فقه الإيمان بالقضاء والقدر (٣)
فالعبودية والآيات والعجائب والفوائد التي ترتبت على خلق ما لا يحبه الله ولا يرضاه وتقديره ومشيئته أحب إليه سبحانه من فواتها وتعطيلها بتعطيل أسبابها فإن قيل: فإن كانت هذه الأسباب مرادة للرب، فهل تكون مرضية محبوبة له؟.
قيل: هو سبحانه يحبها من جهة إفضائها إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذاتها.
فإن قيل: هل يمكن حصول تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟.
قيل: هذا سؤال باطل، إذ هو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب.
وسر المسألة:
أن الرضا بالله يستلزم الرضا بأسمائه وصفاته.
وأفعاله وأحكامه.
ولا يستلزم الرضا بمفعولاته كلها.
بل حقيقة العبودية أن يوافق العبد ربه في رضاه وسخطه، فيرضى منها بما يرضى به، ويسخط منها ما سخطه.
فإن قيل: كيف يجتمع الرضا بالقضاء الذي يكرهه العبد من المرض والفقر والألم مع كراهته له؟.
قيل: لا تنافي في ذلك، فإنه يرضى به من جهة إفضائه إلى ما يحب، ويكرهه من جهة ت ألمه به، كالدواء الكريه الذي يعلم أن فيه شفاءه، فإنه يجتمع فيه رضاه به، وكراهته له.
فإن قيل: كيف يحب الله لعبده شيئاً ولا يعينه عليه؟.
قيل: لأن إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له.
وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه، يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة كما قال سبحانه: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)} [التوبة: ٤٦، ٤٧].
والطاعة: هي موافقة الأمر الشرعي، لا موافقة القدر والمشيئة.
ولو كانت موافقة القدر طاعة لله لكان إبليس من أعظم المطيعين لله، ولكان قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وقوم فرعون، كلهم مطيعين لله.
فيكون سبحانه قد عذبهم أشد العذاب على طاعته، وانتقم منهم لأجلها، وهذا غاية الجهل بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه.
والله عزَّ وجلَّ خالق كل شيء وربه ومليكه.
والعبد مأمور بطاعة الله ورسوله، ومنهي عن معصية الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فإن أطاع كان ذلك نعمة من الله يثاب عليها.
إن عصى ربه كان مستحقاً للذم والعقاب، وكان لله عليه الحجة البالغة، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره.
لكن الله عزَّ وجلَّ يحب الطاعة ويأمر بها، ويثيب أهلها على فعلها ويكرمهم.
ويبغض المعصية وينهى عنها، ويعاقب أهلها ويهينهم.
وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه، وكل ذلك كائن بمشيئة الله وقدره.
فلا بد للعبد أن يؤمن بقضاء الله وقدره، وأن يوقن بشرع الله وأمره.
فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله.
وآدم - صلى الله عليه وسلم - لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهداه.
وإبليس لما أذنب أصر واستكبر، واحتج بالقدر وكفر، فلعنه الله وأقصاه.
فمن أذنب وتاب كان آدمياً.
ومن أذنب واحتج بالقدر كان إبليسياً.
والقدر نظام التوحيد:
فمن وحد الله.
وآمن بالقدر.
تم توحيده، ومن وحد الله.
وكذب بالقدر.
نقض تكذيبه توحيده.
والمخاصمون في القدر فريقان:
أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره كما قال سبحانه: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: ١٤٨].
الثاني: من ينكر قضاء الله وقدره السابق.
والطائفتان كلاهما خصماء لله، ومن كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام، فإن الله تبارك وتعالى قدر أقداراً، وخلق الخلق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم العافية بقدر، وقسم البلاء بقدر، وأمر ونهى، وأحل وحرم، كما قال سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)} [القمر: ٤٩].
وقال سبحانه: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)} [القمر: ٥٢، ٥٣].
والقدر هو تقدير الله للكائنات، وهو سر مكتوم لا يعلمه إلا الله ومن شاء من خلقه، ولا نعلمه إلا بعد وقوعه سواء أكان خيراً أم شراً.
ومراتب الإيمان بالقدر أربع:
الأولى: العلم، بأن يؤمن العبد أن الله تعالى علم كل شيء جملةً وتفصيلاً، يعلم سبحانه ما كان وما يكون وما سيكون كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)} [العنكبوت: ٦٢].
الثانية: الكتابة، بأن يؤمن العبد أن الله تعالى كتب كل شيء جملةً وتفصيلاً كما قال سبحانه: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)} [الحج: ٧٠].
الثالثة: المشيئة، بأن يؤمن العبد أن كل شيء في العالم العلوي والسفلي كائن بمشيئة الله وإرادته، إذ لا يكون في ملكه سبحانه ما لا يريده، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن كما قال سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)} [الأنعام: ١١٢].
الرابعة: الخلق، بأن يؤمن العبد أن الله خالق كل شيء، ومدبره ومالكه، حتى فعل المخلوق، لأن فعل المخلوق من صفاته، وهو وصفاته مخلوقان كما قال سبحانه: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)} [الزمر: ٦٢].
مختارات

