الخزانة الثامنة..
حقيقة الدين:
العلم ثلاثة أقسام:
أولًا: علمًا بالله.
ثانيًا: علمًا بأوامر الله.
ثالثًا: علمًا بخلق الله.
العلم بالله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وخزائنه.
العلم بخلق الله مما خلقه الله في السموات والأرض من أعظم أسباب الإيمان، والاستقامة على أوامر الله.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
والله جعل لكل شيء في هذه الدنيا أساس، فأساس الدنيا المشاهدة، وأساس الدين المجاهدة، فالمشاهدة للجميع، والمجاهدة للمؤمنين.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
لهذا هناك ثلاثة أمور:
علم الدين.
عمل الدين.
حقيقة الدين.
علم الدين: يشترك فيه المسلم والكافر.
عمل الدين: يشترك فيه المؤمن والمنافق.
حقيقة الدين: لا تكون إلا للمؤمن.
قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والمقصود من كل ذلك تحصيل حقيقة الدين، ولا يقوم على الحقيقة إلا المؤمن، والمقصود تحصيل الحقيقة لأن الله حقًا يريد من عباده قبول الحق والعمل بالحق ونشر الحق:﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
وكل الناس في أمور دنياهم يتعاملون بالحقائق لا بالصور، فيدفعون النقود مقابل السلع، فتقوم لهم دنياهم، بالتجارة، والزراعة، والصناعة، وكل هذه حقائق، والله يريد منا حقيقة الدين لنحصل على حقيقة السعادة في الدنيا والآخرة،كما قال سبحانه:: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
والصحابة ﵃ كم بذلوا للوصول إلى حقيقة الدين من التضحيات، وجاهدوا في الله حق جهاده، قد ضحوا بأوقاتهم، وأموالهم، وأنفسهم، وشهواتهم، وتركوا ديارهم، وبذلوا أموالهم كل ذلك من أجل الوصول إلى حقيقة الإيمان ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
والحقيقة هي البصيرة، والبصيرة هي نظر القلب، فكما أن البصر نظر العين، فكذلك البصيرة نظر القلب إلى الحق ويقينه به: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
ومجالس العلم مقصودها تحصيل الحقيقة، والعمل بها:﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وشروط قبول العمل الصالح البصيرة وهى نظر القلب، والاستقامة على ذلك إلى الموتى، وجميع المنافقين يصلون ويتصدقون، ولهم صحبة، ولكن لفقدهم البصيرة، واليقين، ماتوا على الكفر: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
وجميع الصحابة ﵃ ماتوا على شهادة أن لا اله إلا الله لكمال يقينهم، وقوة بصيرتهم، وحقيقة الدين لها طعمًا ولها حلاوة، ولها حقيقة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
وحقيقة الإيمان تحصل لمن كان عنده كمال اليقين، وحقيقة الدين، وقام بجهد الدين عبادة ودعوة هجرة ونصرة، جهادًا وأنفق، وصدقًا وصبر، وبذلًا وترك.
ولا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه، وأن ما شاء الله كان،وما لم يشأ لا يكون أبدًا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال النبي ﷺ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا وَرَسُولًا» (أخرجه مسلم.
وقال ﷺ:» ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّار» أخرجه البُخَارِيُّ.
والصحابة كلهم خائفون من التقصير في الوصول إلى حقيقة الدين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠].
فمن خاف الله وجد الله، والمبشرون بالجنة بضعة عشر، ومع أنهم مبشرون فهم خائفون، وكل الصحابة ﵃استقاموا على جُهد الدين حتى الموت، عبادة، ودعوة، وتعليمًا، وإحسانًا إلى الخلق: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
ونحن يجب أن نكون مثلهم فهم خير القرون وأفضل القرون فلا يحق لأي مسلمًا أن يتنفس نفسًا واحدًا بغير رضا الله، ولا ينفق فلسًا واحدًا بغير رضا الله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
فنقوم بجهد الدين وأعمال الدين ونحن خائفون ألا تقبل أعمالنا.
أعظم العلم وأنفعه وأحسنه ما أوصل العبد إلى حقيقة الإيمان واليقين، ويتم ذلك بمعرفة الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والنظر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات القرآنية.
فالبصيرة مراد الله، ولتحصيل هذه البصيرة لابد أن نعطيها حقها، فالإسلام غير الإيمان، والإسلام صلاة وصيام وزكاة وحج، هذا مستوى إسلامك، والمطلوب مستوى إيمانك، لهذا في القبر تسأل عن مستوى إيمانك، من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟.
ولا يجيب على ذلك إلا من عنده حقيقة الإيمان، والعمل بموجب ذلك.
وفي هذه الدنيا هناك ثلاث سنن واجبه على الجميع ويقوم بها الجميع:
الأولى: سنه الكدح، وأعظم الكدح كدح الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في سبيل الدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله.
الثانية: إلى ربك، فكل كدحًا يرتفع إلى الله فإن كانت حسنات ذهبت إلى الجنة، وأكثر الناس حسنات في الدنيا أكثرهم شهوات يوم القيامة، وأقل الناس مجاهدة في الدنيا أقلهم شهوات يوم القيامة، ثم يأتي أثر الحسنات من الجنة إلى قلب المؤمن في الدنيا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
فبعد كل طاعة من صلاة، وصدقة، وغيرها، يأتي انشراح واطمئنان القلب، وسرور بذلك العمل، أو يأتي أثر السيئات من النار إلى قلب المؤمن في الدنيا، فيؤلمه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦].
الثالثة: فملاقيه، وكل احد يوم القيامة يلاقى كدحه والله سبحانه بين في القرآن أعظم كدح وكما بين جهد الأنبياء والرسل في سبيل إبلاغ دين الله لمن أرسلوا إليهم،وفى مجال الدعوة إلى الله الذي فيه إصلاح البشرية: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وأسوأ كدح عند الله الذي فيه إفساد البشرية، لذلك إبليس في يومًا واحد اكتمل كدحه وجهده، فاستحق لعنة الله، فجهد الحق، وإيصاله إلى الناس يحتاج إلى وقت؛ لأنه مخالف للبيئة، وثقيل على النفوس: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥].
ومرًا لا يقبله أحد، إما كدح الباطل فخفيف، وحلو، وأساسه الشهوات، وجُهد إصلاح البشرية عظيم، ولعظمته أرسل الله به مئة وأربعة وعشرون نبيًا، إما جهد إفساد البشرية فقام به واحد هو إبليس وجنوده، لأن الإصلاح يحتاج إلى جُهد، والإفساد لا يحتاج إلى جهد كبير، فالهدم أسهل من البناء.
فمقصود الجُهد للدين أن نقدم كل الاستعداد الذي فينا للدين ونشر الهداية في العالم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والذي هو مراد الله منا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
ولا يحصل البصيرة إلا من أعطى أكثر الاستعداد للدين:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤].
اعلم أن حياة الخلق كلهم إنما تجرى على أمرًا قد قدر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
والحوادث، والخطوب، لن يصيبك منها إلا ما قدره الله عليك، ولا يصرف عنك منها إلا ما صرفه الله عنك: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
فيجب أن يعلم المسلم إن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه، وأن ما جاءه من ربه كله حكمة ورحمة، وعدل وإحسان، وكل شيئًا قد فرغ منه كما قال النبي ﷺ: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيْرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» أخرجه مسلم.
وتقوى الله ﷿ أن تجعل بينك وبين صفات الله وقاية، فإذا عصيت الله ﷿ وتركت أمرًا، أو فعلت نهيًا، فستأخذ صفة الجلال لله ﷿ منك حقها بعزة الربوبية، والملك، والقدرة،والجبروت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
وإن فعلت الأوامر الشرعية، واجتنبت المناهي الشرعية فستعطيك صفة الجمال لله ﷿ ثواب ذلك العمل من الكريم المحسن الرحمن الرحيم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وإن عصيت فستعاقب ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
من أعظم ما خلق الله السموات والأرض، وأعظم ما خلق الله في الأرض الجبال، وأعظم منها الحديد الذي يكسرها، وأعظم من الحديد النار التي تذيب الحديد، وأعظم من النار الماء الذي يطفئها، وأقوي من الماء الريح التي تحمل السحب في السماء وتحرك الماء في البحار والأنهار، وأقوي من ذلك الإنسان الذي يتصدق به يمينه فلا تعلم شماله ما أنفق، والنوم يغلب الإنسان، وأقوي من النوم الهم فلا نوم مع هم، فأقوى جنود الله هو الهم وهو أقوى من كل شيء.
ولابد لكل إنسان من علمًا يدير به أمور دينه ودنياه، والعلم هو ما طابق الواقع والجهل ما خالف الواقع، والعلم نسبة أنا جازمًا بها ويستطيع إقامة الدليل عليها وهى واقعة في قول الإنسان: طلعت الشمس بعد أن يراها.
والتقليد أن تجزم بالشيء وهو واقع ولا تستطيع إقامة الدليل عليه إنما قلدت فيه غيرك.
والجهل أن يجزم الإنسان بوجود الشيء وهو غير واقع فهذا هو الجهل، والجاهل شرًا من الأمي الذي لا يعرف شيئًا، والشك أن يكون الأمر غير مجزوم به فهو مستوي من طرفين، والظن أن يكون الآمر واضحًا من طرفين، والوهم أن يكون الأمر مرجوحًا من طرفين.
والثمن هو المال النقدي الذي يدفع مقا بل السلعة، والسلعة هي ما يعرض في السوق من السلع والبضائع، والعوض هو ما ينتفع به الإنسان مباشرة بلا ثمن فيعطى قمحًا مثلًا ويأخذ ثوبًا، وهذا هو المعروف قديمًا، وقد يكون عندك شيئا تريد بيعه لأحد والأخر لا يريده، فاخترعوا شيئا يسهل تبادل المنافع وهو الأثمان مقابل السلع، والمؤمن يجب أن يكون على بصيرة من دينه ودنياه، وأمور كسبه ومعاشه.
***
مختارات

