسوأ الخَلق وشرهم فرعون؛ الذي ادَّعى لنفسه الربوبية، فقال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤].
وادَّعى لنفسه الألوهية، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].
فأصبح فرعون يسوم بني إسرائيل سوء العذاب: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
فسبب العذاب ترك الدعوة إلى الله، ورفع العذاب لا يكون إلا بالدعوة إلى الله، فأرسل الله موسى ﷺ إلى فرعون، وبني إسرائيل، بالدعوة إلى الله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ٥ - ٦].
فكل حياة موسى ﷺ ابتلاءات، لكن جاءت بعدها العطايا العظيمة، ودمَّر الله فرعون، وأورثَ بني إسرائيل أرضه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف: ١٣٧].
***
مختارات

