فقه الإيمان بالغيب (٣)
وعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية، ويقف العلم البشري: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)} [الأعراف: ١٨٨].
إن أمور الغيب كلها لله.
يكشفها الله إذا شاء.
ويعلم بها من شاء من خلقه.
وليست من شأن العقل.
والجدل حول الغيب عبث عقلي، وإقحام للعقل في غير ميدانه، وذلك سفر في إنفاق الطاقة العقلية في غير ما خلقت له، فمجال إثبات الأمور الغيبية.
ورود النص الشرعي بإثباتها فقط.
فالعين لها طاقة.
والأذن لها طاقة.
والعقل له طاقة.
وما أسفه العقل الذي ينفق طاقته في غير مجاله المأمون، فليكف العقل عما ليس من مجاله، وفوق طاقته، وحينئذ يستريح العقل، بالتسليم لله فيما يعلمه، وما لا يعلمه.
ويستريح القلب بالإيمان باله القادر على كل شيء العالم بكل شيء.
والقرآن يجيب الناس إذا سألوا عما هم في حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته، ولا يبدد الطاقة العقلية فيما لا ثمرة فيه ولا في غير مجالها الذي لا تملك وسائله ولا تحيط به.
ولذلك لما سأل الكفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الروح أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمر الله، اختص بعلمه دون سواه كما قال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)} [الإسراء: ٨٥].
وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل، ولكن فيه توجيهاً لهذا العقل أن يعمل في حدوده ومجاله الذي يدركه.
فلا جدوى من الخبط في التيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه، لأنه لا يملك وسائل إدراكه، فالعقل محدود، وإدراكه محدود.
والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه، وسر من أسراره، أودعه هذا المخلوق البشري، وكل ذي روح، وعلم الإنسان محدود بالنبة لعلم الله المطلق، بل علوم الإنسانية كلها التي علمها الله لا تساوي ذرة بالنسبة إلى علم الله.
وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود.
والإنسان عاجز ضعيف لا يدبر هذا الكون، فطاقاته ليست شاملة، وإنما وهب منها بقدر محيطه، وبقدر حاجته، ليقوم بالخلافة في الأرض.
ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض وفي هذه الحياة ما أبدع، ولكنه وقف حسيراً أمام الروح، وأمام العقل، وأمام القلب، ذلك السر اللطيف المودع في الإنسان.
لا يدري ما هو.
ولا يدري كيف جاء.
ولا كيف يذهب.
ولا أين يكون، لا يدري عن ذلك شيء إلا ما أعلمه به العليم الخبير.
إن النفس البشرية خلق ضعيف لا تستطيع أن تعيش بلا مجهول مغيب تكل إليه ما لا تعرفه، وما لا تقدر عليه، فإذا لم تكل المجهول المغيب إلى الإيمان بعلام الغيوب وكلته إلى الأوهام والخرافات التي لا تقف عند حد، ولا تخضع لعقل.
والذين يهربون من الإيمان بالله، ويستنكفون أن يكلوا الغيب إليه، لأنهم قد انتهوا إلى حد من العلم لا يليق معه بزعمهم أن يركعوا ويركنوا إلى الدين.
هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله ولا بدينه ولا بغيبه إنما يعاندون حقيقة الفطرة، وهي جوعتها إلى الإيمان، وعدم استغنائها عنه، وركونها إليه في تفسير كثير من حقائق هذا الكون التي لم يصل إليها علم البشر، وبعضه لن يصل إليه، لأنه أكبر من الطاقة البشرية، وخارج عن اختصاص الإنسان.
فعلم البشرية كلها لا يساوي ذرة بالنسبة للعلم الإلهي: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)} [الإسراء: ٨٥].
وسر الحياة كان وما يزال مغلقاً على الناس كلهم، سواء كان في النبات أو الحيوان أو الإنسان، فما يملك أحد حتى اللحظة أن يقول كيف جاءت هذه الحياة؟، ولا كيف تلبست بتلك الخلائق؟.
ولا بد من الرجوع فيها إلى مصدر وراء هذا الكون المنظور وهو الله: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)} [التغابن: ١٨].
وليس الإنسان وحده هو المحجوب عن غيب الله، بل كل من في السموات والأرض من خلق الله من ملائكة وأرواح، وإنس وجن، كلهم موكلون بأمور لا تستدعي انكشاف ستر الغيب لهم، فيبقى سره عند الله دون سواه.
فالحياة غيب.
والموت غيب.
والروح غيب.
والعقل غيب.
والآخرة غيب.
والجنة غيب.
والنار غيب.
والملائكة غيب.
والجن غيب.
والأقدار غيب.
ونزول الغيث غيب.
وما في الأرحام غيب.
ولا يعلم هذه الغيوب إلا الله وحده: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)} [الحجرات: ١٨].
والعلماء قسمان:
علماء الدنيا.
وعلماء الدين.
فعلماء الدنيا يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم غافلون عن الآخرة، يقفون عند هذا الظاهر ولا يرون ببصيرتهم ما وراءه.
ينظرون إلى الأسباب، ويجزمون بوقوع الأمر الذي انعقدت أسباب وجوده غير ناظرين إلى قضاء الله وقدره.
ومن العجيب أن هؤلاء بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب، وأعجبوا بعقولهم، ورأوا غيرهم عاجزاً عما أقدرهم الله عليه، فنظروا إليهم بعين الازدراء والاحتقار، وهم مع ذلك أبلد الناس في أمر دينهم، وأشدهم غفلة عن آخرتهم، وأقلهم معرفة بالعواقب.
وهذه العلوم التي أعطاهم الله، لو بنيت على الإيمان، لأثمرت الرقي العالي، والحياة الطيبة.
ولكن لما بني كثير منها على الإلحاد والمقاصد السيئة لم تثمر إلا هبوط الأخلاق، وأسباب الفناء والتدمير، فما أتعسهم وأشقاهم في الدنيا والآخرة.
فهؤلاء الذين: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)} [الروم: ٧].
وظاهر الحياة الدنيا محدود صغير مهما بدا للناس واسعاً شاملاً، والحياة كلها طرف صغير من هذا الوجود الهائل العظيم.
والذي لا يتصل قلبه بخالق هذا الوجود، ولا يتصل حسه بالسنن الإلهية التي تصرفه يظل ينظر وكأنه لا يرى، ويبصر الشكل الظاهر والحركة الدائرة ولكنه لا يدرك حكمته، ولا يرى مصرفه، وينشغل بالمخلوق عن الخالق، وأكثر الناس كذلك: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)} [البقرة: ١٨].
لأن الإيمان الحق هو وحده الي يصل ظاهر الحياة بأسرار الوجود، وهو الذي يمنح العلم روحه الذي به يدرك ويعرف خالق الوجود.
والمؤمنون هذا الإيمان قلة في مجموع الناس، ومن ثم تظل الأكثرية محجوبة عن معرفة الحق: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)} [الروم: ٦، ٧].
فالدنيا صفحة من صفحات الكون الكثيرة، والآخرة حلقة في سلسلة النشأة، وصفحة أخرى من الوجود، والذين لا يدركون حكمة النشأة ولا يعلمون صفحات الوجود، يغفلون عن الآخرة، ولا يحسبون حسابها ولا يعرفون أنها صفحة في كتاب الوجود ونقطة في خط سير الوجود لا بد أن يمر بها الإنسان.
والغفلة عن الآخرة تجعل كل المقاييس والموازين، والأفكار والأعمال تختل عند هؤلاء الغافلين، فلا يملكون تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصوراً صحيحاً، ويظل علمهم بها ظاهراً سطحياً ناقصاً، لأن حساب الآخرة في نظر الإنسان، يغير نظرته لكل ما يقع في هذه الأرض.
فحياة الإنسان في الأرض إن هي إلا مرحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون، حيث كان في صلب أبيه، ثم خرج إلى بطن أمه، ثم خرج إلى الأرض، ثم ينزل إلى القبر، ثم يخرج في النهاية إلى دار القرار في الجنة أو النار.
ونصيبه في هذه الأرض إن هو إلا قدر زهيد من نصيبه الضخم في الوجود، والأحداث التي تحصل في هذه الأرض إن هي إلا فصل قصير من كتاب كبير.
إن المسلم والكافر كلاهما قادم إلى تلك الدار الآخرة، ولكن المؤمن مستعد لها لمعرفته بها، والكافر غير مستعد لها، لأنه لا يؤمن بها.
ومن هنا لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينظر ما وراءها.
فلكل منهما ميزان، ولكل منها خط، ولكل منهما اتجاه، ولكل منهما جزاء.
هذا يرى ظاهراً من الحياة الدنيا، وذاك يدرك ما وراء الظاهر:
يرى المخلوق ويتجاوزه إلى الخالق.
ويرى الصور ويتجاوزها إلى المصور.
ويدرك أن هذا الكون يسير بسنن لا تتبدل بأمر وإذن من رب العالمين.
سنن شاملة للظاهر والباطن.
والغيب والشهادة.
والدنيا والآخرة.
والحياة والموت.
والثواب والعقاب.
وهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه، ويرفعها به إلى المكان الكريم اللائق بها في الدنيا والآخرة.
فهذا الكون كله قائم على الحق، يسير وفق السنن الربانية.
ومن مقتضيات هذا الحق الذي يقوم عليه الوجود أن تكون هناك آخرة يتم فيها الجزاء على العمل، ويلقى أهل الخير والشر عاقبتهما فيها كاملة، وإنما كل شيء له أجل مرسوم يسير وفق حكمة مدبرة، وكل شيء يجيء في موعده لا يتقدم لحظة ولا يتأخر.
وإذا لم يعلم البشر متى تقوم الساعة فإن هذا ليس معناه أنها لا تكون، ولكن تأجيلها يغري الذين لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ويخدعهم.
فماذا ينتظر هؤلاء من العذاب والعقاب؟.
{إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)} [يونس: ٧، ٨].
وماذا ينتظر المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان ومقتضاه من الأعمال الصالحة المشتملة على أعمال القلوب، وأعمال الجوارح، على وجه الإخلاص والمتابعة؟.
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)} [يونس: ٩، ١٠].
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
«اللَّهُمَّ! رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» أخرجه مسلم (١).
(١) أخرجه مسلم برقم (٧٧٠).
مختارات

