انتصفَ رمضانُ!
يمضي رمضانُ مسرعًا، كأنَّه طيفٌ عابرٌ لا يكادُ يُدرَكُ حتّى يَفلِتَ، وكأنَّ الأيّامَ فيه أنفاسٌ معدودةٌ تُطوَى طيًّا، وتُرفَعُ صحائفُها إلى ربِّ العالمين؛ وهذا تصديقُ قولِ ربِّنا: *﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
* ها قدِ انتصفَ الشَّهرُ، وها هي اللَّيالي تمضي تباعًا، `فهلِ انتصفنا نحنُ من أنفسِنا؟` `هلِ انتصرنا على شهواتِنا كما انتصفَ الزَّمنُ من عددِه؟``أم أنَّ الأيّامَ مضت ونحنُ على حالِنا، لم نزدْ إلّا عادةً، ولم نربحْ إلّا جوعًا وعطشًا؟`
وقف الإمامُ الواعظُ ابنُ الجوزيِّ ـ رحمهُ اللهُ ـ يُخاطبُ الناسَ بكلماتٍ تهزُّ القلوبَ قبل الأسماع، فقال: «أيُّها الناسُ، إنَّ شهرَكم قدِ انتصف، فهل فيكم مَن قَهَرَ نفسَه وانتصف؟ وهل فيكم مَن قام فيه بما عَرَف؟ وهل تشوَّقَت هممُكم إلى نيلِ الشَّرف؟ أيُّها المُحسِنُ فيما مضى منه، استمرَّ ودُم، وأيُّها المُسيءُ، وبِّخْ نفسَك على التَّفريطِ ولُم؛ إذا خسرتَ في هذا الشَّهرِ فمتى تربح؟ وإذا لم تُقبِلْ إلى اللهِ فمتى تبرح؟».
ما أصدقَها من كلماتٍ! إنَّه لا يسألُ عن نصفِ الشَّهر، بل عن نصفِ النَّفس، ولا عن عددِ الأيّام، بل عن مقدارِ المُجاهدة.
*فالمحرومُ مَن انقضى نصفُ رمضانَ*، ولم ينقضِ نصفُ هواه، ولم تنكسرْ بعدُ سطوةُ شهوته، ولم يذُقْ لذّةَ القيامِ، ولا حلاوةَ القرآن.
ثمَّ يأتي صوتُ المُحاسبةِ العميقُ من الحافظِ ابنِ رجبٍ الحنبليِّ ـ رحمهُ اللهُ ـ فيقول: «عبادَ اللهِ، شهرُ رمضانَ قدِ انتصف، فمَن منكم حاسبَ نفسَه فيه للهِ وانتصف؟ مَن منكم قام في هذا الشَّهرِ بحقِّه الذي عَرَف؟ مَن منكم عزم قبل غَلْقِ أبوابِ الجنَّةِ أن يبنيَ له غُرَفًا من فوقِها غُرَف؟ ألا إنَّ شهرَكم قد أخذ في النَّقص، فزيدوا أنتم في العمل، فكأنَّكم به وقدِ انصرف؛ وكلُّ شهرٍ فعسى أن يكون منه خَلَف، وأمّا شهرُ رمضانَ فمن أين لكم منه خَلَف؟».
*يا مَن قصَّر في أوَّلِ الشَّهرِ، البابُ لم يُغلَقْ، والفُرصةُ لم تَضِعْ، والرَّحمةُ لم تنقطعْ.
ربُّ رمضانَ في أوَّلِه هو ربُّه في آخِرِه، والعِبرةُ بالخواتيم؛* وقد قال ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالخواتيم» (رواه البخاريُّ).
فرُبَّ قائمٍ في أوَّلِ الشَّهرِ فَتَرَ، ورُبَّ غافلٍ في أوَّلِه استيقظَ في آخِرِه، ففازَ برحمةٍ واسعة.
*إنَّ ما بقي من رمضانَ أَنْفَسُ ممّا مضى؛ فاجعلْ ما بقي موسمَ صدقٍ ومُراجعةٍ، وميدانَ سِباقٍ ومُجاهدةٍ.
*- زِدْ في القرآنِ، فإنَّ القرآنَ في رمضانَ نعيمُ الرُّوح- أكثرْ من الصَّلاةِ، فإنَّ السُّجودَ يرفعُ ما أثقلَ الظَّهرَ من الأوزار.
- أخلِصْ في الصَّدقةِ، فإنَّ عملَ السِّرِّ بين العبدِ وربِّه أرجى للقَبول.
- أصلِحْ قلبَك قبل عملِك، فإنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى الصُّورِ، ولكن ينظرُ إلى القلوب.
- واحرِصْ على الاعتكافِ، فإنَّه سُنَّةُ النَّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلَّم، وفيه تجديدُ العهدِ مع اللهِ بالتَّوبةِ النَّصوح، وإصلاحُ القلبِ، وتزكيةُ النَّفس.
تذكَّر أنَّ في آخِرِ الشَّهرِ لياليَ العِتقِ لا تزالُ قائمةً، *وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألفِ شهرٍ؛ مَن حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم، كما أخبرَ النَّبيُّ ﷺ.
*
`يا عبدَ اللهِ، إن خسرتَ في هذا الموسمِ فمتى تربح؟`وإن لم تُقبِلِ اليومَ فمتى تُقبِل؟`وإن لم تُحسِنِ الظنَّ بربِّك في هذه اللَّيالي فمتى تُحسِن؟` الأيّامُ تمضي، والأعمارُ تنقضي، والموتُ أقربُ إلى أحدِنا من شِراكِ نعلِه؛ والسَّعيدُ مَن اغتنمَ ما بقي قبل أن يُقال: قدِ انقضى الشَّهر.
فاستدرِكْ ما فات، وجدِّدِ النِّيَّةَ، وأحسِنْ وداعَ الضَّيفِ الكريم، وقُلْ بقلبٍ مُنكسِرٍ: اللهمَّ إنَّك عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنّا، واجعلْ ما بقي من رمضانَ خيرًا ممّا مضى، واجعلْنا فيه من المقبولين، ومن أهلِ العِتقِ من النَّارِ، ومن الفائزين.
مختارات

