باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد موسى (٦)
ذكر شيء من خبر دَانيال…
قال ابن أبي الدنيا: حدّثنا أحمد بن عبد الأعلى الشّيباني قال: إن لم أكن سمعته من شعيب بن صفوان، فحدّثني بعض أصحابنا عنه عن الأجلح الكِنْدي، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: ضَرَّى بختُ نَصَّر أَسَدين، فألقاهما في جُبٍّ، وجاء بدانيال فألقاه عليهما، فلم يهيجاه، فمكث ما شاء الله، ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب، فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام إن أعدِد طعاماً وشراباً لدانيال، فقال: يا رب أنا بالأرض المقدَّسة ودانيال بأرض بابل من أرض العراق، فأوحى الله إليه أن أعدِد ما أمرناك به فإنا سنرسل مَن يحملُك ويحملُ ما أعددت، ففعل، وأرسل الله تعالى مَن حَمَلَه وحمل ما أعدَّ، حتى وقف على رأس الجبّ، فقال: دانيالُ! دانيال! فقال: من هذا؟ قال:أنا أرميا.
فقال: ما جاء بك؟ فقال: أرسلني إليك ربُّك.
قال:وقد ذكرني ربي؟ قال: نعم.
فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى مَن ذَكره.
والحمد لله الذي لا يخيَّب من رجاه.
والحمد لله الذي من وثق به لم يكِلْه إلى غيره.
والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا.
والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاةً.
والحمد لله الذي هو يكشف ضَرَّنا بعد كربنا.
والحمد لله الذي هو يقينا حين يسوء ظننا بأعمالنا.
والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا.
قال: ولم أره ذكر إيصال ما أعدَّه أرميا لدانيال من الطعام الذي أحب.
وقال يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق عن أبي خَلْدة خالد بن دينار، حدّثنا أبو العالية قال: لما افتتحنا تُسْتَر وجدنا في مال بيت الهرمزان سريراً عليه رجل ميت عند رأسه مصحف فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب، فدعا له كعباً فنسخه بالعربية.
فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا.
فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سِيَرُكم وأمورُكم ولُحون كلامكم، وما هو كائن بعدُ.
قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال:حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً مثفزقةً، فلما كان بالليل دفنّاه وسوّينا القبورَ كلَّها لنُعَمِّيه على الناس فلا ينبشونه.
قلت: فما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيُمْطَرون.
قلت: مَن كنتم تظنّون الرجلَ؟ قال:رجل يقال له: دانيال.
قلت: منذ كم وجدتموه قد مات؟ قال: من ثلاثمئة سنة.
قلت: ما تغيَّر منه شيء؟ قال: لا، إلا شعرات من قفاه، إن لُحوم الأنبياء لا تُبليها الأرض ولا تأكلها السباع.
وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية، ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظاً من ثلاثمئة سنة، فليس بنبي بل هو رجل صالح، لأن عيسى بن مريم ليس بينه وبين رسول الله ﷺنبي بنص الحديث الذي في البخاري، والفترة التي كانت بينهما أربعمئة سنة.
وقيل: ستمئة.
وقيل: ستمئة وعشرون سنة، وقد يكون تاريخ وفاته من ثمانمئة سنة، وهو قريب من وقت دانيال، إن كان كونه دانيال هو المطابق لما في نفس الأمر، فإنه قد يكون رجلاً آخر، إما من الأنبياء أو الصالحين، ولكن قربت الظنون أنه دانيال، لأن دانيال كان قد أخذه ملك الفرس فأقام عنده مسجوناً، كما تقدم.
وقد روي بإسناد صحيح إلى أبي العالية أن طول أنفه شِبرٌ.
وعن أنس بن مالك بإسناد جيد أن طول أنفه ذراع-والله أعلم-، فيحتمل على هذا أن يكون رجلاً من الأنبياء الأقدمين قبل هذه المدد.
والله أعلم.
وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب "أحكام القبور: حدّثنا أبو بلال محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، حدّثنا أبو القاسم بن عبد الله،عن أبي الأشعث الأحمري قال: قال رسول الله ﷺ: إن دانيال دعا ربّه ﷿ أن تدفنه أمّة محمد، فلما افتتح أبو موسى الأشعري تستر، وجده في تابوت تَضْرب عروقه ووريده، وقد كان رسول الله ﷺ قال: "من دل على دانيال فبشّروه بالجنة".
فكان الذي دلّ عليه رجل يقال له:حُرقوص، فكتب أبو موسى إلى عمر بخبره، فكتب إليه عمر أنِ ادفنه وابعث إليّ حرقوص فإن النبي ﷺ بشَّره الجنة.
وهذا مرسل من هذا الوجه، وفي كونه محفوظاً نظر.
والله أعلم.
ثم قال ابن أبي الدنيا: حدّثنا أبو بلال، حدّثنا قاسم بن عبد الله، عن عنبسة بن سعيد وكان عالماً قال: وجد أبو موسى مع دانيال مُصْحفاً وجَرَّة فيها ودك (١) ودراهم وخاتمه، فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: أمّا المصحف فابعث به إلينا، وأما الوَدَك فابعث إلينا منه، ومُر مَن قِبَلَك من المسلمين يستشفون به، واقسم الدراهم بينهم، وأمّا الخاتم فقد نَفَلْناكَهُ.
وروى ابن أبي الدنيا من غير وجه أن أبا موسى لما وجده ذكروا له أنه دانيال التزمه وعانقه وقبّله.
وكتب إلى عُمر يذكر له أمره، وأنه وجد عنده مالاً موضوعاً قريباً من عشرة آلاف درهم، وكان من جاء اقترض منها، فإن ردَّها وإلا مرض، وأن عنده ربعة (٢)، فأمر عُمر بأن يغسل بماءٍ وسدر (٣)، ويكّفن ويدفن ويُخفَى قبرُه فلا يعلم به أحد، وأمر بالمال أن يرد إلى بيت المال، وبالربعة فتحمل إليه، ونَفَلَه خاتمه.
وروي عن أبي موسى أنه أمر أربعة من الأُسَراء فسَكَّروا نهراً، وحفروا في وسطه قبراً فدفنه فيه ثمّ قدم الأربعة الأسراء، فضرب أعناقهم، فلم يعلم بمكان موضع قبره غير أبي موسى الأشعري ﵁.
وقال ابن أبي الدنيا: حدّثني إبراهيم بن عبد الله، حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: رأيت في يد أبي بردة بن أبي موسى الأشعري خاتماً نَقْش فصَّه أسدان بينهما رجل يلحسان ذلك الرجل، قال أبو بردة: هذا خاتم ذلك الرجل الميت الذي زعم أهل هذه البلدة أنه دانيال، أخذه أبو موسى يوم دفنه.
قال أبو بردة: فسأل أبو موسى علماء تلك القرية عن نقش ذلك الخاتم فقالوا: إن الملك الذي كان دانيال في سلطانه جاءه المنجِّمون وأصحاب العلم فقالوا له: إنه يولد ليلة كذا وكذا غلام يُغور ملكك ويفسده.
فقال الملك:والله لا يبقى تلك الليلة غلام إلا قتلته، إلا أنَّهم أخذوا دانيال فألقوه في أجمة الأسد فبات الأسد ولبوته يلحسانه ولم يضراه، فجاءت أمه فوجدتهما يلحسانه، فنجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ.
قال أبو بردة: قال أبو موسى: قال علماء تلك القرية: فنقش دانيال صورته وصورة الأسدين يلحسانه في فص خاتمه لئلأ ينسى نعمة الله عليه.
إسناد حسن.
وهذا ذكر عمارة بَيت المقدس بَعدَ خرابها واجتماع الملأ لمن بني إسرائيلِ بعد تفرقهم في بقاع الأرض وشعابها)
قال الله تعالى في كتابه المبين وهو أصدق القائلين:﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
قال هشام بن الكلبي: ثمّ أوحَى الله تعالى إلى أرميا ﵇، فيما بلغني، إني عامرٌ بيت المقدس فاخرج إليها فانزلها، فخرج حتى قدمها وهي خراب فقال في نفسه: سبحان الله، أمرني الله أن أنزل هذه البلدة، وأخبرني أنه عامرها، فمتى يعمرها؟! ومتى يُحييها الله بعد موتها؟! ثمّ وضع رأسه فنام ومعه حمارُه وسلَّة من طعام، فمكث في نومه سبعين سنةً حتى هَلَك بخت نصر والملك الذي فوقه، وهو لهراسب، وكان ملكه مئة وعشرين سنة، وقام بعده ولده بشتاسب بن لهراسب وكان موت بخت نصر في دولته، فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب، وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين فلم يبق بها من الإنس أحد، فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل أن من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع، وملّك عليهم رجلاً من آل داود، وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبني مسجدها.
فرجعوا، فعمروها، وفتح الله لإرميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تُبنى وكيف تعمر، ومكث في نومه ذلك حتى تم له مئة سنة، ثم بعثه الله وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة، وقد عهد المدينة خراباً فلما نظر إليها عامرة آهلة قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: فأقام بنو إسرائيل بها وردّ الله عليهم أمرهم، فمكثوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف.
ثمّ لم يكن لهم جماعة ولا سلطان، يعني بعد ظهور النصارى عليهم.
هكذا حكاه ابن جرير في تاريخه عنه.
وذكر ابن جرير أن لهراسب كان ملكاً عادلًا سائساً لمملكته قد دانت له العباد والبلاد والملوك والقوّاد وأنه كان ذا رأي جيد في عمارة الأمصار والأنهار والمعاقل.
ثمّ لما ضعف عن تدبير المملكة بعد مئة سنة ونيف نزل عن الملك لولده بشتاسب، فكان في زمانه ظهور دين المجوسية، وذلك أن رجلاً
اسمه زردشت كان قد صحب أرميا فأغضبه فدعا عليه أرميا، فبرص زردشت، فذهب فلحق بأرض أذربيجان، وصحب بشتاسب، فلقنه دين المجوسية الذي اخترعه من تلقاء نفسه -لعنه الله-) فقبله منه بشتاسب، وحمل الناس عليه وقهرهم وقتل منهم خلقاً كثيراً ممن أباه منهم.
ثم كان بعد بشتاسب بهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين والأبطال المذكورين وقد ناب بخت نصر لكلّ واحد من هؤلاء الثلاثة وعمر دهراً طويلاً، قبّحه الله.
والمقصود أن هذا الذي ذكره ابن جرير من أن هذا المارَّ على هذه القرية هو إرميا ﵇.
قاله وهب بن منبه، وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهما، وهو قوي من حيث السياق المتقدم.
وقد رُوي عن علي وعبد الله بن سلام وابن عباس والحسن وقتادة والسُّدّي وسليمان بن بريدة وغيرهم أنه عُزير.
وهذا أشهر عند كثير من السلف والخلف.
والله أعلم.
(١) الودَك: الدسم.
(٢) الربعة: صندوق فيه أجزاء المصحف.
(٣) السدر: شجرة يستخدم ورقها للغسل.
مختارات

