بعض ما جاء عن السلف في باب ذكر الموت وقصر الأمل (3-3)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فمما ورد في هذا الباب -باب الموت، وقصر الأمل- ما قاله عبد الحق الأندلسي -رحمه الله- شعرًا:
إن في الموت والمعاد لشغلاًوادكارًا لذي النهى وبلاغافاغتنم خطتين قبل المناياصحة الجسم يا أخي والفراغا[1]ومن شعر أسامة بن منقذ:
مع الثمانين عاث الضعف في جسديوساءني ضعف رجلي واضطراب يديإذا كاتبت فخطي خط مضطربكخط مرتعش الكفين مرتعديفأعجب لضعف يدي عن حملها قلمًامن بعد حطم القنا في لبة الأسديفقل لمن يتمنى طول مدتههذه عواقب طول العمر والمددي[2]وهو كما سبق فقد سئل النبي ﷺ: يا رسول الله من خير الناس؟ قال: من طال عمره، وحسن عمله[3]، فإذا كان مع هذا حسن عمله، فالحمد لله، لا سيما إذا متّع الإنسان بسمعه وبصره، فيعبد ربه، ويذكره، ويقرأ كلامه، أما الذي يعيش هذه المدة دون أن يرفع رأسًا لهذه الأمور، وهي العبادة والذكر، وقراءة القرآن، وما شابه ذلك، فلا يجمع من هذا الطول وهذا البقاء إلا العناء والتعب والآلام؛ لأنه يبقى من العمر أضعفه وأكدره، فهو عرضة للآفات والأمراض، وتذهب لذاته.
يقول أيضًا ابن الجوزي -رحمه الله-: "ما اجتمع لامرئ أمله إلا وسعى في تفريقه أجله"[4].
وهذا آخر من شيوخ الحنفية يقول:
أرى المرء يهوى أن تطول حياتهوفي طولها إرهاق ذل وإزهاقتمنيت في عصر الشبيبة أننيأعمر والأعمار لا شك أرزاقفلما أتى ما قد تمنيت ساءنيمن العمر ما قد كنت أهوى وأشتاقيخيل في فكري إذا كنت خاليًاركوبي على الأعناق والسير إعناق[5]يعني: السير السريع.
يقول:
ويذكرني مر النسيم وروحهحثائر تعلوها من الترب أطباقوها أنا في إحدى وتسعين حجةلها في إرعاد مخوف وإبراقيقولون ترياق لمثلك نافعوما لي إلا رحمة الله ترياق[6]يقول: أصبح يخيل إليّ وأنا أحمل على النعش، والرجال يسرعون بي، والسير إعناق، ويخيل إليّ إذا هبت الريح، وذاك التراب الذي تحمله الرياح على تلك الحفرة وهي القبر، فصار ذلك يخيل إليه؛ لأنه قد دنا من أجله، مع أن الكثيرين لا يتصورون هذا، ولا زال أملهم طويلاً، فهم يؤملون أن يبقوا ويتمتعوا.
ويقول أيضًا:
لبست من الأعمار تسعين حجةوعندي رجاء بالزيادة مولعوقد أقبلت إحدى وتسعين بعدهاونفسي إلى خمس وست تطلعولا غرو أن آتي هنيدة سالمًافقد يدرك الإنسان ما يتوقع[7]والمقصود بهنيدة يعني مائة عام، أي: أن أبلغ المائة سالمًا.
وقد كان في عصري رجال عرفتهمحبوها وبالآمال فيها تمتعوما عافى قبلي عاقل طول عمرهولا لامه من فيه للعقل موضع[8]يعني: على طول العمر، لكن كل هذا ينبغي أن يقيد بما ذكرت، وإلا كما وقع لأحد الملوك لما رأى رؤيا، وجاء بمعبر فعبرها له، قال: يموت أهلك، وتبقى أنت، فغضب، وهم به، ثم أخرجه وزجره، ثم جيء له بآخر، فسأله عن هذه الرؤيا، فقال: أيها الخليفة إنك أطول أهلك عمرًا، ففرح، وأعطاه هدية، والنتيجة واحدة؛ لأن الإنسان إذا طال عمره، فيمر به من الأحزان والآلام، ويمنى بفقد الأحبة، من أبناء وإخوان وقرابات وجيران ومعارف؛ ولذلك تجد الرجل كلما تقدم به السن فقد أصحابه الذين كان يعاشرهم، وبينه وبينهم مجالس وذكريات وسفرات وإلى آخره، حتى ينفرد وحده.
وقد رأيت رجلاً كبير السن، ظننت أنه مريض، فسألت عنه، فقيل هو هكذا على فراشه من السآمة، يعني ذهب كل الناس الذي حوله من أصحاب، الذين في أقرانه وسنه، وقريبًا منه، حتى انفرد وحده، وصار لا يجد من يجالس، فكان على فراشه دائمًا يطول عليه الوقت، ويستثقل الزمان، وهذه قضية تحتاج إلى معالجة، لا تترك، وإن كان هذا خارج عن الموضوع، يعني ينبغي أن يكون أولاد هذا وقراباته قريبين منه، ولا يشعرونه بهذا الانفراد والوحدة، ويحصل له شيء من السلوة، فيحدثونه ويزودونه بما يجري حوله، من الأخبار، ومما يستجد لهم ولقراباتهم وللمجتمع وللعالم، فإذا جلس مع الناس عنده شيء يتحدث به، وشاركهم به، فلا يكون بعيدًا عنهم، عائشًا مع ذكرياته قبل ستين سنة، أو سبعين سنة، يتحدث عن الجمال والإبل والجمالين، وأشياء قديمة، والأولاد يقولون: نحن نحرج إذا جلسنا في المجلس ليس عنده إلا حكايتين، أو ثلاث يرددها، هو يرددها من أجلكم أنتم، تركتموه وحده، وليس عنده أي معلومات، ولا يدري ماذا يدور في هذا العالم؟ فإذا جلس مع الناس يريد أن يشارك يريد أن يتحدث، وما عنده شيء، وهذا خطأ، والمفروض أن يُعنى بهؤلاء، بحيث لا يشعرون بغربة بين أهليهم، والناس حولهم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
والله أعلم.
مختارات

