قصة مسجد الضرار..
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١١٠].
كان أناس من المنافقين من أهل قُباء اتَّخذوا مسجدًا إلى جنب مسجد قُباء، يريدون به المضارَّة والمشاقَّة بين المؤمنين، ويُعِدُّونه لمن يرجونه من المحاربين لله ورسوله يكون لهم حصنًا عند الاحتياج إليه، فبيَّن تعالى خِزْيَهم، وأظهر سِرَّهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾، أي:مضارَّة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه، ﴿وَكُفْرًا﴾، أي: مقصدهم فيه الكفر إذا قصد غيرهم الإيمان، ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ليتشعَّبوا ويتفرَّقوا ويختلفوا، ﴿وَإِرْصَادًا﴾، أي: إعدادًا ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: إعانة للمحاربين لله ورسوله، الذين تقدَّم حرابهم واشتدَّت عداوتهم، وذلك كأبي عامر الراهب، الذي كان من أهل المدينة، فلما قدِم النبيُّ ﷺ وهاجر إلى المدينة كفر به، وكان متعبِّدًا في الجاهلية، فذهب إلى المشركين يستعين بهم على حرب رسول الله ﷺ، فلما لم يدرك مطلوبه عندهم ذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره، فهلك اللعين في الطريق، وكان على وعدٍ وممالأة هو والمنافقون، فكان مما أعدُّوا له مسجد الضرار، فنزل الوحي بذلك، فبعث إليه النبي ﷺ من يهدمه ويحرقه، فهُدِم وحُرِّق، وصار بعد ذلك مزبلةً.
قال تعالى بعدما بيَّن من مقاصدهم الفاسدة في ذلك المسجد: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ في بنائنا إيَّاه ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾، أي: الإحسان إلى الضعيف، والعاجز والضرير، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فشهادة الله عليهم أصدق من حلفهم، ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، أي: لا تُصَلِّ في ذلك المسجد الذي بُني ضرارًا أبدًا؛ فالله يُغنيك عنه، ولست بمضطرٍّ إليه.
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ظهر فيه الإسلام في قُباء، وهو مسجد قُباء أُسِّس على إخلاص الدين الله، وإقامة ذِكْره وشعائر دينه، وكان قديمًا في هذا عريقًا فيه، فهذا المسجد الفاضل ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ وتتعبَّد، وتذكر الله تعالى، فهو فاضل، وأهله فضلاء،ولهذا مدحهم الله بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ من الذُّنوب، ويتطهَّروا من الأوساخ، والنجاسات والأحداث، ومن المعلوم أنَّ مَنْ أحبَّ شيئًا لا بدَّ أن يسعى له ويجتهد فيما يحبُّ، فلا بدَّ أنهم كانوا حريصين على التطهُّر من الذنوب والأوساخ والأحداث، ولهذا كانوا ممن سبق إسلامه، وكانوا مقيمين للصلاة، محافظين على الجهاد مع رسول الله ﷺ وإقامة شرائع الدين، وممن كانوا يتحرَّزون من مخالفة الله ورسوله.
وسألهم النبي ﷺ بعدما نزلت هذه الآية في مدحهم عن طهارتهم، فأخبروه أنهم يُتْبِعون الحجارة الماء، فحمدهم على صنيعهم.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ الطهارة المعنوية؛ كالتنزُّه من الشرك والأخلاق الرذيلة، والطهارة الحسيَّة؛ كإزالة الأنجاس ورفع الأحداث.
ثم فاضل بين المساجد بحسب مقاصد أهلها وموافقتها لرضاه، فقال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾، أي:على نيّة صالحة وإخلاص، ﴿وَرِضْوَانٍ﴾ بأن كان موافقًا لأمره، فجمع في عمله بين الإخلاص والمتابعة، ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا﴾، أي: على طرف ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾،أي: بالٍ قد تداعى للانهدام، ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ لما فيه مصالح دينهم ودنياهم.
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، أي:شكًّا وريبًا ماكثًا في قلوبهم، ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ بأن يندموا غاية الندم، ويتوبوا إلى ربهم، ويخافوه غاية الخوف، فبذلك يعفو الله عنهم، وإلا فبنيانهم لا يزيدهم إلا ريبًا إلى ريبهم، ونفاقًا إلى نفاقهم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بجميع الأشياء؛ ظاهرها وباطنها، خفيّها وجليّها، وبما أسرّه العباد وأعلنوه، ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يفعل ولا يخلقُ، ولا يأمر ولا ينهى؛ إلا ما اقتضته الحكمة وأمر به، فلله الحمد.
* * *
مختارات

