باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد موسى(٥)
وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: وسخر الله له من الجِنّ عُمّالاً يعملون له ما يشاء لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته، ومن خرج منهم عن الأمر عذّبه ونكلّ به.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ وهي الأماكن الحسنة وصدور المجالس ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ وهي الصور في الجدران، وكان هذا سائغاً في شريعتهم ومفَتهم ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾.
قال ابن عباس: الجفنة كالجوبة من الأرض، وعنه: كالحياض.
وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم.
وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء كما قال الأعشى: [من الطويل]
تَرُوْحُ على آلِ المُحَلَّقِ جَفنةٌ … كَجابِيةِ السَّيْحِ العِراقيَّ يَفْهَقُ)
وأما القدور الراسيات، فقال عكرمة: أثافيها منها، يعني أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن.
وهكذا قال مجاهد وغير واحد.
ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والإحسان إلى الخلق من إنسان وجان قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ يَعني أن منهم من قد سَخّره في البناء، ومنهم من يأمره بالغوص في الماء لا ستخراج ما هنالك من الجواهر واللآلئ وغير ذلك مما لا يوجد إلا هنالك.
وقوله:﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ أي قد عصوا فقُيَّدوا مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد، وهي: القيود.
وهذا كلّه من جملة ماهيأ الله وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ولم يكن أيضاً لمن كان قبله.
وقد قال البخاري حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ عِفْرِيْتاً مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عليّ البارِحَةَ لِيَقْطَعَ علَيّ صَلاتي فأمْكَنَني اللهُ مِنْهُ، فاخَذْتُهُ فأرَدْتُ أنْ أَرْبِطَهُ إلى سَارِيَةٍ مِنْ سَوارِى المَسْجِد حَتّى تَنْظُروا إليَه كُلَّكُم، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أخي سُلَيْمانَ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَدْتُهُ خاسِئاً".
وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبةُ.
وقال مسلم: حدّثنا محمد بن سلمة المرادي، حدّثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدّثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن أبي الدرْداء قال: قام رسول الله ﷺ فصلّى، فسمعناهُ يَقُولُ: "أعوذُ باللهِ مِنْكَ، أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ الله ثلاثاً، وبَسَطَ يَدَهُ كأنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئاً، فلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلْنا يا رَسُولَ الله سَمِعْناكَ تَقُوْلُ في الصلَّاةِ شَيْئاً لم نَسْمَعك تَقُوْلُهُ قَبْلَ ذلكَ، ورأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ.
قال:"إنَّ عَدُوَّ اللهِ إبْليس جَاءَ بِشِهابٍ مِنْ نارٍ لِيَجْعَلَهُ في وَجْهي فَقُلْتُ أعُوذُ باللّهِ مِنْكَ ثَلاثَ مَرَّاتِ، ثُمَّ قُلْتُ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ الله التَّامَّةِ، فَلَم يَسْتأْخِر ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ.
واللهِ لَولا دَعْوَةُ أَخِيْنا سُلَيمانَ لأَصْبَحَ مُوْثَقاً يَلْعَبُ بهِ وِلْدَانُ أهْلِ المدِيْنَة".
وكذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة، بة.
وقال أحمد: حدّثنا أبو أحمد، حدّثنا مسرَّة بن معبد،حدثنا أبو عبيد صاحب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يُصلي، فذهبتُ أمرُّ بين يديه، فردّني، ثمّ قال:حدّثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قام فصلّى صلاةَ الصُّبح وهو خلفَه، فقرأ، فالتبسَتْ عليه القراءة.
فلمّا فرغ من صلاته قال: "لَوْ رَأَيْتُمُوْني وإبْلِيْس فأَهْوَيْتُ بِيَدِي فما زِلْتُ أخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعابِهِ بَيْنَ أصْبعَيَّ هاتَيْن" الإبهام والتي تليها "ولَولا دَعْوَةُ أخي سُلَيمانَ لأصْبَحَ مَرْبُوطاً بِسَارِيةٍ مِنْ سَوارِي المسْجِدِ يَتَلاعَبُ بهِ صِبْيانُ المدِيْنة، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُم أنْ لا يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ أحَدٌ فَلْيَفْعَلْ".
روى أبو داود منه "فَمَن اسْتَطَاع" إلى آخره، عن أحمد بن سريج، عن أحمد الزبيري، به.
وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة سبعمئة بمهور، وثلاثمئة سراري، وقيل بالعكس ثلاثمئة حرائر وسبعمئة من الإماء.
وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمراً عظيماً جداً.
قال البخاري:حدّثنا خالد بن مَخْلَد، حدّثنا مغيرة بن عبد الرحمان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قالَ: "قال سُلَيْمانُ بنُ دَاودَ: لأَطُوْفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِيْنَ امْرأةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرأةٍ فارِساً يُجَاهِدُ في سَبِيْلِ اللهِ.
فقالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إنْ شاءَ اللهُ.
فلم يَقُلْ، فَلَمْ تَحْمِألْ شَيْئاً إلّا واحِداً ساقِطاً أَحَدُ شِقَّيْهِ".
فقال النبي ﷺ: "لَوْ قَالَها لَجَاهَدُوا في سَبِيْلِ اللهِ".
وقال شعيب، وابن أبي الزناد: تسعين، وهو أصح، تفرّد به البخاري من هذا الوجه
وقال أبو يعلى: حدّثنا زهير، حدّثنا يزيد، أخبرنا هشام بن حسان، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ"قال سُلَيمانُ بنُ دَاودَ: لأَطُوْفَنَّ اللَّيلةَ عَلَى مئةِ امْرأةٍ كُلُّ امْرأةٍ منْهُنَّ تَلِدُ غُلاماً يَضْرِبُ بالسَّيْفِ في سَبِيْلِ اللهِ، وَلَم يَقُلْ: إنْ شَاءَ اللهُ.
فَطافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ على مئةِ امْرأَةٍ فَلَم تَلِدْ مِنْهُنَ امْرأَةٌ إلَّا امْرأةً وَلَدَتْ نِصْفَ إنْسَانٍ".
فقال رسول الله ﷺ: "لو قَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ لَوَلَدَتْ كُلُّ امْرأةً مِنْهُن غُلاماً يَضْرِبُ بالسَّيْفِ في سَبِيْلِ الله ﷿".
إسناده على شرط " الصحيح "، ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا هُشيم، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال سليمان ابن داود: لأطوفن الليلة على مئة امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله، ولم يستثن، فما ولدت إلا واحدة منهن بشِقّ إنسان قال: قال رسول الله ﷺ: "لَو اسْتَثْنَى لَوُلدَ لَهُ مِئةُ غُلام.
كُلُّهُم يُقَاتِلُ في سَبِيْلِ الله ﷿" تفرد به أحمد أيضاً
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "قالَ سُليمانُ بنُ داودَ لأَطُوْفَنَّ اللَّيْلةَ بمئةِ امْرأةٍ تَلِدُ كُلُّ امْرأةٍ مِنْهُنَّ غُلاماً يُقاتِلُ في سَبِيْلِ اللهِ" قال: "ونَسِيَ أنْ يَقُولَ: إنْ شَاءَ اللهُ، فأطَافَ بِهِنَّ" قال: "فلَم تَلِدْ مِنْهُنَّ امْرأةٌ إلْا واحِدَةٌ نِصْفَ إنْسانٍ" فقال رسول الله ﷺ: "لو قَالَ إنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنثْ وكانَ دركاً لحاجَتِهِ".
وهكذا أخرجاه في " الصحيحين " من حديث عبد الرزاق، به، مثله.
وقال إسحاق بن بشر: أخبرنا مقاتل، عن أبي الزناد، وابن أبي الزناد عن أبيه، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن سليمان بن داود كان له أربع مئةِ امْرأةٍ وستمئة سرية، فقالَ يَوْماً: لأَطُوْفَنَّ اللَّيْلَةَ علَى ألْفِ امْرأةٍ فَتَحْمِلُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِفارِسٍ يُجَاهِدُ في سَبِيْلِ اللهِ، ولَمْ يَسْتَثْنِ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ فَلَمْ تَحْمِلْ واحِدَةٌ مِنْهُنَّ إلا امْراْةٌ واحِدَةٌ مِنْهُنَّ جاءَتْ بِشِقّ إنْسَانٍ.
فقال النبي ﷺ: "والذي نَفْسِي بِيَده لَوِ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ، لَوُلدَ لَهُ ما قالَ فُرسانٌ، ولَجاهَدُوا في سَبِيلِ الله ﷿".
وهذا إسناد ضعيفٌ لحال إسحاق بن بشر فإنه مُنكَر الحديث، ولاسيما وقد خالف الروايات الصحاح.
وقد كان له ﵇ من أمور المُلك واتِّساع الدولة وكثرة الجنود وتنوُّعها مالم يكن لأحدٍ قبلَه ولا يعطيه الله أحداً بعده،كما قال: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
وقد أعطاه الله ذلك بنص الصَّادق المصدوق.
ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه وأسداه من النعم الكاملة العظيمة إليه قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ أي: أعط من شِئت، واحرم من شئت، فلا حساب عليك، أي: تصزَّف في المال كيف شئت، فإن الله قد سوَّغ لك كل ما تفعله من ذلك، ولا يحاسبك على ذلك.
وهذا شأن النبي المَلِك، بخلاف العبد الرسول، فإنّ مِنْ شأنه أن لا يُعطي أحداً، ولا يمنع أحداً إلا بإذن الله له في ذلك.
وقد خُيَّر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذين المقامين، فاختار أن يكون عبداً رسولًا.
وفي بعض الروايات أنه استشار جبريل في ذلك فأشار إليه: أن تواضع، فاختار أن يكون عبداً رسولًا صلوات الله وسلامه عليه.
وقد جعل الله الخِلافة والمُلْك من بعده في أمته إلى يوم القيامة، فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين حتى تقوم الساعة.
فلله الحمد والمِنَّة.
ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان ﵇ من خير الدنيا، نَبَّه على ما أعدَّه له في الآخرة من الثواب الجزيل والأجر الجميل، والقربة التي تقرَّبه إليه والفوز العظيم والإكرام بين يديه، وذلك يوم المعاد والحساب حيث يقول تعالى:﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
ذكر وَفاته وكم كانت مدّة ملكه وحياته قال الله ﵎: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ [سبأ: ١٤].
روى ابن جرير، وابن أبي حاتم وغيرهما من حديث إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "كانَ سُلَيمانُ نَبِيُّ اللهِ ﵇ إذا صَلَّى رَأَى شَجَرَةً
نابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُوْلُ لَها: ما اسْمُكِ؟ فَتَقُول: كَذَا.
فَيَقُولُ:لأيَّ شَيْءٍ أنْتِ؟ فإنْ كَانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ، وإنْ كَانتْ لِدَوَاءٍ أنبتت فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلّي ذاتَ يَوْم إذْ رَأَى شَجَرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَها: ما اسْمُكِ؟ قالتْ: الخرُّوْب.
قال: لأيّ شَيء أنْتِ؟ قالتْ: لخرابِ هذا البْيتِ.
فَقَالَ سُلَيمانُ: اللهُمّ عَمِّ عَلَى الجِنِّ مَوْتي حَتَّى تَعْلَمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ.
فَنَحَتَها عَصاً فَتَوَكَّأَ عَلَيْها حَوْلًا والجِنُّ تَعْمَلُ فَأكَلَتْها الأَرَضَةُ، فتَبيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَا لَبِثُوا حَوْلاً في العذابِ المُهِيْنِ".
قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجنُّ للأرضة فكانت تأتيها بالماء.
لفظ ابن جرير وعطاء بن السائب في حديثه نكارة.
وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفا، وهو أشبه بالصواب.
والله أعلم.
وقال السُّدي في خبرٍ ذَكَره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرَّة عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة: كان سليمان ﵇ يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، يُدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي تُوُفّي فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة فيأتيها، فيسألُها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا.
فيقول لها: لأي شيء نبتِّ؟ فتقول: نبتُّ لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع.
فإذا كانت نبتت لغرس غرسها، وإن كانت نبتت لدواءٍ قالت: نبتُّ دواءً لكذا وكذا، فيجعلها كذلك.
حتى نبتت شجرة يقال لها: الخرُّوبة،فسألها: ما اسمك؟ فقالت: أنا الخرُّوبة.
فقال: ولأي شيء
نبتّ؟ فقالت: نبتُّ لخراب هذا المسجد.
فقال سليمان: ما كان الله ليخرِبه وأنا حيّ، أنتِ التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له.
ثم دخل المحراب، فقام يصلي مُتّكِئاً على عصاه، فمات ولم يعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له، يخافون اْن يخرج فيعاقبهم.
وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كُوًى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جليداً إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر.
فدخل شيطان من أولئك فمرَّ -ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان ﵇ وهو في المحراب إلا احترق- ولم يسمع صوت سليمان، ثمّ رجع فلم يسمع، ثمّ رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان ﵇ قد سقط ميتاً، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات.
ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا مِنْسأته -وهي العصا بلسان الحبشة- قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوماً وليلةً.
ثمّ حسبوا على ذلك النحو فوجدوه فد مات منذ سنة.
وهي قراءة ابن مسعود:"فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولًا كاملاً"، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبون، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان.
ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله ﷿: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم.
ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنتِ تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام، ولو كنتِ تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين.
قال فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشياطين تشكراً لها.
وهذا فيه من الإسرائيليات التي لا تُصدّق ولا تكذّب.
وقال أبو داود في كتاب " القدر": حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا قبيصة، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال سليمان بن داود ﵉ لملك الموت: إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني.
قال: ما أنا أعلم بذاك منك، إنما هي كُتب يُلقى إليَّ فيها تسميةُ من يموت.
وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال سليمان لملَك الموت: إذا أمرتَ بي فأعلمني.
فأتاه فقال: يا سليمان قد أُمِرت بك، قد بقيت لك سُوَيعة، فدعا
الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب، فقام يُصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملَك الموت فقبض روحه وهو متوكئ على عصاه.
ولم يصنع ذلك فراراً من ملك الموت.
قال: والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي، قال فبعث الله دابَّة الأرض -يعني إلى مِنْسأته- فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضَعُفتْ وثقُل عليها، فخرّ، فلما رأت الجن ذلك انفضوا وذهبوا.
قال: فذلك قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
قال أصبغ: وبلغني عن غيره أنها مكثت سنة تأكل في مِنسأته حتى خَرَّ.
وقد رُوِي نحوُ هذا عن جماعة من السلف وغيرهم.
واللّه أعلم.
قال إسحاق بن بشر، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري وغيره، إن سليمان ﵇ عاش ثنتين وخمسين سنةً، وكان ملكه أربعين سنة.
وقال إسحاق أخبرنا أبو روق، عن عكرمة، عن ابن عباس:أن ملكه كان عشرين سنة.
فالله أعلم.
وقال ابن جرير: فكان جميع عمر سليمان بن داود نيفاً وخمسين سنة.
وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر.
ثمّ ملك بعده ابنه رحبعيم مدة سبع عشرة سنة فيما ذكره ابن جرير، وقال: ثم تفرقت بعده مملكة بني إسرائيل باب ذكر جَماعَة من أنبيَاء بني إسرائيل ﵈ ممن لا يعلم وقت زمانهم على التعيين إلا أنهم بعد داود وسليمان ﵉وقبل زكريا وَيحيى )
فمنهم:
[شعيا بن أمصيا]
قال محمد بن إسحاق: وكان قبل زكريا ويحيى، وهو ممن بَشَّر بعيسى ومحمد ﵉.
وكان في زمانه ملك اسمه صديقة على بني إسرائيل ببلاد بيت المقدس، وكان سامعاً مطيعاً لشعيا فيما يأمره به وينهاه عنه من المصالح، وكانت الأحداث قد عظمت في بني إسرائيل، فمرض الملك وخرجت في رجله قَرْحة.
وقصد بيت المقدس ملكُ بابل في ذلك الزمان وهو سنحاريب.
قال ابن إسحاق: في ستمئة ألف راية، وفزع الناس فزعاً عظيماً شديداً، وقال الملك للنبي شعيا: ماذا أوحَى الله إليك في أمر سنحاريب وجنوده؟فقال: لم يُوْحَ إليَّ فيهم شيء بعدُ.
ثمّ نزل عليه الوحي بالأمر للملك صديقة بأن يوصي ويستخلف على ملكه مَن يشاء فإنه قد اقترب أجلُه، فلما أخبره بذلك أقبل الملكُ على القبلة فصلّى وسبّح ودعا وبكى، فقال وهو يبكي ويتضرّع إلى الله ﷿ بقلب مخلص وتوكُّل وصبر: اللهمَّ ربَّ الأرباب وإلَه الآلهة يا رحمن يا رحيم يا من لا تأخذه سِنَة ولا نوم، اذكرني بعلمي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل، وذلك كله كان منك، فأنت أعلم به من نفسي، سري وإعلاني لك.
قال: فاستجاب الله له ورحمه.
وأوحى الله إلى شعيا أن يبشّره بأنه قد رَحِم بكاءه، وقد أخّر في أجله خمسَ عشرة سنة، وأنجاه من عدوه سنحاريب.
فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن، وخرّ ساجداً، وقال في سجوده: اللهم أنت الذي تعطي المُلْكَ من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، عالم الغيب والشهادة، أنت الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين.
فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن يأمره أن يأخذ ماء التين فيجعله على قَرحته فيشفى ويصبح قد برئ، ففعل ذلك، فشفي.
وأرسل الله على جيش سنحاريب الموت فأصبحوا وقد هلكوا كلهم سوى سنحاريب وخمسة من أصحابه، منهم بخت نصّر، فأرسل ملكُ بني إسرائيل فجاء بهم، فجعلهم في الأغلال وطاف بهم في البلاد على وجه التنكيل بهم والإهانة لهم سبعين يوماً، ويطعم كلّ واحد منهم كل يوم رغيفين من شعير.
ثمّ أودعهم السجن.
وأوحى الله تعالى إلى شعيا أن يأمر الملك بإرسالهم إلى بلادهم لينذروا قومَهم ما قدْ حلَّ بهم، فلما رجعوا جمع سنحاريب قومه وأخبرهم بما قد كان من أمرهم، فقال لهم السحرة والكهنة: إنا أخبرناك عن شأن ربهم وأنبيائهم فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم.
فكان أمر سنحاريب مما خوفهم الله به.
ثمّ مات سنحاريب بعد سبع سنين.
قال ابن إسحاق: ثم لما مات صديقة ملك بني إسرائيل مَرِج أمرُهم، واختلطت أحداثهم، وكثر شرهم، فأوحى الله تعالى إلى شعيا، فقام فيهم فوعظهم وذكّرهم.
وأخبرهم عن الله بما هو أهله، وأنذرهم بأسه وعقابه إن خالفوه وكذّبوه.
فلما فرغ من مقالته عَدَوا عليه وطلبوه ليقتلوه، فهرب منهم، فمرَّ بشجرة فانفلقت له فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها، فلما رأوا ذلك جاؤوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها.
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومنهم:
أرميَا بن حلقيا من سبط لاوي بن يعقوب
وقد قيل: إنه الخضر.
رواه الضحّاك عن ابن عباس وهو غريب وليس بصحيح.
قال ابن عساكر جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريا وهو يفور بدمشق
فقال أيها الدم فتنت الناس فاسكن، فسكن ورسب حتى غاب.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثني علي بن أبي مريم، عن أحمد بن حباب، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال أرميا: أي ربّ أيُّ عبادك أحَبُّ إليك؟ قال: أكثرهم لي ذِكراً، الذين يشتغلون بذِكري عن ذكر الخلائق.
الذين لا تعرض لهم وساوس الفناء ولا يُحدِّثون أنفسهم بالبقاء.
الذين إذا عرض لهم عيش الدنيا قَلُّوه، وإذا زوي عنهم سُرُّوا بذلك.
أولئك أنحلهم محبتي وأعطيهم فوق غاياتهم.
ذكر خراب بَيت المقدس
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٢ - ٨].
وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: أرميا حين ظهرت فيهم المعاصي: أن قُم بين ظهراني قومك فأخبرهم أن لهم قلوباً ولا يفقهون، وأعيناً ولا يبصرون، وآذاناً ولا يسمعون، وإني تذكَّرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم، فسلْهم كيف وجدوا غِبَّ طاعتي، وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي، وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي، إن الدوابَّ تذكر أوطانها فتنزع إليها، وإن هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها، أما أحبارهم فأنكروا حقي، وأما قُزَاؤهم فعبدوا غيري، وأما نُسّاكهم فلم ينتفعوا بما علموا، وأما وُلاتهم فكذبوا عَليّ وعلى رُسلي.
خَزَنوا المكر في قلوبهم، وعوَّدوا الكذبَ ألسنتَهم.
وإني أقسم بجلالي وعزتي لأهيجنَّ عليهم جيولاً (١) لا يفقهون ألسنتهم، ولا يعرفون وجوههم، ولا يرحمون بكاءهم، ولأبعثن فيهم مَلِكاً جبَّاراً قاسياً، له عساكر كقطع السحاب، ومواكب كأمثال الفجاج، كأن خفقان راياته طيران النسور، وكأن حمل فرسانه كَرّ العقبان، يعيدون العمران خراباً، ويتركون القرى وحشة، فياويل
إيليا وسكانها كيف أذلّلهم للقتل وأسلّط عليهم السبي، وأُعيد بعد لجب الأعراس صُراخاً، وبعد صهيل الخيل عُواء الذئاب، وبعد شرافات القصور مساكن السباع، وبعد ضوء السرج وهج العجاج، وبالعزِّ الذُّلَّ، وبالنعمة العبودية، وأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب، وبالمشي على الزرابي الخبب، ولأجعلن أجسادهم زبلاً للأرض، وعظامَهم ضاحية للشمس، ولأدوسنَّهم بألوان العذاب، ثم لآمرنَّ السماء فتكون طبقاً من حديد والأرض سبيكة من نحاس، فإن أُمطرت لم تنبت الأرض، هان أنبتت شيئاً في خلال ذلك فبِرحْمتي للبهائم، ثمّ أحبسه في زمان الزرع، وأرسله في زمان الحصاد، فإن زرعوا في خلال ذلك شيئًا سلطت عليه الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة، فإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوا لم أعطهم، [وإن بكَوا لم أرحمهم، وإن تضرّعوا صرفتُ وجهي عنهم.
رواه ابن عساكر بهذا اللفظ.
وقال إسحاق بن بشر: أخبرنا إدريس، عن وهب بن منبه،قال: إن الله تعالى لما بعث أرميا إلى بني إسرائيل، وذلك حين عظمت الأحداث فيهم، فعملوا بالمعاصي وقتلوا الأنبياء، طمع بخت نصّر فيهم، وقذف الله في قلبه، وحدَّث في نفسه بالمسير إليهم لمَّا أراد الله أن ينتقم به منهم، فأوحى الله إلى أرميا إني مهلك بني إسرائيل ومنتقمٌ منهم، فَقُم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي، فقام أرميا فشق ثيابه وجعل الرماد على رأسه وخَرَّ ساجداً وقال:يا رب ودِدْتُ أمي لم تلدني حين جعلتني آخِر أنبياء بني إسرائيل فيكون خراب بيت المقدس وبوار بني إسرائيل من أجلي، فقال له: ارفع رأسك.
فرفع رأسه فبكى ثم قال: يا رب من تُسَلَّط عليهم؟ فقال: عبدة النيران، لا يخافون عقابي ولا يرجون ثوابي.
قم يا أرميا فاستمع وحيي أخبرْك خبرك وخبر بني إسرائيل:
من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصوّرك في رحم أُمّك قَدَسْتُك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهَرْتُك، ومن قبل أن تبلغ نبَّأْتُك، ومن قبل أن تبلغ الأشدَّ اخترتُك، ولأمر عظيمٍ اجتبيتك.
فقم مع الملِك تُسدّده وترشده.
فكان مع الملك يسدد ويأتيه بالوحى من الله، حتى عظمت الأحداث ونَسُوا ما نجّاهم اللهُ به من عدوّهم سنحاريب وجنوده، فأوحى الله إلى أرميا: قم فاقصص عليهم ما آمرك به، وذكَّرْهم نعمتي عليهم، وعَرِّفْهم أحْدَاثَهم.
فقال أرميا: يا رب إني ضعيفٌ إن لم تقوّني، عاجزٌ إن لم تبلّغني، مخطِئٌ إنْ لم تسدّدْني، مَخذولٌ إن لم تنصرني، ذليلٌ إن لم تُعرني.
فقال الله تعالى: أَوَلَمْ تَعْلَمْ أَنَ الأُمُوْرَ كُلَّها تصدر عن مشيئتي، وأن الخلقَ والأمر كله لي، وأنّ
القلوب والألسنة كلها بيدي فأقلّبُها كيف شئِتُ فتطيعني، فأنا الله الذي ليس شيء مثلي.
قامت السماوات والأرض وما فيهن بكلمتي، وإنه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلّا لي، ولا يعلم ما عندي غيري، وأنا الذي كلّمتُ البحار ففهمتْ قولي، وأمرتها ففعلت أمري، وحدَّدْتُ عليها حدوداً فلا تعدو حدِّي، وتأتي بأمواجٍ كالجبال فإذا بلغت حَدّي ألبستُها مذَلَّةً لطاعتي وخوفاً واعترافاً لأمري، وإني معكَ ولن يصل إليك شيءٌ معي، وإني بعثتُك إلى خلقٍ عظيمٍ من خلقي لتبلِّغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر منِ اتّبعك، ولا ينقص من أجورهم شيئاً [وإن تقصر عنها تستحق بذلك مني وزر من تركته في عماية ولا ينتقص ذلك من أوزارهم شيئاً] انطلق إلى قومك فقُم فيهم وقل لهم: إن الله قد ذكَركم بصلاح آبائكم فلذلك استبقاكم.
يا معشر أبناء الأنبياء، كيف وجد آباؤكم مَغَبَّةَ طاعتي؟ وكيف وجدتم مغبةَ معصيتي؟ وهل وجدوا أحداً عصاني فسعد بمعصيتي؟! وهل علموا أحداً أطاعني فشقي بطاعتي؟ إن الدوابَّ إذا ذَكَرت أوطانَها الصالحة نزعت إليها، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مُروج الهلَكَة وتركوا الأمر الذي به أكرمتُ آباءهم، وابتغوا الكرامة من غير وجهها.
أما أحبارهم ورهبانهم: فاتخذوا عبادي خَوَلًا (٢)يتعبَّدونهم ويعملون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري، وأنسَؤهم ذكري وسُنَّتي وغرُّوهم عني، فدانَ لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلّا لي فهم يطيعونهم في معصيتي.
وأما ملوكهم وأمراؤهم: فبطروا نعمتي وأمِنوا مكري، وغرَّتهمُ الدنيا حتى نبذوا كتابي ونسوا عهدي، فهم يُحرّفون كتابي ويفترون على رسُلي جرأةً منهم عليَّ وغرة بي، فسبحان جلالي وعلَّ مكاني وعظمة شأني هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي؟ وهل ينبغي لبشر أن يُطاع في معصيتي؟! وهل ينبغي لي أن أخلق عباداً أجعلهم أرباباً من دوني، أوآذن لأحد بالطاعة لأحد لا تنبغي إلا لي؟!.
وأما قُرَّاؤهم وفقهاؤهم: فيدرسون ما يتخَيَّرون فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، ويطيعونهم في معصيتي، ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي، فهم جَهَلة بما يعلمون لا ينتفعون بشيء مما علِموا من كتابي.
وأما أولاد النبيين: فمقهورون ومفتونون، يخوضون مع الخائضين، يتمنَّون مثلَ نصري آباءهم، والكرامةَ التي أكرمتهم بها، ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم، بغير صدق منهم ولا تفكر، ولا يذكرون كيف كان صبرُ آبائهم، وكيف كان جهدهم في أمري حين اغترَّ المغترُّون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءَهم فصبروا وصدقوا حتى عزّ أمري وظهر ديني.
فتأنَّيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني
ويرجعون، فتطوَّلت عليهم وصفحت عنهم فأكثرت ومددت لهم في العمر، وأعذرت لهم لعلهم يتذكرون.
وكل ذلك أُمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض وألبسهم العافية وأظهرهم على العدو؛ ولا يزدادون إلّا طغياناً وبُعداً مني.
فحتى متى هذا؟ أبي يسخرون؟ أم بي يتحرَّشون؟ أم إياي يُخادعون؟ أم عليَّ يجترئون؟ فإني أُقسم بعزتي لأُتيحنَّ عليهم فتنة يتحير فيها الحكيم، ويضل فيها رأي ذوي الرأي وحكمة الحكيم، ثم لأسلطن عليهم جباراً قاسياً عاتياً أُلبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرأفة والرحمة، وآليت أن يتبعه عددٌ وسوادٌ مثلُ الليل المظلم، له فيه عساكر مثل قطع السحاب، ومواكب مثل العجاج، وكأن حفيف راياته طيرانُ النسور، وحمل فرسانه كسرب العقبان (١) يعيدون العمران خراباً والقرى وحشاً، ويعيثون في الأرض فساداً، ويُتبِّرون ما علوا تتبيراً، قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقون ولا يَرحمون ولا يبصرون، ولا يسمعون، يجولون في الأسواق بأصوات مُرتفعة مثل زئير الأسد تقشعِرُّ من هيبتها الجلود، وتطيش من سمعها الأحلام، بألسنة لا يفقهونها، ووجوه ظاهر عليها المنكر لا يعرفونها.
فوعزَّتي لأُعَطّلن (٣) بيوتهم من كتبي وقدسي، ولأُخْلِيَن مجالسهم من حديثها ودروسها، ولأُوحِشَن مساجدَهم من عمّارها وزوّارها الذين كانوا يتزيَّنون بعمارتها لغيري، ويتهجَّدون فيها ويتعبَّدون لكسب الدنيا بالدين، ويتفقّهون فيها لغير الدين، ويتعلَّمون فيها لغير العمل.
لأُبدلن ملوكها بالعز الذل، وبالأمن الخوف، وبالغنى الفقر، وبالنعمة الجوع، وبطول العافية والرخاء أنواع البلاء، وبلباس الديباج والحرير مَدارع الوبر والعباء، وبالأرواح الطيبة والأدهان جِيفَ القتل، وبلباس التيجان أطواق الحديد والسلاسل والأغلال.
ثم لأعيدنَّ فيهم بعد القُصور الواسعة والحصون الحصينة الخرابَ، وبعد البروج المشيَّدة مساكن السباع، وبعد صَهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد ضوء السراج دخان الحريق، وبعد الأنس الوحشة والقفار.
ثمّ لأبدلنَّ نساءها بالأسوِرَةِ الأغلال، وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد، وبألوان الطيب والأدهان النقع والغبار، وبالمشي على الزَّرابي عُبور الأسواق والأنهار والخبب إلى الليل في بطون الأسواق، وبالخدور والستور، الحسور عن الوجوه والسوق والأسفار والأرواح السّموم.
ثمّ لأدوسنهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حَالِق (٤) لَوَصَل ذلك إليه.
إني إنما أُكرم من أكرمني، وإنما أُهين من هانَ عليه أمري.
ثمّ لآمرَنَّ السماء خلال ذلك فلتكونن
عليهم طبقاً من حديد، ولآمُرَنّ الأرض فلتكونَن سبيكة من نحاس، فلا سماء تمطر، ولا أرض تنبت.
فإن أمطرت ) خلال ذلك شيئاً سلّطت عليهم الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركةَ، وإن دَعَوني لم أجبْهم، وإن سألوني لم أُعْطِهم، وإن بكَوا لم أرحَمْهم، وإنْ تَضَرَّعوا إليَّ صرفتُ وجهي عنهم، وإن قالوا: اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك، وذلك بأنّك اخترتَنا لنفسكَ، وجعلتَ فينا نُبوَّتَك وكتابك ومساجدك، ثم مَكَّنْتَ لنا في البلاد واستخلفتنا فيها، وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صِغاراً، وحفظتنا وإيّاهم برحمتك كباراً، فأنتَ أوفى المُنْعِمين وإنْ غَيَّرْنا، ولا تُبَدّل وإنْ بدَّلْنا.
وأن يتم نعمته وفضله ومَنَّه وطَوله وإحسانه فإن قالوا ذلك قلت لهم:إني أبتدئ عبادي برحمتي ونعمتي، فإن قبلوا أتممت، وإن استزادوا زدت، وإن شكروا ضاعَفْتُ، وإن بدلوا غيرت، وإذا غيّروا غضبت، وإذا غضبتُ عذَّبْتُ وليس يقوم شيء بغضبي.
قال كعب: فقال أرميا: برحمتك أصبحْت، أتعلّم بين يديك، وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذلُّ وأضعفُ مِن أن ينبغي لي أن أتكلم بين يديك، ولكن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم، وليس أحد أحق أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد مني بما رضيت به مني طولًا، والإقامة في دار الخاطئين وهم يعصونك حولي بغير نكر ولا تغيير مني، فإن تعذبني فبذنبي، وإن ترحمني فذلك ظَنّي بك.
ثم قال: يا رب سبحانك وبحمدك وتباركتَ ربَّنا وتعاليت، أتُهلك هذه القرية وما حولَها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وحيك؟ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد ومن البيوت التي رُفِعتْ لذكرك؟ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمقتل هذه الأمة وعذابك إياهم وهم من ولد إبراهيم خليلك وأمة موسى نجيَّك وقوم داود صفيَّك؟.
يا رب أي القرى تأمن عقوبتَك بعدُ؟ وأي العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم وأُمّة نجيّك موسى وقوم خليفتك داود، تسلط عليهم عبدة النيران؟ قال الله تعالى: يا أرميا من عصاني فلا يستنكر نقمتي فإني أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي، ولو أنهم عصوني لأنزلتهم دار العاصين إلا أن أَتَدارَكَهم برحمتي.
قال أرميا: يا رب اتخذتَ إبراهيم خليلاً وحفظتنا به.
وموسى قَرَّبته نجياً، فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطفْنا ولا تسلط علينا عدوَّنا.
فأوحى الله إليه: يا أرميا إني قدَّسْتُك في بطن أمك، وأخَّرتك إلى هذا اليوم، فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكينَ وابنَ السبيل لكنت الداعم لهم، وكانوا عندي بمنزلة جنةٍ ناعم شجرُها، طاهر ماؤها، ولا يغور ماؤها، ولا تبور ثماره ولا تنقطع.
ولكن سأشكو إليك بني إسرائيل، إني كنتُ لهم بمنزلة الداعي الشفيق أُجَنّبهم كل قَحْطِ وكل عسرة، وأتبع بهم الخِصب
حتى صاروا كباشاً ينطح بعضُها بعضًا، فيا ويلَهم ثمّ يا ويلهم، إنّما أُكرم من يكرمني، وأُهين من هان عليه أمري.
إنَّ من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي، وإن هؤلاء القوم يتبرَّعون بمعصيتي تبرُّعاً، فيُظهرونها في المساجد والأسواق وعلى رؤوس الجبال وظلال الأشجار، حتى عجَّت السماء إليَّ منهم، وعجَّت الأرض والجبال، ونفرت منها الوحوش بأطراف الأرض وأقاصيها، وفي كل ذلك لا ينتهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب.
قال: فلما بلَّغهم أرميا رسالة ربهم، وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب، عصَوه وكذبوه واتهّموه وقالوا: كذبت وأعظمت على الله الفرية، فتزعم أن الله مُعطل أرضه ومساجدَه من كتابه وعبادته وتوحيده، فمن يعبده حين لا يبقى له في الأرض عابدٌ ولا مسجدٌ ولا كتاب؟! لقد أعظمت الفرية على الله واعتراك الجنون.
فأخذوه وقيَّدوه وسجنوه.
فعند ذلك بعث الله عليهم بختَ نصر، فاقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم، لْم حاصرَهم فكان كما قال تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾.
قال: فلما طال بهم الحصر نزلوا على حُكمه، ففتحوا الأبوابَ وتخلَّلوا الأزِقة، وذلك قوله: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾، وحكم فيهم حُكم الجاهلية، وبطْشَ الجبّارين، فقتل منهم الثلثَ، وسبى الثلثَ، وترك الزَّمْنَى والشيوخَ والعجائز، ثم وطِئهم بالخيل، وهدم بيت المقدس، وساق الصبيان، وأوقف النساء في الأسواق محسرات وقتل المقاتل وخرَّب الحصون، وهدمَ المساجد، وحرقَ التوراة، وسأل عن دانيال الذي كان قد كتب له الكتاب فوجدوه قد ماتَ، وأخرج أهلُ بيته الكتاب إليه وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر وميشائيل وعزرائيل وميخائيل فأمضى لهم ذلك الكتاب.
وكان دانيال بن حزقيل خلفاً من دانيال الأكبر، ودخل بخت نصر بجنوده بيتَ المقدس، ووطئ الشامَ كلَّها، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم.
فلما فرغ منها انصرف راجعاً وحمل الأموال التي كانت بها، وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألفَ غلامٍ، وقذف الكناسات في بيت المقدس، وذبح فيه الخنازير.
وكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود، وأحدَ عشرَ ألفاً من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط إيشا بن يعقوب، وأربعة عشر ألفاً من سبط زيالون ونفتالي ابني يعقوب، وأربعةَ عشر ألفاً من سبط دان بن يعقوب وثمانية آلاف من سبط يستاخر بن يعقوب وألفين من سبط زيالون بن
يعقوب، وأربعة آلات من سبط روبيل ولاوي، واثني عشر ألفاً من سائر بني إسرائيل، وانطلق حتى قدم أرض بابل.
قال إسحاق بن بشر: قال وهب بن منبه: فلما فعل ما فعل قيل له: كان لهم صاحب يُحذرهُم ما أصابهم، ويصفك وخبرك لهم، ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم وتهدم مساجدهم وتحرق كنائسهم، فكذّبوه واتّهموه وضربوه وقيَّدوه وحبسوه.
فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن، فقال له: أكنتَ تُحذّر هؤلاء القوم ما أصابهم)؟قال: نعم.
قال: فإني علمتُ ذلك.
قال: أَرسلني الله إليهم فكذّبوني.
قال: كذَّبوك وضربوك وسجنوك؟ قال: نعم.
قال:بئس القوم قومٌ كذّبوا نبيَّهم وكذّبوا رسالة ربّهم، فهل لك أن تلحق بي فأكرمَك وأُواسيك؟ وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمَّنْتك.
قال له أرميا: إني لم أزل في أمان الله منذ كنتُ.
لم أخرج منه ساعةً قَطُّ، ولو أن بني إسرائيل لم يَخْرجوا منه لم يخافوك ولا غيرَك، ولم يكن لك عليهم سلطانٌ.
فلما سمع بخت نصر هذا القول منه تركه فأقام أرميا مكانه بأرض إيليا.
وهذا سياق غريب.
وفيه حِكم ومواعظ وأشياء مليحة، وفيه من جهة التغريب غرابة.
وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: كان بخت نصر إصبهبذا لما بين الأهواز إلى الروم للملك على الفرس وهو لهراسب، وكان قد بنى مدينة بلْخ التي تلقب بالخنساء، وقاتل الترك وألجأهم إلى أضيق الأماكن، وبعث بخت نصر لقتال بني إسرائيل بالشام، فلما قدم الشام صالحة أهل دمشق، وقد قيل إن الذي بعث بخت نصر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب، وذلك لتعدي بني إسرائيل على رسله إليهم.
وقد روى ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد الأنصاري،عن سعيد بن المسيَّب: أن بخت نصر لما قدم دمشق وجد بها دماً يغلي على كبا -يعني القمامة- فسألهم ما هذا الدم؟فقالوا: أدركْنا آباءَنا على هذا، وكلما ظهرَ عليه الكَبا ظهرَ.
قال: فقتل على ذلك سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم فسكنَ.
وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيَّب، وقد تقدم من كلام الحافظ ابن عساكر ما يدل على أن هذا دم يحيى بن زكريا، وهذا لا يصح؛ لأن يحيى بن زكريا بعد بخت نصر بمدة، والظاهر أن هذا دم نبي متقدّم، أو دم لبعض الصالحين، أو لمن شاء الله ممن الله أعلم به.
قال هشام بن الكلبي: ثئم قدم بخت نصر بيت المقدس فصالحه ملكها وكان من آل داود، وصانعه عن بني إسرائيل، وأخذ منه بخت نصر رهائن ورجع.
فلما بلغ طبرية بلغه أن بني إسرائيل ثاروا على مكهم فقتلوه لأجل أنه صالحه، فضرب رقابَ من معه من الرهائن، ورجَع إليهم فاخذ المدينة عَنوة، وقتل المقاتلة وسبى الذرية.
قال: وبلغنا أنه وجد في السجن أرميا النبيَّ، فأخرجه وقصَّ عليه ما كان من أمره إياهم وتحذيره لهم عن ذلك فكذبوه وسجنوه، فقال بخت نصر: بئس القوم قومٌ عصَوا رسول الله.
وخفى سبيله وأحسن إليه واجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل فقالوا: إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله ﷿ مما صنعنا، فادْعُ الله أن يقبل توبتنا، فدعا ربَّه فأوحى الله إليه أنه غيرُ فاعلٍ، فإن كانوا صادقين فليقيموا معكَ بهذه البلدة، فأخبرهم ما أمره الله تعالى به، فقالوا: كيف نقيم بهذه البلدة وقد خربت وغضب الله على أهلها؟ فأبوا أن يقيموا.
قال ابن الكلبي: ومن ذلك الزمان تفرّقت بنو إسرائيل في البلاد، فنزلت طائفةٌ منهم الحجاز، وطائفة يثرب، وطائفة وأدي القُرى، وذهبت شِرْذمة منهم إلى مصر، فكتب بخت نصر إلى ملكها يطلب منه من شرد منهم إليه، فأبى عليه، فركب في جيشه فقاتله وقهره وغلبه وسبى ذراريهم.
ثمّ ركب إلى بلاد المغرب حتى بلغ أقصى تلك الناحية.
قال: ثمّ انصرف بسبيٍ كثيرٍ من أرض المغرب ومصر وأهل بيت المقدس وأرض فلسطين والأردن، وفي السبي دانيال.
قلت: والظاهر أنه دانيال بن حزقيل الأصغر لا الأكبر على ما ذكره وهب بن منبه.
والله أعلم.
(١) الجيول، لعله يريد الأجيال، جمع جيل.
(٢) الخَوَل: العبيد والإماء وغيرهم من الحاشية.
(٣) التعطيل: التفريغ.
(٤) الحالق: الجبل المنيف المشرف، ولا يكون إلا مع عدم نبات.
اللسان.
مختارات

