الخزانة السادسة..
فقه الإيمان بالله ﷿:
بحسب معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة عظمة إنعامه وإحسانه، ومعرفة عظمة ملكه وسلطانه، يقوى الإيمان في القلب، وكلما زاد الإيمان في القلب قويت محبة الله، وكلما قويت محبة الله في القلب تحركت الجوارح بطاعة الله وعبادته، ثم استقامت على ذلك، بكمال الحب والتعظيم والذل لله ﷿، وصارت شهوات النفس في كل ما يحبه الله ويرضاه، ونالت من ربها ما تحب وترجو.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وإذا كان حجم الإيمان أكبر من حجم الشهوات، حصلت الاستقامة، وحصلت النجاة، وحصل الفلاح الذي هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
إما إذا كان حجم الشهوات أكبر من حجم الإيمان، أو كان حجم الإيمان مساوٍ لحجم الشهوات، فهنا يحصل الانحراف والصراع؛ فلا بد من تقوية الإيمان الذي يمنع من مباشرة الشهوات المحرمة، ويحمل على طاعة الله ﷿.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
ومن ذكر الله أحبه وكبره، وأطاعه ولم يعصه.
وعلامة الإيمان الكافي أن يحمل العبد على طاعة الله وعبادته، أما أن لم يحملك الإيمان على طاعة الله فهو غير كاف، بل هو الخسران المبين كإيمان إبليس والكفار، وقد أودع الله في كل إنسان عقلا يعرف به ربه، ويعرف به ما ينفعه وما يضره، وأودع فيه شهوات لحفظ حياته، وبقاء نسله، وذلك لحكمه الابتلاء فالعقل له نداء، والشهوة لها نداء فإذا غلب نداء العقل أفلح الإنسان.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
وإذا غلب نداء الشهوة خسر هذا الإنسان: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
وقال الله تعالى عن الكفار: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨].
فمن غلب عقله شهواته نجا، ومن غلبت شهواته عقله هلك.
وكل إنسان مبتلي بنداء العقل، وبنداء الشهوة فهو ممتحن بين أن ينام وأن يصلي، أو بين أن يفطر أو يصوم، فالعقل المُقاد بالشرع يقول: قم فصل، وصم رمضان ولا تفطر،والعقل المُقاد بالشهوة يقول: أخلد إلى الفراش أنت متعب ودع الصيام فأنت لا تتحمل الجوع.
وكل إنسان ابتلاه الله ﷿ بالطاعات والمعاصي، وبالأوامر الإلهية، والشهوات الحيوانية، وبالأموال والأشياء، وبالإيمان والعمل الصالح: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
والناس كلهم ما بين مؤمن وكافر، ورابح وخاسر:﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فمن خضع عقله لشرع ربه نجا، ومن خضع عقله لشهوات نفسه هلك: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٣].
وقد رُكب المَلَك من عقل بلا شهوة، ورُكب الحيوان من شهوة بلا عقل، ورُكب الإنسان من شهوة وعقل، فمن سما عقله من البشر على شهواته أصبح فوق الملائكة؛ لأنه جاء إلى الله بالإيمان والتقوى اختيارًا لا إجبارًا، ومن سمت شهواته على عقله أصبح دون الحيوان: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
اللهم أهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت.
الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وهذه كلها غيب، فالإيمان تكذيب المشاهدات من القلب، وتصديق الغيبيات من القلب: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
والناس اثنان:
أحدهما: من أسس حياته على المشاهدات فقط وهم: الكفار والحيوان.
الثاني: من أسس حياته على الغيب وهم: الأنبياء والمؤمنون.
فالكافر أضل من الحيوان؛ لأن الحيوان يذكر الله الذي خلقه، والكافر لا يذكر الله الذي أوجده، والحيوان يعرف شارة صاحبة فيطيعه، والكافر لا يعرف أوامر ربه، وأن عرفه لم يطعه، والحيوان يعرف ما أحله الله له فيأكله،والكافر لا يعرف ما أحله الله له ولا ما حرم الله عليه:﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
وعلى قدر التصديق بالغيب بالوحي ينشأ النور في القلب، ثم يأتي النور في كل الجسم، فلا يعصي هذا العبد ربه بجوارحه، لكن لو اغتاب أو أكل لقمة حرام نقص نور الإيمان في قلبه، ثم وقع في المعاصي، فالإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، والصحابة لما سمعوا القرآن زادهم إيمانا، لأن في قلوبهم التصديق، والمنافقون سمعوا القرآن فزادهم رجسًا إلى رجسهم، لأن في قلوبهم التكذيب: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٦].
وصدق الإيمان هو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، إيمانًا لا شك معه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وحقيقة الإيمان تحصل للعبد بقدر تدبر القرآن، وبقدر تدبر القرآن يكون التصديق، وبقدر قوة التصديق يزيد الإيمان، والذي يقرأ القرآن وليس عنده التصديق لا يزيد إيمانه، لكنه يتلذذ بالصوت فقط.
ولتأتي حقيقة الإيمان بالله لا بد من العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم العلم بكلامه، ثم العلم بأوامره، ثم العمل بموجب ذلك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩].
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».
رواه البخاري.
وبهذا تأتي عظمه الله ﷿ في قلوبنا، ثم تأتي عظمه كلامه، ثم تأتي عظمة أوامره، ثم تأتي حلاوة عبادته: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥].
فإذا جاء العلم بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله زاد الإيمان في القلب، ثم جاء التوكل على الله، ثم جاء حب الأعمال الصالحة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
أما وزن الإيمان فلو وضعت سبع سموات وسبع أراضين في كفه، ولا إله إلا الله في كفه لرجحت بهن لا إله إلا الله، فما أعظم هذه الكلمة، وما أعظم نورها.
أما قيمة الإيمان فالذي في قلبه مثقال ذرة من إيمان يعطيه الله يوم القيامة عشرة أمثال الدنيا في الجنة.
وكل حياة الأنبياء والصحابة والمؤمنين اختبارٌ وابتلاء:﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم، الأمثل فالأمثل، ففي الخندق ضرب النبي ﷺ الصخرة فكبر وبشرهم بفتح فارس، ثم ضربها ﷺ فبشرهم بفتح الروم، ثم ضربها المرة الثالثة فكبر وبشرهم بفتح اليمن.
فالصحابة صدقوه، وقالوا صدق الله ورسوله كما قال سبحانه في سورة الأحزاب: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
والمنافقون كذبوا وقالوا: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ١٢].
فالصحابة كذبوا المشاهدات، وصدقوا الخبر، والمنافقون صدقوا المشاهدات، وكذبوا الخبر فماذا حصل؟.
الصحابة ﵃ لما صدقوا الخبر جاء مددٌ من السماء بجنود لم يروها، وتفرق المشركون، والرياح قلبت قدورهم واقتلعت خيامهم وولوا مدبرين، وجاء الخوف عليهم فانصرفوا خائبين كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩].
فبالدعوة يأتي الإيمان، ويغلب يقين الغيب على المشاهدات، والغيب يقوى بالكلام عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وكتبه ورسله وملائكته، اليوم الآخر، كالجنة والنار والقبر وغير ذلك.
ويكون كذلك بالإكثار من ذكر الله فبالإكثار من ذكر الله تقوى الطاعات فيطمئن القلب، والذي يخالف أمر المخلوق لا يطمئن قلبه، فكيف يطمئن قلب من خالف أوامر الله ورسوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
• اصول تحصيل الايمان:
الإيمان يحصل بأمور:
الأول: تغيير اليقين من المخلوق إلى الخالق وحده بدعوة لا إله إلا الله بالنفي والإثبات، فجميع المخلوقات خلقها الله، وأمرها بيد الله وحده، فهي لا تنفع ولا تضر إلا بأمر الله وحده: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
فالله هو الخالق لكل شيء، وبيده أمر كل شيء، وغيره ليس بيده شيء.
فالعرش شيء، والكرسي شيء والسموات شيء والملائكة شيء، والرياح شيء والشمس والقمر شيء، والنجوم شيء، والله خالق كل شيء وبيده أمر كل شيء، والأرض شيء، والجبال شيء، والبحار شيء، والأنهار شيء، والإنس شيء، والجن شيء، والجماد شيء، والنبات شيء، والله خالق كل شيء، وبيده أمر كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فإذا جاء اليقين على هذا خرج يقين المخلوق من القلب، وحفظنا الله من شره، وسلب الله القوة منه، وسخره لنا، ولا تتعلق قلوبنا به، بل تتعلق بالله وحده: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣].
فيقين الأنبياء وأتباعهم تصديق الخبر، وتكذيب النظر، والتعلق بالله وحده،
فقد خرج يقين إبراهيم ﷺ على النار، وقوي يقينه على ربه، فحفظه الله من شر النار، وسلب الله النار القوة، وسخرها في حفظ إبراهيم، ولم يتعلق قلبه بها، بل تعلق بالله حين قال: حسبي الله ونعم وكيل: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].
الثاني: نفي فعل المخلوق بنفسه من دون أمر الله، فالكون أصلاً ما كان شيئاً، كان الله ولم يكن شيئًا قبله، فنفي فاعليه الكون بنفسه فالكون مخلوق، وليس بيده شيء،ومدبر من ربه ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
فكل ما سوى الله ليس بيده شيء؛ لأنه أصلاً ما كان شيئاً حتى يفعل شيئا.
فالأمر كله لله، والكل عبيدٌ لله، فهم مماليكه شاهدون بوحدانيته، ومسبحون بحمده، وخاضعون لإرادته،ومستجيبون لمشيئته: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
الثالث: نفي يقين الأمم السابقة الذين فسد يقينهم على بتصديق المشاهدات، والتوكل عليها، فهلكوا، فيقين فرعون على الملك فأهلكه الله مع ملكه، وقارون يقينه على المال فخسف الله به وبداره الأرض، وقوم نوح يقينهم على الكثرة فأغرقهم الله جميعًا، وقوم هود يقينهم على القوة فدمرهم الله ﷿ بريح صرصر عاتية، وقوم صالح يقينهم على الصناعة فأهلكم الله ﷿ بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وقوم سبأ يقينهم على الزراعة فأرسل الله عليهم سيل العرم فأهلكهم بالماء الذي هم معتمدون عليه، وقوم شعيب يقينهم على التجارة، وقوم عيسي يقينهم على الطب.
وبحسب الذنب جاءت العقوبة فهلكوا جميعًا.
فهؤلاء ثمان من الأمم أهلكهم الله ﷿ بفساد يقينهم على المشاهدات، وعدم تصديقهم بالغيبيات: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
الرابع: عدم التعلق بالمحبوبات الثمانية، ولزوم التعلق بالله وحده لا شريك له، فكل ما سوى الله ليس بيده شيء، والله وحده هو الذي بيده كل شي: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
فمن توكل على الله كفاه، ومن توكل على غيره خذله الله من جهته، ومن أشغله حب غير الله عن حب الله ورسوله وجهاد في سبيله فلينظر عقوبة الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥].
الخامس: نفي النفس فالنفس ليس بيدها شيء،والفضل كله لله وحده: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وأعظم صنم معبود من دون الله هو هذه النفس: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
فالله هو الواحد الأحد، القادر على كل أحد، الأحد الذي بيده أمر كل أحد، وكل ما سواه عبيده، إن شاء نفع بهم، وإن شاء أهلك بهم: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
فالخلق والأمر، والعطا والمنع، والنفع والضر كله بيد الله وحده لا شريك له: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].
***
مختارات

