لا تجاوز قدرك..
منذ طفولتي كان لدي هاجس مفرط ورغبة عارمة أن تسير الأمور دائما على ما يرام
كنا صغارا والوالدة تنام وأريد أن يلتزم إخوتي بالصمت حتى لا يوقظوها
وبالطبع لم يكن في وسعي إجبارهم على ذلك
فأتميز غيظا منهم وأتحرق من القهر
لم أكن أكبرهم ولا أرشدهم
وفي الشباب كبرت ورافقني هذا الشعور المأزوم
ففي المسجد أشعر بالمسؤولية ولم أكن إماما مكلفا ولا أكبر الحاضرين لكن أحب أن يكون المسجد على أتم الأحوال
أشعر بالقلق حين يصرخ الأطفال أو يعبث الصغار أو يشتجر اثنان من الجماعة كأنني وكلت بهم
بل حين أشارك في مجامع الناس أحب ألا يقع ما يسوء حتى ولو كانت الضيافة عند غيري
وأتوتر عندما يتسافه أحدهم أو يسخر أو يحرج آخر
وكبرت ومعي ظاهرة القلق على (المايرام)
فأريد أن تكون أسرتنا الوالدان والإخوة والأخوات في صحة وهناء وسعادة وانحشر في كل أزمة تحل وينشل تفكيري مع الآصرار على الطموح المستحيل أن تكون الأمور على مايرام
ثم كان لي أسرة وأولاد.
.
والشعور ذاته يلاحقني فنفسي متشعبة في مدارسهم وجامعاتهم ورفاقهم وتفاصيل آلامهم.
ثم تأملت فإذا الذي أفعله ليس مجرد خلل عاطفي ولا مبالغة ولا رحمة معتدلة بل هو إخلال بالأدب مع رب العالمين وتطفل من عبد عاجز بائس ليس له من الأمر شيء
وتطاول لمقام لا يليق بالعبودية والافتقار
والضعف
فكل هؤلاء الذين تلاحقهم بالقلق لا يمكنك فعل شيء لهم ولا مقاديرهم بيدك
ولا تدبير أمورهم إليك
يمكن الدعاء والنصيحة ومساعدتهم
لكن أن تتشوف لأن تضبط شؤونهم أو تستحوذ على مصائرهم أو أن تشعر بأنك لو غبت عنهم انخرم عقدهم وضاعت حياتهم
كل ذلك من الوهم وترك أدب العبودية
هؤلاء كلهم
الله وحده ربهم
وحده من يدبرهم ومن يقضي لهم وبينهم
ويسألهم ويحاسبهم
أنت لم تبعث وكيلا ولا رقيبا ومسيطرا على أحد
ليس لك من الأمر شيء
ولا مثقال ذرة
التوكل هو مقام العبودية والأدب
وأن تعرف معنى الرب
ومعنى العبد
(وَقَالَ یَـٰبَنِیَّ لَا تَدۡخُلُوا۟ مِنۢ بَابࣲ وَ ٰحِدࣲ وَٱدۡخُلُوا۟ مِنۡ أَبۡوَ ٰبࣲ مُّتَفَرِّقَةࣲۖ وَمَاۤ أُغۡنِی عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَیۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَیۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَیۡهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ)
مختارات

