الخزانة العاشرة..
• فضائل التوحيد:
أهل التوحيد هم الفائزون، وأهل الكفر والشرك هم الخاسرون.
والموحد لله حقًا هو الذي عرف ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرف دينه وشرعه، وعبد الله بموجب ذلك.
الموحد لله حقًا هو الذي لا يسأل إلا الله، ولا يعبد إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يخاف إلا من الله، ولا يرجوا إلا الله وحده لا شريك له: قال النبي ﷺ «إِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ وَتَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» أخرجه الترمذي.
ومن آمن بالله أمنه من كل شيء ومن لم يؤمن بالله خاف من كل شيء فالموحد لله حقًا، لا يخاف من الناس والأعداء وغيرهم، ولكنه يخاف على الناس من عذاب النار: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ آل [عمران: ١٧٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
هو الذي خلقها، وهو الذي يدبرها، وبيده نواصي جميع الخلق.
وإذا خاف المؤمن من عدوه أصابه الوهن، وسلط الله عدوه عليه حتى يعود إلى الخوف من الله وحده، وذلك من رحمة الله به: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
وإذا خاف المؤمن من ربه، وخاف على الكفار من النار، مكنه الله من قلوب الكفار، وتهيأت لقبول الحق، فدخلوا في الإسلام أفواجاً، وكفانا الله شرهم، وفتح الله علينا ما يكون سببًا في هدايتهم، فإذا رأي الكفار جمال الإسلام في حياتنا، من الأقوال الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق العالية، والأحكام العادلة، دخلوا في الإسلام.
ومن لم يرغب في الإسلام، وأذى المسلمين، فحينئذٍ تكون الحرب بينهم وبين الله سبحانه، ونحن سبب.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
والآن الحرب بين المسلمين والكفار، ولا يكون النصر عليهم حتى ننتصر على أنفسنا بتحقيق التوحيد والأيمان، والتقرب إلى الله بما يحبه ويرضاه.
أما أن ننزع هذا اللباس، ونلبس غيره، ونتشبه بالكفار، فلا يكون النصر للمؤمنين؛ لأن النصر حينذاك مع هذه المخالفة يكون فتنة للكفار، لأنهم يرون أنهم على الحق، ونحن على الباطل: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾ [الممتحنة: ٥].
فلن يحصل النصر في هذه الحالة؛ لأن الكفار أقوى منا، ولن ننتصر عليهم إلا إذا نقلنا الحرب بينهم وبين الله، ولن يكون ذلك إلا إذا رأوا الحق فينا، ورأوا جمال الإسلام فينا، وعرضناه عليهم بلسان الحال، ولسان المقال، فحينئذٍ يسرع الناس إلى الدخول في دين الله أفواجًا، لما يرون من جمال هذا الدين، ثم إذا عاندوا وتكبروا وحاربونا فعند ذلك ينصرنا الله عليهم؛ لأن الحرب صارت بين الله وبينهم، فكفى الله المسلمين شرهم، ونصرهم عليهم: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
فالنصر من الناصر والنصر ينزل من السماء كما ينزل الماء من السماء على الأرض، والمسلمون اليوم أكثرهم حجر عثرة أمام إسلام الكفار بسوء بعض أخلاقهم، ولو استقاموا على الدين لأعطوا صورة حسنة عن الإسلام أمام الكفار،فرغبوا في الإسلام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وقال الله تعالى:: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ومن أخذ بعض أحكام الإسلام، ولفق معها غيرها، فله الخزي والعذاب في الدنيا والآخرة: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥].
فمن خاف الله خوف الله منه كل شيء: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
فالخوف بيد الله، والأمن بيد الله، والعزة بيد الله، فمن خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن خاف غير الله خوفه الشيطان من كل شيء.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
والإيمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و القدر خيره و شره أساسٌ عظيم تبنى عليه الأعمال الصالحة، وجميع الطاعات أغذية نافعة ينمو بها الإيمان،ويزيد ويزهر و يثمر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وجميع المعاصي سمومٌ ضارة، يضعف بها الإيمان و يذوى و ينتهي: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فمن لم يكن في الأوامر الملكية الشرعية، جره الشيطان للشهوات الحيوانية البهيمية، ثم أغرقه في المعاصي والكبائر: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
وتغيير يقين الإنسان من الشرك إلى التوحيد، ومن المخلوق إلى الخالق، ومن الدنيا إلى الآخرة، ومن التعلق بالأموال والأشياء، إلى المسارعة إلى زيادة الإيمان والأعمال الصالحة، ومن تكميل شهوات النفس إلى تكميل ما يحبه الرب، من الإيمان والأعمال الصالحة، يحتاج ذلك إلى أمرين عظيمين:
الأول: تخلية القلب من كل ما سوى الله مما يشغله عن الله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦].
الثاني: تحليه القلب بمعرفة الله، وأسماؤه و صفاته و أفعاله و خزائنه ووعده ووعيده، والعمل بموجب ذلك:﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
فهذا هو عمل المؤمنين و المؤمنات في الدنيا، وأما ثوابهم فما وعدهم الله به بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وأما عمل الكفار والمشركين والمنافقين، فهو إتباع الشهوات، والانغماس في الشهوات، والاشتغال بها عن أوامر الله ﷿: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧].
وقد وعدهم الله عز و جل بنار جهنم، و لعنهم بما عملوا،كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
والله سبحانه هو الواحد الأحد الذي خلق الناس ليعرفوا و يعترفوا أن الله هو الرب الذي لا إله غيره، و لا رب سواه، وليعرفوا أحكامه القدرية والشرعية و الجزائية، ويعبدوه بموجب تلك المعرفة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا عرفتم ذلك آمنتم بالله، وكبرتموه، لعظمته وجلاله، وشكرتموه وحمدتموه، لعظيم نعمه وإحسانه، وعبدتم الله ﷿ بموجب تلك المعرفة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وإذا جاء التوحيد في قلوبنا توجهنا إلى الخالق، ولم نلتفت لأحد سواه، كبيرًا كان أو صغيرًا، وغيرنا الوجهة من الدنيا إلى الآخرة، وغيرنا الطريق من طريق الاهتمام بالأموال والأشياء إلى طريق الاهتمام بالإيمان والأعمال الصالحة وقدمنا مراد الله منا وهو الإيمان والتقوى، على مراد نفوسنا منا وهو تكميل الشهوات والمحبوبات وقدمنا مراد الله من كل أحد وهو دعوتهم إلى الله ﷿، ليعبدوه وحده لا شريك له، على مرادنا من كل أحد: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]
والله سبحانه أعطانا أبصارًا نرى بها المخلوقات، وأعطانا بصائر نرى بها رب المخلوقات يفعل في ملكه ما يشاء، ويحكم ما يريد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فبالأبصار نرى فعل المخلوقات، وبالبصائر نرى فعل الخالق العظيم في مخلوقاته العظيمة، ونخترق بالبصائر المخلوقات إلى الخالق، والصور إلى المصور، ونخترق الدنيا إلى الآخرة:﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤].
ومن رحمة الله ﷿ بعباده أن أكرمهم بغذاءين.
الأول: غذاء الأبدان، ويكون بالطعام والشراب الطيب الحلال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
الثاني: غذاء القلوب ويكون بمعرفة سبعة أمور:
الأول: معرفة الرب الذي نعبد.
الثاني: معرفة القرآن الذي نعمل به.
الثالث: معرفة الرسول الذي نتبع.
الرابع: معرفة الإنسان المطلوب منه العبادة.
الخامس: معرفة عدو هذا الإنسان الذي يصده عن العبادة وهو إبليس.
السادس: معرفة الدنيا الزائلة التي نعيش فيها، وماذا يجب أن نعمل فيها.
السابع: معرفة الآخرة الباقية التي سوف نصير إليها.
والقرآن كله بيان لهذه الأمور السبعة، وأعلى العلوم على الإطلاق، هو معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وخزائنه ووعده ووعيده، ومعرفة دينه وشرعه ومعرفة ثوابه وعقابه.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وهذه الأمور السبعة هي مفاتيح أبواب التوحيد والإيمان، فمن فتحها الله له، انفتحت له أبواب الخيرات، والطاعات، وأنواع العبادات.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
والله ﷿ خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأكرمه بأحسن دين، ووعده بأحسن ثواب، وقد أعطى الله الإنسان العقل، ليعرف به أعظم شيء، وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ووعده ووعيده، ودينه وشرعه.
وأعطاه السمع، ليسمع به أحسن شيء، وهو سماع القرآن والعلم المذكور في القرآن والسنة، وأعطاه البصر، لينظر في الآيات الكونية، والآيات القرآنية فيزيد إيمانه، ويقوى توحيده لربه ﷿: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وأعطاه اللسان، ليتكلم بأحسن شيء، فيتكلم مع ربه، فيذكره ويكبره، ويحمده ويشكره، ويمجده ويدعوه ويسأله، ويتوب إليه ويستغفره، ويتكلم مع خلقه فيدعوهم إلى الله، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويعلمهم شرع الله ﷿: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
والحاجات التي تخدم الجسد، وتسهل أمور الحياة، نتعلمها في أي مكان، حتى من الكفار، كأنواع التجارة والصناعة والزراعة والطب وغيرها.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
أما مقصد حياة الإنسان، وماذا يريد الله من الإنسان من التوحيد والإيمان والتقوى، وكيف يهتدي هذا الإنسان؟ وكيف يستقيم على طاعة الله ورسوله؟ ومن يعبد؟ وكيف يعبد؟
فهذا كله نتعلمه من الوحي الإلهي من القرآن والسنة فقط:﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وإذا عرف الإنسان أن ربه هو السميع البصير العليم، لم ينطق لسانه إلا بما يرضي ربه، ولم تتحرك جوارحه إلا في طاعته، واستحى من ربه في كل حال، وراقبه في كل قول وفعل، وحاسب نفسه على نياته وأقواله وأفعاله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨].
إن توحيد الله بأسمائه الحسنى كالعليم و القدير والسميع والبصير وغيرها من الأسماء الحسنى، وتوحيد الله بصفاته العلا كالحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر وغيرها من الصفات العلا، وتوحيد الله بأفعاله الكبرى كالخلق والرزق، والإحياء والإماتة وغيرها من أفعاله ﷻ، وتوحيد الرب بأفعال العبد كدعاء الله، والتوكل عليه، ومحبته، وخوفه، ورجائه والصلاة والصوم وسائر أنواع العبادة، وتوحيد كتابه ورسوله بالإتباع، كل ذلك يحصل للعبد بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وبقدر تلك المعرفة يمتلئ القلب بالتوحيد والإيمان، وينشرح الصدر بأنواع الطاعات والعبادات، وتنقاد جميع الجوارح للعمل الصالح الذي يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وبذلك يحصل للعبد كمال التوحيد بأنواعه.
توحيد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيد الله بالعبادة،وتوحيد كتابه بالإتباع وتوحيد رسوله ﷺ بالاقتداء والإتباع: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن هداه الله إلى ذلك عبد الله كأنه يراه، وعبده بكمال الحب لله، وكمال التعظيم له، وكمال الذل له، وأدخله جنة المعرفة الموصلة إلى جنة الآخرة وهذه الجنة لها سبعة أبواب:فمن دخلها وحد الله التوحيد الذي يريده الله، ولهذه الجنة سبعة أبواب هي:
الباب الأول: معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ومعرفة خزائنه ووعده ووعيده وهذا أعظم الأبواب، وأول الألباب:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الثاني: معرفة الدين الذي انزل الله به كتبه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
الثالث: معرفة الرسول الذي أرسله الله به: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
الرابع: معرفة النفس البشرية ماذا تريد من الله، وماذا يريد الله منها، وماذا أعد الله لها لو آمنت، وماذا توعدها الله به لو كفرت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
الخامس: معرفة الشيطان الذي هو عدوٌ للإنسان ليحذره: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
السادس: معرفة الدنيا التي نعيش فيها، وما العمل الواجب فيها: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠].
السابع: معرفة الآخرة التي سوف نصير إليها: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
***
مختارات

