الخزانة الرابعة..
فقه معرفة عظمة الله ﷻ:
كان الله ﷻ ولم يكن شيء قبله، ولا شيءٌ معه، ثم أراد أن يُعرف ليُكبَّر ويُعظَّم، ويُحمَد ويُشكَر، ويُوحَّد ويُعبَد؛ فخلق السماوات والأرض وما فيهما، وما عليهما، وما بينهما، وما فوقهما: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
كان الله ﷿ ولم تكن سماءٌ مرفوعةٌ، ولا أرضٌ مبسوطةٌ، ولا شمسٌ مضيئةٌ، ولا قمرٌ منيرٌ، ولا نجومٌ مبثوثةٌ، ولا بحارٌ سائلةٌ، ولا أنهارٌ جاريةٌ، ولا جبالٌ راسيةٌ، ولا سهولٌ واسعة: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
كان الله ﷿ ولم يكن شيء قبله، لم يكن ليلٌ ولا نهارٌ، ولا ماءٌ ولا سحابٌ، ولا جمادٌ ولا نباتٌ، ولا حيوانٌ ولا إنسانٌ، ولا ملكٌ ولا جانٌ، ولا هواءٌ ولا رياحٌ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
كان الله ﷿ ولم يكن شيءٌ قبله، خلق جميع المخلوقات بقدرته؛ لتدل على جلاله، وجماله، وكماله، وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله.
خلق السماوات ثم أمرها فاستقلت، وخلق الأرض ثم أمرها فاستقرت، وخلق الجبال ثم أمرها فرست، وخلق البحار ثم أمرها فسالت، وسيَّر الرياح في الكون فسارت، وأجرى الأنهار فجرت، وأمر الأرض بالإنبات فأنبتت، وأمر النار فاشتعلت، وأمر الرياح فهبت، وأمر السُحُب فأمطرت، وأمر الأشجار فأثمرت، وأمر العيون فانفجرت، وأمر الأرض فأنبتت من كل زوجٍ بهيجٍ: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧].
كان الله ﷿ ولم يكن شيءٌ قبله؛ خلق جميع المخلوقات في العالم العلوي، والعالم السفلي، ثم خلق الإنسان وكرَّمه بكل ما في السماوات والأرض، ليعرف ربه العظيم، ويشكر ربه الكريم، ويحب ربه الرحيم،ويعبده وحده لا شريك له: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
كان الله ﷿ ولم يكن شيءٌ قبله؛ خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم أمر لسانه فتكلم، وأمر عينه فأبصرت، وأمر أذنه فسمعت، وأمر عقله ففكر، وأمر قلبه فعَرَف، وأمر رجله فمشت، وأمر يده فتحركت بمصالحه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
كم حجم هذا الإنسان الصغير بالنسبة للسماوات والأرض؟ كم حجمه بالنسبة للجبال والبحار؟
قال الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧].
ولكن الكريم كرَّم هذا الإنسان بأنواع الكرامات، وأسجد له ملائكة الأرض والسماوات، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، لأنه يريده خليفةً في الأرض في الدنيا، وجليسه يوم القيامة إن آمن: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
وقال ﷿: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وقلب الإنسان هو الملك، والجوارح جنوده، فإذا صَلُح الملك صلح البدن كله، وإذا فسد الملك فسد البدن كله.
قال النبي ﷺ: «ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ».
متفق عليه (١)
فالقلب مخلوقٌ عظيم، وهو محل نظر الله، القلب هو الملك، ووزيره العقل، وترجمانه اللسان وجنوده الجوارح: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
ومن هذه صفاته، وهذه أفعاله، وهذه قدرته، وهذا خلقه، هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، ويستحق أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والله ﷻ هو الكبير القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، المحيط بكل شيء، المالك لكل شيء، الغني عن كل شيء، الخبير بكل شيء، المعطي لكل شيء، المنعم بكل شيء، الخالق لكل شيء: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
هو سبحانه العظيم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، وضع اسمه الأعظم على السماء فاستقلت، ووضعه على الأرض، فاستقرت ووضعه على الجبال فرست، وعلى البحار فسالت، وعلى الأنهار فجرت، وعلى الرياح فهبت، وعلى السحب فأمطرت، وعلى الأرض فأبتت، وعلى الشمس فأضاءت، وعلى الحيوانات فتوالدت، وعلى العيون فتفجرت، وعلى الأرض فجمدت، وعلى المياه فسالت، وعلى النار فاشتعلت، وعلى الأشجار فأثمرت، وعلى النجوم فنورت: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
هو سبحانه الكبير الذي لا أكبر منه، العظيم الذي لا أعظم منه، القوي الذي لا أقوى منه، العزيز الذي لا أعز منه، الغني الذي لا أغنى منه، الكريم الذي لا أكرم منه، العليم الذي لا أعلم منه، الرحمن الذي لا أرحم منه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
هو سبحانه الخالق القادر على كل شيء من الذرات والمجرات؛ خلق السماوات والأرض، وخلق الذكور والإناث، وخلق الليل والنهار، وخلق الشمس والقمر، وخلق الكبير والصغير، وخلق الجامد والسائل، وخلق البر والبحر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
هو سبحانه المؤمن الذي ملأ قلوب أوليائه بالإيمان، وطهر قلوبهم من الشرك به، والذل لغيره، والخوف من غيره، والرجاء من سواه، والافتقار لغيره: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
هو ﷻ الكبير وكل ما سواه صغير، هو القوي وكل ما سواه ضعيف، هو الغني وكل ما سواه فقير، هو الملك وكل ما سواه عبد له، هو القادر وكل ما سواه عاجز، هو الكريم وكل ما سواه مكرَّم، هو المعطي وكل ما سواه مُعْطى، هو الخالق وكل ما سواه مخلوق: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
هو سبحانه الخلاق العليم لكل ما تراه وما لا تراه، الخالق لكل ما علمته وما لا تعلمه، الخالق لكل ما سمعت به وما لم تسمع به، هو الخالق لعالم الغيب والشهادة، وعالم الدنيا والآخرة، وعالم الأجساد والأرواح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦].
هو سبحانه الحي الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، الحي الذي خلق كل حي، الحي الذي يرزق كل حي، الحي الذي يرى كل حي، الحي الذي يسمع كل حي، الحي الظاهر فوق كل حي، الحي الباطن دون كل حي، الحي المحيط بكل حي، الحي القاهر لكل حي، حيٌ أقوى من كل حي، حيٌ قادر على كل حي، حيٌ ليس كمثله شيء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
هو سبحانه الواحد الأحد، الخالق لكل أحد، الرازق لكل أحد، الغني عن كل أحد، القادر على كل أحد، المهيمن على كل أحد، المحيط بكل أحد، السميع لكل أحد، البصير بكل أحد، الذي يحتاج إليه كل أحد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
ومن هذه أسماؤه، وهذه صفاته، وهذه أفعاله؛ فهو الملك الحق الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
إن معرفة الله أوجب الواجبات، وأوجب المعارف؛ فمن عرف الله أكثر كان لله أحب وأعبد، وله أخشى وأتقى:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن عرف الله بالربوبية قصده بالألوهية، وخضع له بالعبودية: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
هو سبحانه الملك الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبيرة، والنعوت الجميلة، والأحكام المجيدة:﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو سبحانه الملك الذي له الملك كله، وله الخلق كله، وله الأمر كله، وبيده الخير كله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
هو الملك الحق الذي له الملك الواسع، الكبير، العظيم، المحيط.
فله ملك السموات والأرض، وما فيهما، وما عليهما، وما بينهما، وما فوقهما: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
وله ملك عالم الغيب والشهادة، وله ملك العالم العلوي والسفلي، وله ملك ما بين السموات والأرض، وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك خزائن السماوات والأرض، وله ملك جنود السماوات والأرض، وله ملك مقاليد السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض، وله ملك كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
لا تتحرك ذرةٌ في أي مكان إلا بإذنه، ولا ينتقل أحدٌ من مكانٍ إلى مكان إلا بعلمه، ولا يقف شيءٌ إلا بأمره، ولا يسكن شيء إلا بإذنه، ولا يتكلم أحدٌ إلا بإذنه، ولا يسمع أحدٌ إلا بإذنه، ولا ينبت نباتٌ إلا بأمره، ولا يبقى جمادٌ إلا بإذنه، ولا ينفع شيءٌ إلا بإذنه، ولا يضر شيءٌ إلا بإذنه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
هو سبحانه الملك العزيز الجبار؛ الذي بيده الملك والملكوت، وله العزة والجبروت، وحده لا شريك له:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
هو الملك الذي يخلق ويرزق، ويحكم ويدبر، ويعز ويذل، ويبسط ويقبض، ويحيي ويميت: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
هو الملك الذي له الأوامر الكونية في ملكه العظيم، وله الحكم كله في ملكه الكبير، وله الأوامر الجزائية على من أحسن، أو أساء: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
ومن هذا ملكه، ومن هذه قدرته، ومن هذه أسماؤه وصفاته وأفعاله؛ هو وحده الرب الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
هو ﷻ القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء، ولا يقف له شيء، ولا يمتنع عليه شيء، ولا يفر منه شيء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦].
هو سبحانه القوي القادر على كل شيء، رفع السماوات بلا عمد، خلقها بقدرته، وأمسكها بقوته،وقهرها بعزته: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
فلا قوة إلا بالله، ولا قوة إلا من الله، ولا قوة إلا بيد الله، ولا قوي إلا خاضعٌ له، وشاهدٌ بعظمته، وساجدٌ لكبريائه، وخاشعٌ لهيبته، وذليلٌ لكبريائه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
والله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة.
هو سبحانه الرب الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، هو العظيم في ذاته وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، هو العظيم في ملكه وسلطانه، هو العظيم في خلقه وأمره، هو العظيم في كبريائه وجبروته، هو العظيم في قوته وقدرته، هو العظيم في مغفرته ورحمته، هو العظيم في نعمه وإحسانه، هو العظيم في غناه وكرمه، هو العظيم في ثوابه وعقابه، هو العظيم في تدبيره وتصريفه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هو ﷻ العظيم في حكمه وتشريعه؛ فكل ما أمر الله به فهو خير، وكل ما نهى الله عنه فهو شر، وكل ما أباحه الله فهو منفعة، وكل ما حرمه فهو مضرّة، وكل ما أوجبه من الفرائض والحقوق فهو مصلحة في كل زمانٍ ومكان، وكل ما ندب إليه فمصلحته راجحةٌ على مفسدته، وكل ما نهى الله عنه فهو ضررٌ في كل زمانٍ ومكان، وكل ما كرهه فمفسدته راجحةٌ على منفعته:﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠].
هو العظيم في أحكامه، فلا أحكام أحسن من أحكامه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
هو سبحانه العظيم الذي ما ذُكِر اسمه على قليلٍ إلا كثَّره، ولا عند خوفٍ إلا أزاله، ولا عند كربٍ إلا كشفه،ولا عند همٍ إلا فرجه: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].
هو سبحانه العظيم الذي إذا ذُكر اسمه على ذليلٍ أناله العِزة، وإذا ذكر اسمه على ضعيفٍ أفاده القوة، ولا ذكر اسمه على مريضٍ إلا شفاه، ولا تعلَّق به خائفٌ إلا أمَّنه، ولا تعلق به ضالٌ إلا هداه، ولا ناداه مضطرٌ إلا أجابه، ولا سأله أحدٌ إلا أعطاه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
هو سبحانه الغني الذي يملك كل شيء، وعنده خزائن كل شيء؛ عنده خزائن السماوات والأرض، وعنده خزائن المخلوقات والأشياء، عنده خزائن الأقوال والأعمال، عنده خزائن الأخلاق والآداب، عنده خزائن الجماد والنبات، عنده خزائن الحيوانات والحشرات، عنده خزائن الأسماك والطيور، عنده خزائن الأمنَ والخوف، عنده خزائن البر والبحر، عنده خزائن العزة والذلة، عنده خزائن النصر والخُذلان، عنده خزائن الأموال والأرزاق: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
هو سبحانه الملك العزيز الجبار؛ كل شيءٍ ملكه، وكل شيءٍ يدل على كمال قدرته وعلمه، وكل شيءٍ يشير إلى كمال عزته وجلاله وجماله، وكل شيءٍ يدل على كمال رحمته وإحسانه، نصَبَ أعلام الهُدى على باب حجته، فكل شيءٍ ينطق بعظمته، وكل شيءٍ يسبح بحمده، وكل شيءٍ يشهد بوحدانيته، وكل شيءٍ مستجيبٌ لمشيئته، ومسرعٌ لإرادته، وخاضعٌ لكبريائه:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وكل مخلوقٍ في قبضته؛ إن شاء سيَّره، وإن شاء أوقفه، وإن شاء أحياه، وإن شاء أماته، وإن شاء أغناه، وإن شاء أفقره، وإن شاء أطعمه، وإن شاء منعه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
هو ﷻ الحي القيوم الذي جميع المخلوقات باقيةٌ بمشيئته، وجاريةٌ في بحر قدرته، أمسك السماوات والأرض بقوته، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.
خلق الليل والنهار، وفجر العيون من الأحجار، وسكَّن البحار، وأجرى الأنهار، وفتق الأرض بالنبات، وفتق الظلام بالصباح، وفتق اللسان بالكلام، وفتق الليل بالنهار، وأجرى الكواكب في السماء، وسيَّر الخلائق في الأرض، وأجرى الفلك في البحر: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦].
والرب الذي هذه أسماؤه وصفاته وأفعاله، هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
***
مختارات

