خرائن التوحيد (القسم الثاني) ( الخزانة الأولى)
[١ - الخزانة الأولى]
• الأمور التي تنافي كمال التوحيد:
هناك أقوالُ وأفعال مترددة بين الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، بحسب ما يقوم بقلب فاعلها، وما يصدر عنه، وهي تنافي كمال التوحيد، أو تعكر صفاءه، وقد حذر الشرع منها، ومن تلك الأمور التي يجب الحذر منها:
الأول: لبس الحلقة والخيط ونحوهما بقصد رفع البلاء أو دفعه وذلك شرك لما فيه من التعلق بغير الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
الثاني: تعليق التمائم على الأولاد، سواء كانت من خرز أو عظامٍ أو كتابة، وذلك اتقاءً للعين، وذلك شرك لما فيه من التعلق بغير الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الثالث: التطير والتشاؤم بالطيور أو الحيوانات أو الأشخاص أو البقاع أو الأيام أو الألوان ونحوها، وذلك شرك لكونه تعلقٌ بغير الله باعتقاد حصول الضرر من مخلوقٍ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وهو من إلقاء الشيطان ووسوسته، وهو ينافي التوكل على الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
الرابع: التبرك بالأشجار والآثار والقبو ونحوها، وطلب البركة ورجائها واعتقادها في تلك الأشياء شرك، لأنه تعلقُ بغير الله في حصول البركة، والبركة بيد الله ﷿ وحده:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فبيده وحده سبحانه مقاليد الأمور، وغيره ليس بيده شيء.
وفي جميع ما سبق إذا اعتقد أن هذه الأشياء تستقل بالتأثير دون الله، فهو شركُ أكبر، وإن أعتقد إنها سبب ولا تستقل بالتأثير فهو شركُ أصغر.
الخامس: السحر، وهو ما خفي ولطف سببه، وهو عبارة عن عزائم ورقى وكلام يتكلم به الساحر، وأدوية تؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض الإنسان أو يقتل أو يفرق الساحر به بين المرء وزوجه، وهو عملُ شيطاني.
والسحر شرك، لما فيه من التعلق بغير الله من الشياطين، ولما فيه من أدعاء علم الغيب، ومن ضروب السحر، السيرك الذي يعرض في بعض المسارح والقنوات، فيحرم فعله، ومشاهدته، وبذل المال من أجله والتكسب به، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
السادس: الكهانة، وهي ادعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض استنادًا للشياطين، وذلك شرك، لما فيه من التقرب لغير الله ودعوة مشاركة الله في علم الغيب، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ».
أخرجه الحاكم بسندٍ صحيح.
السابع: التنجيم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كاعتقاد حصول الخير أو الشر بطلوع النجم الفلاني، أو حدوث الأمراض والوفيات بخروج النجم الفلاني، أو تغير الأسعار بظهور النجم الفلاني، فهذا كله شرك أكبر، لما فيه من أدعاء علم الغيب، ونسبة الشريك لله ﷿، لأن عالم الغيب والشهادة هو الله ﷿: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ [السجدة: ٦].
إما الاستدلال بالنجوم على معرفة المصالح الدينية، كمعرفة جهة القبلة فهذا مطلوبُ شرعًا، إما الاستدلال به على الحوادث الأرضية التي نصب الله لها أمارات تعرف بها كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر وظهور الحر والبرد ومعرفة الجهات والفصول ونحوها، فهذا جائز لأن الله جعل لكل شيء سببًا وعلامة تدل عليه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦].
الثامن: الاستسقاء بالنجوم، وهو عبارة عن نسبة نزول المطر إلى طلوع النجم أو غروبه، كأن يقول مطرنا بنوء كذا وكذا، فينسب نزول المطر إلى الكوكب لا إلى الله، فهذا شرك، لأن نزول المطر بيد الله لا بيد الكوكب ولا غيره:﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى: ٢٨].
التاسع: نسبة النعم إلى غير الله، فكل نعمة في الدنيا والآخرة من الله وحده: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فمن نسبها إلى غير الله فقد كفر وأشرك بالله، كمن ينسب نعمة حصول المال أو الشفاء إلى فلان أو فلان، أو ينسب نعمة السير والسلامة في البر والبحر والجو إلى السائق والملاح والطيار، أو ينسب نعمة حصول النعم، واندفاع النقم إلى جهود الحكومات، أو الأفراد، أو العلم، أو حسن التخطيط ونحو ذلك.
فيجب نسبة جميع النعم إلى الله وحده لا شريك له وما يجري على يد بعض المخلوقين إنما هي أسباب قد تثمر وقد لا تثمر، وقد تنفع وقد لا تنفع.
العاشر: التصوير من أعظم أسباب الشرك بالله.
فتصوير كل ذي روح محرم، بل هو من كبائر الذنوب، وله آثاره البالغة المشينة في إفساد الدين والخلق قديمًا وحديثًا، فقديمًا التصوير هو سبب أول كفر وقع في الأرض، وهو تصوير بعض الصالحين من قوم نوح، وهم ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا بقصدٍ حسنٍ، ليراهم الناس، ويتذكروا عبادتهم، فينشطوا للعبادة، ثم طال الزمن فعبدوهم من دون الله، فأول جناية شركية على التوحيد في الدنيا كانت بسبب التصوير، فليحذر العبد ذلك.
وحديثًا التصوير الآن سبب فساد الدين، وضياع الأخلاق، وانتشار الرذيلة، والقضاء على مكارم الأخلاق، بتصوير النساء عاريات متبرجات، وعرضهن أمام غرائز الرجال، ليفسدوا دينهم وأخلاقهم، وقد عم هذا البلاء وطم، وهذا أعظم جناية على الدين والأخلاق: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ودرء المفاسد مقدمُ على جلب المصالح، وما أفضى إلى المحرم فهو محرم فكيف إذا كان هو محرم، بل هو من الكبائر، ثم أفضى إلى محرم، وكيف وقد لعن الله المصورين؟ وكيف وقد توعد الله المصورين بأشد العذاب؟ وكيف هو إذا كان فاعله مخالف لأمر الله ورسوله؟.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وقال النبي ﷺ «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ».
متفق عليه.
وقال ﷺ «قال الله ﷿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً».
متفق عليه.
• أقسام الكفر الأصغر:
من منقصات التوحيد الكفر الأصغر، وهو كل معصية ورد في الشرع تسميتها كفرًا، ولم تصل إلى حد الكفر الأكبر المخرج من الملة، ويسمى كفرٌ دون كفر، أو كفر النعمة، وهذا الكفر محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، لأنه من أعمال الكفار التي حرمها الإسلام، ولكنه لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام.
• وينقسم الكفر الأصغر إلى أقسام:
الأول: كفر النعمة والحقوق، وذلك بأن لا يعترف العبد بنعمة الله عليه، أو ينكر معروفاً أسداه إليه أحد المخلوقين، كما قال ﷺ «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
متفق عليه.
وعن ابن عباس ﵁ ما قاله قال النبي ﷺ: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ:يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ».
متفق عليه.
الثاني: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت، كما قال النبي ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ».
أخرجه مسلم.
الثالث: انتساب الإنسان لغير أبيه، كما قال النبي ﷺ:«أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ».
أخرجه مسلم.
ومن منقصات التوحيد النفاق الأصغر، وهو أن يظهر الإنسان أمرًا مشروعًا ويبطن أمرًا محرمًا يخالف ما أظهره، ويسمى النفاق العملي، أو نفاقُ دون نفاق.
والنفاق الأكبر أن يظهر العبد الإسلام، ويبطن الكفر، ويسمى النفاق الاعتقادي المخرج من الملة.
والنفاق الأصغر هو النفاق في الأعمال ونحوها، وصاحبه لا يخرج من ملة الإسلام، لكنه عاصٍ لله ورسوله، فعليه التوبة منه، لئلا يفضي به إلى النفاق الأكبر: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
ومن النفاق الأصغر العمل، كما قال النبي ﷺ «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».
متفق عليه.
وقول النبي ﷺ «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».
متفق عليه.
فكل من فعل أو قال قولًا مشروعًا، وقد أبطن ضد ما أظهره، فقد فعل خصلة من خصال النفاق الأصغر، وهذا النفاق محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، لكنه لا يخرج من ملة الإسلام، وخصال النفاق الأصغر كثيرة منها ما ذكرنا من الخصال ومنها:
إعراض المسلم عن الجهاد في سبيل الله، كما قال النبي ﷺ:«مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ».
أخرجه مسلم.
والرابع: الرياء في الأعمال الصالحة.
والخامس: إظهار المودة للغير مع إضمار بغضه، وغير ذلك من ألوان النفاق الأصغر.
فاللهم احفظنا وجميع المسلمين من النفاق الأكبر، والنفاق الأصغر.
***
مختارات

