فوائد من رسالة اختيار الأولى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى .
A
حديث مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ - رضي الله عنه - قَالَ: احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى قَرْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيعًا فَثَوَّبَ بِالصَّلَاةِ وَصَلَّى وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: «كَمَا أَنْتُمْ عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ». ثُمَّ أَقْبَلَ (إِلَيْنَا) فَقَالَ: "إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ: إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي، فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي -عَزَّ وَجَلَّ- فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟
قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟. قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي يا رَبِّ فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّه بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي، وَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟.
قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتُ.
قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟.
قُلْتُ: نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ (عَلَى) الْكَرِيهَاتِ.
فَقَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ.
قَالَ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ".
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا».
وخرّجه الترمذي ، وقال: "حديث (حسن صحيح) "، قال: وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا، فَقَالَ: "هذا حديث حسن صحيح .
قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟. قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي يا رَبِّ فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّه بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي، وَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟.
قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتُ.
قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟.
قُلْتُ: نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ (عَلَى) الْكَرِيهَاتِ.
فَقَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ.
قَالَ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ".
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا».
وخرّجه الترمذي ، وقال: "حديث (حسن صحيح) "، قال: وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا، فَقَالَ: "هذا حديث حسن صحيح .
وأما وصف النبي صلّى الله عليه وسلم لربه عز وجل بما وصفه به فكل ما وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - به ربه عز وجل فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله عز وجل به نفسه مع نفي التمثيل عنه، ومن أشكل عليه فهم شيء من ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدح الله تعالى به الراسخين في العِلْم وأخبر عنهم أنهم يَقُولُونَ عند المتشابه: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}
الفصل الأول في ذكر الكفَّارات
وهي إسباغ الوضوء في الكريهات، ونقل الأقدام إِلَى الجُمعات (أو) (*) الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات.
وسميت هذه كفارات لأنها تكفر الخطايا والسيئات، ولذلك جاء في بعض الروايات: "من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه".
وهي إسباغ الوضوء في الكريهات، ونقل الأقدام إِلَى الجُمعات (أو) (*) الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات.
وسميت هذه كفارات لأنها تكفر الخطايا والسيئات، ولذلك جاء في بعض الروايات: "من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه".
قوله تعالى: {لِيُطَهِّرَكُمْ} يشمل طهارة ظاهر البدن بالماء، وطهارة الباطن من الذنوب والخطايا، وإتمامُ النعمة إِنَّمَا يحصل بمغفرة الخطايا وتكفيرها .
في "صحيح مسلم" عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:
"مَنْ تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ: أشهد أَن لَا اله الا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ الثَمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ".
"مَنْ تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ: أشهد أَن لَا اله الا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ الثَمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ".
في "صحيح مسلم"عن عثمان رضي الله عنه أنَّه توضأ ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: "من توضأ هكذا غُفرَ له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إِلَى المسجد نافلة".
وفيه أيضاً عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره".
وفيه أيضاً عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره".
فهاهنا أمران:
أحدهما: إسباغ الوضوء، وهو إتمامه إبلاغه مواضعه الشرعية كالثوب السابغ المغطي للبدن.
وفي "مسند البزار" عن عثمان مرفوعًا: "من توضأ فأسبغ الوضوء غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"
حسن
أحدهما: إسباغ الوضوء، وهو إتمامه إبلاغه مواضعه الشرعية كالثوب السابغ المغطي للبدن.
وفي "مسند البزار" عن عثمان مرفوعًا: "من توضأ فأسبغ الوضوء غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"
حسن
وثانيهما: أن يكون إسباغه عَلَى الكريهات، والمراد أن يكون عَلَى حالة تكره النفس فيها الوضوء...
وفُسِّرت الكريهات بالبرد الشديد، ويشهد له أن في بعض روايات حديث معاذ: "... إسباغ الوضوء (عَلَى) السبرات"، والسبرة: شدة البرد .
وفُسِّرت الكريهات بالبرد الشديد، ويشهد له أن في بعض روايات حديث معاذ: "... إسباغ الوضوء (عَلَى) السبرات"، والسبرة: شدة البرد .
ويجب الصبر عَلَى الألم بذلك، فإن حصل به الرضى فذلك مقام خواصِّ العارفين المحبين، وينشأ الرضا بذلك عن ملاحظة أمور:
أحدها: تذكر فضل الوضوء من حطَّه للخطايا، ورفعه للدرجات وحصول الغرة والتحجيل به، وبلوغ الحلية في الجنة إِلَى حيث يبلغ، وهذا كما انكسر ظفر بعض الصالحات من السَّلف من عثرة عثرتها فضحكت وقالت: أنساني حلاوة ثوابه مرارة وجعه.
وقال بعض العارفين: من لم يعرف ثواب الأعمال ثَقُلت عليه في جميع الأحوال.
أحدها: تذكر فضل الوضوء من حطَّه للخطايا، ورفعه للدرجات وحصول الغرة والتحجيل به، وبلوغ الحلية في الجنة إِلَى حيث يبلغ، وهذا كما انكسر ظفر بعض الصالحات من السَّلف من عثرة عثرتها فضحكت وقالت: أنساني حلاوة ثوابه مرارة وجعه.
وقال بعض العارفين: من لم يعرف ثواب الأعمال ثَقُلت عليه في جميع الأحوال.
رُوي عن زبيد اليامي رحمه الله أنَّه قام ليلة للتهجد -[وكان] البرد شديدًا- فلما أدخل يده في الإناء وجد شدة برده فذكر زمهرير جهنم فلم يشعر ببرد الماء بعد ذلك، وبقيت يده في الماء حتى أصبح، فقالت له جاريته: مالك لم تصل الليلة كما كنت تصلي؟!.
فَقَالَ: إني لما وجدت شدة برد الماء (ذكرتُ) زمهرير جهنم فما شعرت به حتى أصبحت، فلا تخبري بهذا أحدًا ما دمت حيًّا.
فَقَالَ: إني لما وجدت شدة برد الماء (ذكرتُ) زمهرير جهنم فما شعرت به حتى أصبحت، فلا تخبري بهذا أحدًا ما دمت حيًّا.
قال بعض العارفين: بالمعرفة هانت عَلَى العاملين العبادة.
قال سعيد بن عامر: بلغني أن إبراهيم الخليل عليه السلام كان إذا توضأ سُمع لعظامه قعقعة .
قال سعيد بن عامر: بلغني أن إبراهيم الخليل عليه السلام كان إذا توضأ سُمع لعظامه قعقعة .
وكان علي بن الحسين رضي الله عنهما إذا توضأ اصفر لونه، فيقال له: ما هذا الَّذِي يعتريك عند الوضوء ؟!. فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم ؟.
وكان منصور بن زاذان رحمه الله إذا فرغ من وضوئه يبكي حتى يرتفع صوته، (فقيل) له: ما شأنك ؟!. (فَقَالَ) : وأي شيء أعظم من شأني، إني أريد أن أقوم بين يدي من لا تأخذه سنة ولا نوم، فلعله (يعرض) عني.
وكان عطاء السليمي رحمه الله إذا فرغ من وضوئه ارتعد وانتفض وبكى بكاءً شديدًا، فقِيلَ لَهُ في ذلك، فَقَالَ: إني أريد أن أتقدم إِلَى أمر عظيم: إني أريد أن أقوم بين يدي الله عز وجل.
وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله: قرأت في بعض الكتب: يقول الله عز وجل: "بعيني ما تحمَّل المتحمِّلون من أجلي، وكابد المكابدون في طلب مرضاتي، فكيف بهم وقد صاروا في جواري، وتبحبحوا في رياض خلدي ؟
فهنالك فليبشر المُصَفُّون لله أعمالهم بالمنظر العجيب من الحبيب القريب، أترون أني أضيع لهم عملاً ؟
فكيف وأنا أجود عَلَى المولين عني، فكيف بالمقبلين إليّ ؟ ".
فهنالك فليبشر المُصَفُّون لله أعمالهم بالمنظر العجيب من الحبيب القريب، أترون أني أضيع لهم عملاً ؟
فكيف وأنا أجود عَلَى المولين عني، فكيف بالمقبلين إليّ ؟ ".
فمن امتلأ قلبه من محبة الله عز وجل أَحَبّ ما يحبه وإن شق عَلَى النفس وتألمت به ، كما يقال : المحبة تهوَّن الأثقال.
وقال بعض السَّلف في مرضه: أحَبُّهُ إِلَيّ أحَبُّهُ إِلَيْهِ .
وكما قيل:
فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وكما قيل أيضاً:
في حبكم يهون ما قد ألقى... ما يسعد بالنعيم من لا يشقى
وقال بعض السَّلف في مرضه: أحَبُّهُ إِلَيّ أحَبُّهُ إِلَيْهِ .
وكما قيل:
فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وكما قيل أيضاً:
في حبكم يهون ما قد ألقى... ما يسعد بالنعيم من لا يشقى
من خدم من يحب تلذّذ بشقائه في خدمته.
وقال بعضهم: القلبُ المحبُّ لله يحب النصب له.
وقال عبد الصمد: أوجدهم في عذابه عُذوبة.
وقال بعضهم: القلبُ المحبُّ لله يحب النصب له.
وقال عبد الصمد: أوجدهم في عذابه عُذوبة.
عن عطاء بن يسار رحمه الله قال: "قال موسى عليه السلام: يا رب ! من أهلك الذين هم أهلك، الذين تظلهم في ظل عرشك ؟.
قال: هم البريئة (أيديهم)، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذُكرت ذكروا بي، وإذا ذُكروا ذكرت بذكرهم، الذين يُسبغون الوضوء في المكاره، ويُنيبون إِلَى ذكري كما تنيب النسور إِلَى أوكارها، ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حَرِبَ ".
قال: هم البريئة (أيديهم)، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذُكرت ذكروا بي، وإذا ذُكروا ذكرت بذكرهم، الذين يُسبغون الوضوء في المكاره، ويُنيبون إِلَى ذكري كما تنيب النسور إِلَى أوكارها، ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حَرِبَ ".
وقد يخرق الله العادة لبعض المحبِّين له فلا يجد ألم برد الماء، كما كان بعض السَّلف قد دعا الله أن يهوِّن عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء وله بخار، وربما سُلِب بعضهم الإحساس في الحرِّ والبرد مطلقًا.
وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قد دعا له النبي صلّى الله عليه وسلم أن يذهب الله عنه الحر والبرد، فكان يلبس في الصيف لباس الشتاء، وفي الشتاء لباس الصيف .
في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: "صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسة وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاَةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ".
وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:
" مَنْ رَاحَ إِلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فَخَطَوَاتِهِ: خَطْوَةٌ تَمْحُو سَيِّئَةً، وَخَطْوَةٌ تُكْتَبُ حَسَنَةٌ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا ".
الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح
" مَنْ رَاحَ إِلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فَخَطَوَاتِهِ: خَطْوَةٌ تَمْحُو سَيِّئَةً، وَخَطْوَةٌ تُكْتَبُ حَسَنَةٌ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا ".
الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح
والمشي إِلَى الجُمُعات له مزيد فضل، لاسيما إن كان بعد الاغتسال، كما في السنن (5) عن أوس بن أوس -عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ، وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَجْرُ سَنَةٍ: صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا». حسنه الترمذي والألباني
وكلما بعد المكان الَّذِي يمشي منه إِلَى المسجد كان المشي منه أفضل لكثرة الخُطا.
وكلما بعد المكان الَّذِي يمشي منه إِلَى المسجد كان المشي منه أفضل لكثرة الخُطا.
وكان النبي صلّى الله عليه وسلم لا يخرجُ إِلَى الصلاة إلا ماشيًا حتى العيد يخرج إِلَى المُصلَّى ماشيًا، فإن الآتي للمسجد زائر الله، والزيارة عَلَى الأقدام أقربُ إِلَى الخضوع والتذلل كما قيل:
لو جئتكم زائرًا أسعى عَلَى بصري... لم أدِّ حفًّا وأي الحق أديت ؟!
لو جئتكم زائرًا أسعى عَلَى بصري... لم أدِّ حفًّا وأي الحق أديت ؟!
ومن كان في سخطه محسنًا... فكيف يكون إذا ما رضي؟!
لما كانت الصلاة صلة بين العبد وربه، ومناجاة تظهر فيها آثارُ تَجَلِّيه لقلوب العارفين وقربه، شرع قبل الدخول فيها الطهارة، فإنَّه لا يصلح للوقوف بين يدي الله عز وجل والخلوة بمناجاته إلا طاهر، فأما المتلوث بالأوساخ الظاهرة والباطنة فلا يصلح للقرب، فشرع الله عز وجل للمُصلي غسل أعضائه بالماء، ورتب عليها طهارة الذنوب وتكفيرها، حتى يجتمع لمن يريد المناجاة طهارة ظاهره وباطنه، ثم شرع المشي إِلَى المساجد.
لما كانت الصلاة صلة بين العبد وربه، ومناجاة تظهر فيها آثارُ تَجَلِّيه لقلوب العارفين وقربه، شرع قبل الدخول فيها الطهارة، فإنَّه لا يصلح للوقوف بين يدي الله عز وجل والخلوة بمناجاته إلا طاهر، فأما المتلوث بالأوساخ الظاهرة والباطنة فلا يصلح للقرب، فشرع الله عز وجل للمُصلي غسل أعضائه بالماء، ورتب عليها طهارة الذنوب وتكفيرها، حتى يجتمع لمن يريد المناجاة طهارة ظاهره وباطنه، ثم شرع المشي إِلَى المساجد.
وفيه أيضاً: تكفير الخطايا حتى تكمل طهارة الذنوب إن بقى منها شيء بعد الوضوء، حتى لا يقف العبد في مقام المناجاة إلا بعد كمال طهارة ظاهره وباطنه من درن الأوساخ والذنوب.
ولهذا شرع له تجديد التوبة والاستغفار عقب كل وضوء حتى تكمل طهارة ذنوبه كما خرَّج النسائي من حديث أبي سعيد مرفوعًا وموقوفًا: "من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم قال عند فراغه من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك خُتم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش فلم يكسر إِلَى يوم القيامة". واصله صحيح
ولهذا شرع له تجديد التوبة والاستغفار عقب كل وضوء حتى تكمل طهارة ذنوبه كما خرَّج النسائي من حديث أبي سعيد مرفوعًا وموقوفًا: "من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم قال عند فراغه من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك خُتم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش فلم يكسر إِلَى يوم القيامة". واصله صحيح
ومتى اجتهد العبد عَلَى تكميل طهارته ومشيه إِلَى المسجد ولم يقوَ ذلك عَلَى تكفير ذنوبه فإن الصلاة يكمل بها التكفير، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: "أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ "
قالوا: لا ييقى من درنه شيء.
قال: " فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا ".
قالوا: لا ييقى من درنه شيء.
قال: " فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا ".
وإن قويَ الوضوء وحده عَلَى تكفير الخطايا فالمشي إِلَى المسجد والصلاة بعده تكون زيادة حسنات، وهذا هو المراد بقول النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث عثمان والصنابحي: "... وكان مشيه إِلَى المسجد وصلاته نافلة "
واعلم أن جمهور العُلَمَاء عَلَى أن هذه الأسباب كلها إِنَّمَا تكفر الصغائر دون الكبائر، وقد استدل بذلك عطاء وغيره من السَّلف في الوضوء.
وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: الوضوء يكفر الجراحات الصغار، والمشي إِلَى المسجد يكفر (أكثر) من ذلك، والصلاة تكفر (أكثر) من ذلك. خرَّجه محمد بن نصر المروزي
وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: الوضوء يكفر الجراحات الصغار، والمشي إِلَى المسجد يكفر (أكثر) من ذلك، والصلاة تكفر (أكثر) من ذلك. خرَّجه محمد بن نصر المروزي
فانظر إِلَى كم تُيَسَّرُ لك أسباب تكفير الخطايا لعلك تطهر منها قبل الموت فتلقاه طاهرًا، فتصلح لمجاورته في دار السلام، وأنت تأبى إلا أن تموت عَلَى خبث الذنوب فتحتاج إِلَى تطهيرها في كير جهنم.
يا هذا ! أما علمت أنَّه لا يصلح لقربنا إلا طاهر ؟! فإن أردت قربنا ومناجاتنا اليوم فطهِّر ظاهرك وباطنك لتصلح لذلك، وإن أردت قربنا ومجاورتنا غدًا فطهر قلبك من سوانا لتصلح لمجاورتنا {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} ، القلب السليم الَّذِي ليس فيه غير محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، فما كل أحد يصلح لمجاورة الله تعالى غدًا، ولا كل أحد يصلح لمناجاة الله اليوم، ولا عَلَى كل الحالات تحسن المناجاة:
الناس من الهوى عَلَى أصناف... هذا نقض العهد وهنا وافي
هيهات من الكدور تبغي الصافي... ما يصلح للحضرة قلبٌ جافي
يا هذا ! أما علمت أنَّه لا يصلح لقربنا إلا طاهر ؟! فإن أردت قربنا ومناجاتنا اليوم فطهِّر ظاهرك وباطنك لتصلح لذلك، وإن أردت قربنا ومجاورتنا غدًا فطهر قلبك من سوانا لتصلح لمجاورتنا {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} ، القلب السليم الَّذِي ليس فيه غير محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، فما كل أحد يصلح لمجاورة الله تعالى غدًا، ولا كل أحد يصلح لمناجاة الله اليوم، ولا عَلَى كل الحالات تحسن المناجاة:
الناس من الهوى عَلَى أصناف... هذا نقض العهد وهنا وافي
هيهات من الكدور تبغي الصافي... ما يصلح للحضرة قلبٌ جافي
السبب الثالث من مكفرات الذنوب الجلوس في المساجد بعد الصلوات
والمراد بهذا الجلوس انتظارُ صلاةٍ أخرى كما في حديث أبي هريرة: "... وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" فجعل هذا من الرباط في سبيل الله عز وجل، وهذا أفضل من الجلوس قبل الصلاة لانتظارها فإن الجالس لانتظار الصلاة ليؤديها ثم يذهب تقصر مدة انتطاره، بخلاف من صلّى صلاة ثم جلس ينتظر أخرى فإن مدته تطول، فإن كان كلما صلّى صلاة جلس ينتظر ما بعدها فقد استغرق عمره بالطاعة، وكان ذلك بمنزلة الرباط في سبيل الله عز وجل.
والمراد بهذا الجلوس انتظارُ صلاةٍ أخرى كما في حديث أبي هريرة: "... وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" فجعل هذا من الرباط في سبيل الله عز وجل، وهذا أفضل من الجلوس قبل الصلاة لانتظارها فإن الجالس لانتظار الصلاة ليؤديها ثم يذهب تقصر مدة انتطاره، بخلاف من صلّى صلاة ثم جلس ينتظر أخرى فإن مدته تطول، فإن كان كلما صلّى صلاة جلس ينتظر ما بعدها فقد استغرق عمره بالطاعة، وكان ذلك بمنزلة الرباط في سبيل الله عز وجل.
وأما الجالس قبل الصلاة في المسجد لانتظار تلك الصلاة خاصة فهو في صلاة حتى يصلي، وفي "الصحيحين " عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنَّه لما أخر صلاة العشاء الآخرة ثم خرج فصلى بهم: قال لهم: "إنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ".
حديث أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: "لا يوطِّنُ رجلٌ المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله عز وجل به كما يتبشبش أهل الغائب إذا قَدِمَ عليهم غائبهم" .
إسناده صحيح
وقال سعيد بن المسيب رحمه الله : من جلس في المسجد فإنما يجالس الله عز وجل .
إسناده صحيح
وقال سعيد بن المسيب رحمه الله : من جلس في المسجد فإنما يجالس الله عز وجل .
لما كانت المساجد في الأرض بيوت الله أضافها الله إِلَى نفسه تشريفًا لها،
وتعلّقت قلوب المحبين لله عز وجل بها، لنسبتها إِلَى محبوبهم، وارتاحوا إِلَى ملازمتها لإظهار ذكره فيها {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} .
وتعلّقت قلوب المحبين لله عز وجل بها، لنسبتها إِلَى محبوبهم، وارتاحوا إِلَى ملازمتها لإظهار ذكره فيها {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} .
أين يذهب المحبون عن بيوت مولاهم ؟!
قلوبُ المحبين ببيوت محبوبهم متعلقة، وأقدام العابدين إِلَى بيوت معبودهم مترددة:
يا حبّذا العرعرُ النجدي والبان... ودارُ قومٍ بأكناف الحِمى بانوا
وأطيبُ الأرض ما للقلبِ فيه هوى... سَمُّ الخَياط مع المحبوبِ ميدانُ
لا يُذكرُ الرَّملُ إلا حَنَّ مُغتربٌ... له بذي الرمل أوطارٌ وأوطانُ
يهفو إلى البان من قلبي نوازعُه... وما بيَ البانُ بل مَن دارهُ البانُ
قلوبُ المحبين ببيوت محبوبهم متعلقة، وأقدام العابدين إِلَى بيوت معبودهم مترددة:
يا حبّذا العرعرُ النجدي والبان... ودارُ قومٍ بأكناف الحِمى بانوا
وأطيبُ الأرض ما للقلبِ فيه هوى... سَمُّ الخَياط مع المحبوبِ ميدانُ
لا يُذكرُ الرَّملُ إلا حَنَّ مُغتربٌ... له بذي الرمل أوطارٌ وأوطانُ
يهفو إلى البان من قلبي نوازعُه... وما بيَ البانُ بل مَن دارهُ البانُ
وفي حديث عبد الله بن سلام الَّذِي خرّجه "أهل السنن" أنَّه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أول قدومه المدينة يقول: "أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". صحيح
فأفضل أنواع إطعام الطعام: الإيثار مع الحاجة كما وصف الله تعالى بذلك الأنصار رضي الله عنهم فَقَالَ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ، وقد صحَّ أن سبب نزولها أن رجلاً منهم أخذ ضيفًا من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - يضيفه، فلم يجد عنده إلا قوت صبيانه، فاحتال هو وامرأته حتى نوّما صبيانهما، وقام إِلَى السراج كأنه يصلحه فأطفأه، ثم جلس مع الضيف يريه أنَّه يأكل معه ولم يأكل، فلما غدا عَلَى رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال له: "عجب الله من صنيعكما الليلة". ونزلت هذه الآية البخاري
وكان كثير من السَّلف يؤثر بفطوره غيره وهو صائم ويصبح صائما، منهم: عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وداود الطائي، وعبد العزيز بن سليمان، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل وغيرهم.
وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه فلم يفطر في تلك الليلة.
وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه فلم يفطر في تلك الليلة.
ومنهم من كان لا يأكل إلا مع ضيف له، قال أبو السوار العدوي: كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم عَلَى طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إِلَى المسجد (فأكله) مع الناس، وأكل الناس معه
وكان منهم (من السلف) من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم، منهم الحسن وابن المبارك، وكان ابن المبارك ربما يشتهي الشيء فلا يصنعه إلا لضيف ينزل به فيأكله مع ضيفه.
كان بعضهم يعمل الأطعمة الفاخرة ثم يطعمها إخوانه الفقراء، ويقول: إنهم لا يجدونها. ومنهم من يقول: إني لا أشتهيه، وإنَّما صنعته لأجلكم. وبعضهم اتخذ حلاوة فأطعمها المعتوه، فَقَالَ له أهله: إن هذا لا يدري!. فَقَالَ: لكن الله يدري.
واشتهى الربيع بن خثيم حلواء فلما صنعت له دعا بالفقراء فأكلوا، فَقَالَ له أهله: أتعبتنا ولم تأكل!. فَقَالَ: ومن أكله غيري!
وقال آخر منهم -وجرى له نحو من ذلك:- إذا أكلته كان في الحش، وإذا أطعمته كان عند الله مذخورًا.
ورُوي عن علي رضي الله عنه قال:
لأنّ أجمع أناسًا من إخواني عَلَى صاع من طعام، أَحَبّ إِلَيَّ من أن أدخل سوقكم هذا فأبتاع نسمة فأعتقها.
لأنّ أجمع أناسًا من إخواني عَلَى صاع من طعام، أَحَبّ إِلَيَّ من أن أدخل سوقكم هذا فأبتاع نسمة فأعتقها.
أأصف الإيثار لمن يبخل بأداء الحقوق الواجبة عليه؟! أأطلب الشجاعة من الجبان، وأستشهد عَلَى رؤية الهلال من هو من جملة العميان؟! كم بين من قيل فيه: {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ} وبين من قيل فيه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ].؟! كم بيننا وبين القوم كما بين اليقظة والنوم.
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
فيا من يطمع في علو الدرجات من غير عمل صالح هيهات هيهات! {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} .
نزلوا بمكة في قبائل هاشم... ونزلت بالبيداء أبعد منزل
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
فيا من يطمع في علو الدرجات من غير عمل صالح هيهات هيهات! {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} .
نزلوا بمكة في قبائل هاشم... ونزلت بالبيداء أبعد منزل
جمع (النبي صلى الله عليه وسلم) بين إطعام الطعام ولين الكلام ليكمل بذلك الإحسان إِلَى الخلق بالقول والفعل، فلا يتم الإحسان بإطعام الطعام إلا بلين الكلام وإفشاء السلام، فإن أساء بالقول بطل الإحسان بالفعل من الإطعام وغيره كما قاله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} .
ربما كان معاملة النَّاس بالقول الحسن أَحَبّ إليهم من الإحسان بإعطاء المال كما قال لقمان لابنه: يا بني ! لتكن كلمتك طيبة، ووجهك منبسطا، تكن أَحَبّ إِلَى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة .
وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم يلين القول لمن يشهد له بالشر فينتفي بذلك شره، وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يواجه أحدًا بما يكره في وجهه، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - فحاشًا ولا متفحشًا.
ورُوي عن ابن عمر أنَّه كان ينشد:
بني إن البر شيء هين... وجه طليق وكلام لين
ولبعضهم:
خذ العفو وأمر بعرف كما... أمرت وأعرض عن الجاهلين
ولن في الكلام لكل الأنام... فمستحسن من ذوي الجاه لين
وقد وصف الله عز وجل في كتابه أهل الجنة بمعاملة الخلق بالإحسان بالمال واحتمال الأذى،
ورُوي عن ابن عمر أنَّه كان ينشد:
بني إن البر شيء هين... وجه طليق وكلام لين
ولبعضهم:
خذ العفو وأمر بعرف كما... أمرت وأعرض عن الجاهلين
ولن في الكلام لكل الأنام... فمستحسن من ذوي الجاه لين
وقد وصف الله عز وجل في كتابه أهل الجنة بمعاملة الخلق بالإحسان بالمال واحتمال الأذى،
الإنفاق في السراء والضراء يقتضي غاية الإحسان بالمال من الكثرة والقلة، وكظم الغيظ والعفو عن الناس يقتضي عدم المقابلة عَلَى السوء بمثله من قول وفعل، وذلك يتضمن إلانة القول، واجتناب الفحش والإغلاظ في المقال ولو كان مباحًا، وهذا نهاية الإحسان، فلهذا قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
سئل عن حسن الخلق، فَقَالَ: بذل الندى وكف الأذى. وهذا الوصف المذكور في القرآن أكملُ من هذا، لأنّه وصفهم ببذل الندى، واحتمال الأذى .
وحُسن الخُلُق يبلغ به العبد درجات المجتهدين في العبادة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم النهار، القائم الليل " .
ورؤي بعض السَّلف في المنام فسئل عن بعض إخوانه الصالحين، فَقَالَ: وأين ذلك ؟ رُفع في الجنة بحُسن الخلق.
ومما يندب إِلَى إلانة القول فيه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون برفق كما قال تعالى في حق الكفار: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} .
وكان أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه إذا رأوا قومًا عَلَى ما يُكره يَقُولُونَ لهم: مهلاً مهلاً بارك الله فيكم.
ودُعي الحسن البصري رحمه الله إِلَى دعوة، فجيء بآنية فضة فيها حلواء، فأخذ الحسن الحلواء فقلبها عَلَى رغيف وأكل منها، فَقَالَ بعض من حضر: هنا نهيٌ في سكون.
رأى الفُضيلَ رجلٌ يعبث في صلاته فزبره، فقال له الرجل: يا هذا ! ينبغي لمن يقوم لله أن يكون ذليلاً. فبكى الفضيل، وقال له: صدقت.
قال شعب بن حرب: ربما مرَّ سفيان الثوري بقوم يلعبون الشطرنج، فيقول: ما يصنع هؤلاء ؟ فيقال له: يا أبا عبد الله ينظرون في كتاب. فيُطأطئ رأسه ويمضي، وإنَّما يريد بذلك ليُعلم أنه قد أنكر.
وقال سفيان الثوري رحمه الله :
لا يأمرُ بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر ، عالم بما ينهى .
لا يأمرُ بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر ، عالم بما ينهى .
وقال الإمام أحمد: الناس يحتاجون إِلَى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجلاً معلنًا بالفسق فإنَّه لا حرمة له.
وكان كثير من السَّلف لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا سرًّا فيما بينه وبين من يأمره وينهاه .
وقالت أم الدرداء رضي الله عنها: من وعظ أخاه سرًّا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شأنه .
وقالت أم الدرداء رضي الله عنها: من وعظ أخاه سرًّا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شأنه .
وكذلك مقابلة الأذى بإلانة القول كما قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، وقال تعالى: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ}]، قال بعض السَّلف: هو الرجل يسبه الرجل فيقول له: إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك .
قال رجل لسالم بن عبد الله وقد زحمت راحلتُه راحلتَه في سفر: ما أراك إلا رجل سوء. فَقَالَ له سالم رحمه الله: ما أراك أبعدت.
وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مُرائي !. قال: متى عرفت اسمي ؟! ما عرفه أحدٌ من أهل البصرة غيرك.
ومرَّ بعضهم عليَّ صبيان يلعبون بجوزٍ، فوطئ عَلَى بعض الجوز بغير اختياره فكسره، فَقَالَ له الصبي: يا شيخ النار! فجلس الشيخ يبكي ويقول: ما عرفني غيره.
ومرَّ بعضهم عليَّ صبيان يلعبون بجوزٍ، فوطئ عَلَى بعض الجوز بغير اختياره فكسره، فَقَالَ له الصبي: يا شيخ النار! فجلس الشيخ يبكي ويقول: ما عرفني غيره.
ومرَّ بعضهم مع أصحابه في طريق فرموا عليهم رمادًا، فَقَالَ الشيخ لأصحابه: من يستحق النار فصالحوه عَلَى الرماد ؟! يعني فهو رابح.
ورأى جندي إبراهيم بن أدهم خارج البلد فسأله عن العمران، فأشار له إِلَى القبور، فضرب رأسه ومضى، فقِيلَ لَهُ إنه إبراهيم بن أدهم ! فرجع يعتذر إِلَيْهِ، فَقَالَ له إبراهيم: الرأس الَّذِي يحتاج إِلَى اعتذارك تركته ببلخ.
ومرَّ به جندي آخر وهو ينظر بستانًا لقوم بأجرة، فسأله أن يناوله شيئًا فلم يفعل وقال: إن أصحابه لم يأذنوا لي في ذلك. فضرب رأسه، فجعل إبراهيم يُطأطئ رأسه وهو يقول: اضرب رأسًا طالما عصى الله .
من أجلك قد جعلت خدي أرضًا... للشامت والحسود حتى ترضى
من أجلك قد جعلت خدي أرضًا... للشامت والحسود حتى ترضى
الصلاة بالليل من موجبات الجنة ... قد دلّ عليه قول الله عز وجل: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} ، فوصفهم بالتيقظ بالليل، والاستغفار بالأسحار، وبالإنفاق من أموالهم.
وكان بعض السَّلف نائمًا فأتاه آتٍ في منامه فَقَالَ له: قم فصلِّ، أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل، هم خُزّانها هم خُزّانها.
وقيام الليل يوجب علو الدرجات في الجنة، قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} ، فجعل جزاءه عَلَى التهجد بالقرآن بالليل أن يبعثه المقام المحمود، وهو أعلى درجاته - صلى الله عليه وسلم - .
قال عون بن عبد الله : يدخل الله الجنة أقوامًا فيعطيهم حتى يملوا، وفوقهم ناس في الدرجات العلى، فلما نظروا إليهم عرفوهم، فقالوا: ربنا إخواننا كنا معهم، فبم فضلتهم علينا ؟ فيقول: هيهات هيهات ! إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمئون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويشخصون حين تخفضون".
ويوجب أيضاً من نعيم الجنة ما لم يطلع عليه العباد في الدُّنْيَا، قال الله عز وجل: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وفي "الصحيح" عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر عَلَى قلب بشر. اقرءوا إن شئتم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
قال بعض السَّلف: أخفوا لله العمل فأخفى الله لهم الجزاء، فلو قدموا عليه لأقر تلك الأعين عنده.
قال بعض السَّلف: أخفوا لله العمل فأخفى الله لهم الجزاء، فلو قدموا عليه لأقر تلك الأعين عنده.
ومما يجزي به المتهجدين في الليل: كثرة الأزواج من الحور العين في الجنة، فإن المتهجد قد ترك لذة النوم ولذة التمتع بأزواجه طلبًا لما عند الله عز وجل، فعوضه الله تعالى خيرًا مما تركه وهو الحور العين في الجنة، ومن هنا قال بعضهم: طول التهجد مهور الحور العين في الجنة.
وكان بعض السَّلف يحيى الليل بالصلاة ففتر عن ذلك، فأتاه آتٍ في منامه فَقَالَ له: قد كنت يا فلان تدأب في الخطبة، فما الَّذِي قصر بك عن ذلك ؟. قال: وما ذلك ؟. قال: كنت تقوم من الليل، أو ما علمت أن المتهجد إذا قام إِلَى التهجد قالت الملائكة: قد قام الخاطب إِلَى خطبته ؟!
ورأى بعضهم في منامه امرأة لا تشبه نساء الدُّنْيَا فَقَالَ لها: من أنت ؟ قالت: حوراء أمة الله. فَقَالَ لها: زوجيني نفسك. قالت: اخطبني إِلَى سيدي وأمهرني. قال: وما مهرك ؟. قالت: طولُ التهجد.
نام بعض المتهجدين ذات ليلة فرأى في منامه حوراء تنشد:
أتخطب مثلي وعني تنام... ونوم المحبين عنا حرام
لأنا خلقنا لكل امرئ... كثير الصلاة براه الصيام
أتخطب مثلي وعني تنام... ونوم المحبين عنا حرام
لأنا خلقنا لكل امرئ... كثير الصلاة براه الصيام
وكان لبعض السَّلف ورد من الليل فنام عنه ليلة، فرأى في منامه جارية كأنّ وجهها القمرُ ومعها رق فيه كتاب مكتوب، فقالت: اتقرأ ؟ قال: نعم. فأعطته إياه ففتحه فإذا فيه مكتوب:
أألهتك لذة نومة عن خير عيش... مع الخيرات في غُرف الجنان
تعيش مخلدًا لا موت فيه... وتنعم في الجنان مع الحسان
تيقظ من منامك إن خيرًا... من النوم التهجد بالقران
فاستيقظ، قال: فوالله ما ذكرتها إلا ذهب عني النوم.
أألهتك لذة نومة عن خير عيش... مع الخيرات في غُرف الجنان
تعيش مخلدًا لا موت فيه... وتنعم في الجنان مع الحسان
تيقظ من منامك إن خيرًا... من النوم التهجد بالقران
فاستيقظ، قال: فوالله ما ذكرتها إلا ذهب عني النوم.
كان بعض الصالحين له وردٌ فنام عنه، فوقف عليه فتى في منامه فَقَالَ له بصوت محزون:
تيقظ لساعات من الليل يا فتى... لعلك تحظى في الجنان بحورها
فتنعم في دار يدوم نعيمها... محمد فيها والخليل يزورها
فقم فتيقظ ساعة بعد ساعة... عساك تُوفِّي ما بقى من مهورها
تيقظ لساعات من الليل يا فتى... لعلك تحظى في الجنان بحورها
فتنعم في دار يدوم نعيمها... محمد فيها والخليل يزورها
فقم فتيقظ ساعة بعد ساعة... عساك تُوفِّي ما بقى من مهورها
كان بعض السَّلف الصالحين كثير التعبد، وبكى شوقًا إِلَى الله ستين سنة، فرأى في منامه كأنه عَلَى ضفة نهر يجري بالمسك، حافتاه شجر لؤلؤ ونبتٌ من قضبان الذهب، فإذا بجوار مزينات يقلن بصوت واحد:
ذرانا إله الناس رب محمد... لقوم عَلَى الأقدار بالليل قُوَّم
يناجون رب العالمين إلههم... وتسري هموم القوم والناس نُوَّم
فَقَالَ: بخ بخ لهؤلاء ! من هم ؟ لقد أقر الله أعينهم بكن.
فقلن: أوما تعرفهم ؟ قال: لا .
فقلن: بلى هؤلاء المتهجدون أصحاب القرآن والسهر.
ذرانا إله الناس رب محمد... لقوم عَلَى الأقدار بالليل قُوَّم
يناجون رب العالمين إلههم... وتسري هموم القوم والناس نُوَّم
فَقَالَ: بخ بخ لهؤلاء ! من هم ؟ لقد أقر الله أعينهم بكن.
فقلن: أوما تعرفهم ؟ قال: لا .
فقلن: بلى هؤلاء المتهجدون أصحاب القرآن والسهر.
ورُوي عن أبي سليمان الداراني أنَّه قال: ذهب بي النوم ذات ليلة في صلاتي، فإذا بها -يعني: الحوراء- تنبهني وتقول: يا أبا سليمان ! أترقد وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام ؟!.
وفي رواية عنه :
أنَّه نام ليلة في سجوده قال: فإذا بها قد ركضتني برجلها وقالت: حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إِلَى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسًا لعين آثرت لذة نوم عَلَى مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضهم بعضا، فما هذا الرقاد يا حبيبي وقرة عيني؟
أترقد عيناك وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام ؟. فوثب فزعًا وقد عرق من توبيخها له، قال: وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي .
وفي رواية عنه :
أنَّه نام ليلة في سجوده قال: فإذا بها قد ركضتني برجلها وقالت: حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إِلَى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسًا لعين آثرت لذة نوم عَلَى مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضهم بعضا، فما هذا الرقاد يا حبيبي وقرة عيني؟
أترقد عيناك وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام ؟. فوثب فزعًا وقد عرق من توبيخها له، قال: وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي .
وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله يقول:
أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدُّنْيَا.
أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدُّنْيَا.
وقال يزيد الرقاشي لحبيب العجمي:
ما أعلم شيئًا أقر لعيون العابدين في الدُّنْيَا من التهجد في ظلمة الليل، وما أعلم شيئًا من نعيم الجنان وسرورها ألذَّ عند العابدين ولا أقرّ لعيونهم من النظر إِلَى ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلّى لهم الكريم.
فصاح حبيب عند ذلك وخرَّ مغشيًّا عليه .
ما أعلم شيئًا أقر لعيون العابدين في الدُّنْيَا من التهجد في ظلمة الليل، وما أعلم شيئًا من نعيم الجنان وسرورها ألذَّ عند العابدين ولا أقرّ لعيونهم من النظر إِلَى ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلّى لهم الكريم.
فصاح حبيب عند ذلك وخرَّ مغشيًّا عليه .
وقال أبو -سليمان-: إذا جنَّ الليل وخلا كل حبيب بحبيبه، افترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم عَلَى خدودهم، أشرف الجليل جل جلاله فنادى ؟ يا جبريل ! بعيني من تلذذ بكلامي، واستروح إِلَى مناجاتي، ناد فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء ؟! هل رأيتم حبيبا يعذب أحبَّاءه ؟ أم كيف يجمل بي أن أعذب قومًا إذا جنَّهم الليل تلمقوني ؟ فبي حلفت إذا قدموا عليّ يوم القيامة لأكشفنَّ لهم عن وجهي الكريم ينظرون إليّ وأنظر إليهم .
وسئل الحسن البصري رحمه الله: لم كان المتهجدون أحسن الناس وجوهًا ؟.
قال: لإنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره.
قال: لإنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره.
رأت امرأة من الصالحات في منامها كأن حللا قد فرقت عَلَى أهل مسجد محمد بن جحادة، فلما انتهى الَّذِي يفرقها إِلَيْهِ دعا بسفط مختوم فأخرج منه حلة صفراء، قالت: فلم يقم لها بصري، فكساه إياها، وقال: هذه لك بطول السهر.
قالت: فوالله لقد كنت أراه -تعني: محمد بن جحادة- بعد ذلك فأتخايلها عليه- تعني تلك الحلة.
والسفط: كيس يعبأ فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء.
قالت: فوالله لقد كنت أراه -تعني: محمد بن جحادة- بعد ذلك فأتخايلها عليه- تعني تلك الحلة.
والسفط: كيس يعبأ فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء.
قال كرز بن وبرة: بلغني أن كعبًا قال: إن الملائكة ينظرون من السماء إِلَى الذين (يتهجدون) بالليل كما تنظرون أنتم إِلَى نجوم السماء.
يا نفس فاز الصالحون بالتقى... وأبصروا الحق وقلبي قد عمي
يا حُسْنَهُم والليل قد جنهم... ونورهم يفوق نور الأنجم
ترنموا بالذكر في ليلهم... فعيشهم قد طاب بالترنم
قلوبهم للذكر قد تفرغت... دموعهم كلؤلؤ منتظم
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت... وخلع الغفران خير القِسَمِ
يا حُسْنَهُم والليل قد جنهم... ونورهم يفوق نور الأنجم
ترنموا بالذكر في ليلهم... فعيشهم قد طاب بالترنم
قلوبهم للذكر قد تفرغت... دموعهم كلؤلؤ منتظم
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت... وخلع الغفران خير القِسَمِ
في بعض الآثار يقول الله عز وجل كل ليلة: يا جبريل أقم فلانًا وأنم فلانًا.
قام بعض الصَّالحين في ليلة باردة، وكان عليه خلقان رثَّة فضربه البرد فبكى، فسمع هاتفًا يقول: أقمناك وأنمناهم، ثم تبكي علينا !
قام بعض الصَّالحين في ليلة باردة، وكان عليه خلقان رثَّة فضربه البرد فبكى، فسمع هاتفًا يقول: أقمناك وأنمناهم، ثم تبكي علينا !
تنبهوا أيا أهيل ودي... كم ذا الكرى، هب نسيم نجد
كم بين خال وجوٍّ وساهر... وراقد وكاتم ومبدي
كم بين خال وجوٍّ وساهر... وراقد وكاتم ومبدي
وقيل للحسن: أعجزنا قيام الليل.
قال: قيدتكم خطاياكم. إِنَّمَا يؤهل الملوك للخلوة بهم ومخاطبتهم من يخلص في ودادهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل مخالفتهم فلا يرضونه لذلك:
الليل لي ولأحبابي أحادثهم... قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا
لهم قلوب بأسرار لها ملئت... عَلَى ودادي وإرشادي لهم طبعوا
قد أثمرت شجرات الفهم عندهم... فما جَنَوْا إذ جَنَوْا مما به ارتفعوا
سَرَوْا فما وهنوا عجزًا وما ضعفوا... وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا
***
قال: قيدتكم خطاياكم. إِنَّمَا يؤهل الملوك للخلوة بهم ومخاطبتهم من يخلص في ودادهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل مخالفتهم فلا يرضونه لذلك:
الليل لي ولأحبابي أحادثهم... قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا
لهم قلوب بأسرار لها ملئت... عَلَى ودادي وإرشادي لهم طبعوا
قد أثمرت شجرات الفهم عندهم... فما جَنَوْا إذ جَنَوْا مما به ارتفعوا
سَرَوْا فما وهنوا عجزًا وما ضعفوا... وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا
***
حب المساكين أصل الحب في الله تعالى؛ لأنّ المساكين ليس عندهم من الدُّنْيَا ما يوجب محبتهم لأجله، فلا يحبون إلا لله عز وجل، والحب في الله من أوثق عرى الإيمان.
ومن علامات ذوق حلاوة الإيمان، وهو صريح الإيمان، وهو أفضل الإيمان، وهذا كله مروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنَّه وصف به الحب في الله تعالى ورُوي عن ابن عباس أنَّه قال: به تنال ولاية الله، وبه يوجد طعم الإيمان.
ومن علامات ذوق حلاوة الإيمان، وهو صريح الإيمان، وهو أفضل الإيمان، وهذا كله مروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنَّه وصف به الحب في الله تعالى ورُوي عن ابن عباس أنَّه قال: به تنال ولاية الله، وبه يوجد طعم الإيمان.
ولم يزل السَّلف الصالح يوصون بحب المساكين، كتب سفيان الثوري إِلَى بعض إخوانه: "عليك بالفقراء والمساكين والدنو منهم، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسأل ربه حب المساكين".
وحب المساكين مستلزم لإخلاص العمل لله تعالى، والإخلاص هو أساس الأعمال الَّذِي لا تثبت الأعمال إلا عليه، فإن حب المساكين يقتضي إسداء النفع إليهم بما يمكن من منافع الدين والدنيا، فَإِذَا حصل إسداء النفع إليهم حبًّا لهم والإحسان إليهم كان هذا العمل خالصًا، وقد دلّ القرآن عَلَى ذلك ..
ورُوي عن أبي هريرة قال: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس إليهم، ويحدثهم ويحدثونه، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يكنيه: أبا المساكين .
وفي رواية: أنَّه كان يطعمهم، وربما أخرج لهم عكَّة العسل فشقوها ولعقوها .
وفي رواية: أنَّه كان يطعمهم، وربما أخرج لهم عكَّة العسل فشقوها ولعقوها .
وكانت زينب بنت خزيمة أم المؤمنين تسمى أم المساكين لكثرة إحسانها إليهم، وتوفيت في حياه النبي صلّى الله عليه وسلم.
وقال ضرار بن مرة في وصف علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أيام خلافته: كان يُعظم أهل الدين، ويحب المساكين.
ومرَّ ابنه الحسن عَلَى مساكين يأكلون، فدعوه فأجابهم وأكل معهم، وتلا: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} ثم دعاهم إِلَى منزله فأطعمهم وأكرمهم.
ومرَّ ابنه الحسن عَلَى مساكين يأكلون، فدعوه فأجابهم وأكل معهم، وتلا: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} ثم دعاهم إِلَى منزله فأطعمهم وأكرمهم.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يأكل غالبًا إلا مع المساكين،
ويقول:
لعلَّ بعض هؤلاء أن يكون ملكًا يوم القيامة.
ويقول:
لعلَّ بعض هؤلاء أن يكون ملكًا يوم القيامة.
وجاء مسكين أعمى إِلَى ابن مسعود رضي الله عنه -وقد ازدحم الناس عنده- فناداه: يا أبا عبد الرحمن ! آويت أرياب الخزِّ واليمنية وأقصيتني لأجل أني مسكين. فَقَالَ له: أدنه. فلم يزل يدنيه حتى أجلسه إِلَى جانبه أو بقربه.
وكان سفيان الثوري رحمه الله يعظم المساكين ويجفو أهل الدُّنْيَا، فكان الفقراء في مجلسه هم الأغنياء، والأغنياء هم الفقراء.
وقال سليمان التيمي رحمه الله: كنا إذا طلبنا علية أصحابنا وجدناهم عند الفقراء والمساكين.
وقال الفضيل رحمه الله: من أراد عز الآخرة فليكن مجلسه مع المساكين.
وقال الفضيل رحمه الله: من أراد عز الآخرة فليكن مجلسه مع المساكين.
ومن فضائل المساكين أنهم أكثر أهل الجنة كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم: "قُمت عَلَى باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين" .
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "تحاجت الجنة والنا ر، فقالت الجنة: لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين" .
وسئل النبي صلّى الله عليه وسلم عن أهل الجنة، فَقَالَ: "كل ضعيف متضعف" .
وسئل النبي صلّى الله عليه وسلم عن أهل الجنة، فَقَالَ: "كل ضعيف متضعف" .
رب ذي طمرين نضوٍ ... يأمن العالم شره
لا يُرى إلا غنيًّا... وهو لا يملك ذره
ثم لو أقسم في شيء... عَلَى الله أبره
و نضو - أي: ذو ثياب خلقة بالية.
لا يُرى إلا غنيًّا... وهو لا يملك ذره
ثم لو أقسم في شيء... عَلَى الله أبره
و نضو - أي: ذو ثياب خلقة بالية.
قال ابن مسعود رضي الله عنه :
كونوا جدد القلوب، خلقان الثياب، سرج الليل، مصابيح الظلام، تُعرفون في أهل السماء، وتخفون عَلَى أهل الأرض.
كونوا جدد القلوب، خلقان الثياب، سرج الليل، مصابيح الظلام، تُعرفون في أهل السماء، وتخفون عَلَى أهل الأرض.
طوبى لعبدٍ بحبلِ الله مُعْتَصَمُه... على صراطٍ سَويٍّ ثابتٍ قدمُه
رثّ اللباس جديدِ القلب مُستترٍ... في الأرض مشتهرٍ فوقَ السما سمُه
ما زال (يستحقرُ) الأُولَى بِهمَّته... حتى ترقّت إلى الأخرى به هِمَمُه
فذاك أعظمُ من التاج مُتّكئاً... على النمارق مُحتفّاً به خَدَمُه
رثّ اللباس جديدِ القلب مُستترٍ... في الأرض مشتهرٍ فوقَ السما سمُه
ما زال (يستحقرُ) الأُولَى بِهمَّته... حتى ترقّت إلى الأخرى به هِمَمُه
فذاك أعظمُ من التاج مُتّكئاً... على النمارق مُحتفّاً به خَدَمُه
كان علي بن الحسين رحمه الله يجلس في مجلس زيد بن أسلم فيُعاتب عَلَى ذلك فيقول: إِنَّمَا يجلس المرءُ حيث يكون له فيه نفعٌ. أو كما قال، يشير إِلَى أنَّه ينتفع بسماع ما لم يسمعه من العِلْم والحكمة، وزيد بن أسلم أبوه مولى لعمر، وعلي ابن الحسن سيد بني هاشم وشريفهم.
ولما اجتمع الزهرى وأبو حازم الزاهد بالمدينة عند بعض بني أمية -لما حج - وسمع الزهري كلام أبي حازم وحكمته أعجبه ذلك، وقال: هو جاري منذ كذا وكذا، وما جالسته ولا عرفت أن هذا العِلْم عنده !.
فقال له أبو حازم: أجل إني من المساكين، ولو كنت من الأغنياء لعرفتني .. فوبَّخه بذلك .
فقال له أبو حازم: أجل إني من المساكين، ولو كنت من الأغنياء لعرفتني .. فوبَّخه بذلك .
كان كثير من السَّلف يكتم حاجته ويظهر الغنى تعففًا وتكرمًا، منهم: إبراهيم النخعي رحمه الله كان يلبس ثيابًا حسانًا، ويخرج بها إِلَى الناس وهم يرون أنَّه تحل له الميتة من الحاجة.
وكان بعض الصالحين يلبس الثياب الجميلة وفي كمه مفتاح دار كبيرة ولا مأوى له إلا المساجد.
وكان آخر لا يلبس جبة في الشتاء لفقره، ويقول: بي علة تمنعني من لبس المحشو، وإنَّما يعني به الفقر.
شعر:
إن الكريم ليُخفي عنك عُسرته... حتى تراه غنيًّا وهو مجهود
وكان بعض الصالحين يلبس الثياب الجميلة وفي كمه مفتاح دار كبيرة ولا مأوى له إلا المساجد.
وكان آخر لا يلبس جبة في الشتاء لفقره، ويقول: بي علة تمنعني من لبس المحشو، وإنَّما يعني به الفقر.
شعر:
إن الكريم ليُخفي عنك عُسرته... حتى تراه غنيًّا وهو مجهود
ومن (السلف من كان يلبس) ثياب المساكين مع الغنى تواضعًا لله عز وجل، وبُعدًا من الكبر كما كأن يفعله الخلفاء الراشدون الأربعة وبعدهم عمر بن عبد العزيز، وكذلك كان جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما رضي الله عنهم .
ورُوي أن أبا بكر الصديق -رضى الله عنه- كان يُنشد:
إذا أردت شريف الناس كلهم... فانظر إِلَى ملك في زي مسكين
ذاك الَّذِي حسُنت في الناس سيرته... وذاك يصلح للدنيا وللدين
وكان علي رضي الله عنه يعاتب عَلَى لباسه فيقول: هو أبعدُ من الكبر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم .
وعُوتب عمر بن عبد العزيز عَلَى ذلك فَقَالَ: إن أفضل القصد عند الجدة. يعني: أفضل ما اقتصد الرجل في لباسه عقدرته ووجدانه.
وفي سنن أبي داود وغيره عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "البذاذة من الإيمان" يعني: التقشف .
ورُوي أن أبا بكر الصديق -رضى الله عنه- كان يُنشد:
إذا أردت شريف الناس كلهم... فانظر إِلَى ملك في زي مسكين
ذاك الَّذِي حسُنت في الناس سيرته... وذاك يصلح للدنيا وللدين
وكان علي رضي الله عنه يعاتب عَلَى لباسه فيقول: هو أبعدُ من الكبر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم .
وعُوتب عمر بن عبد العزيز عَلَى ذلك فَقَالَ: إن أفضل القصد عند الجدة. يعني: أفضل ما اقتصد الرجل في لباسه عقدرته ووجدانه.
وفي سنن أبي داود وغيره عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "البذاذة من الإيمان" يعني: التقشف .
وإنما يُذم من ترك اللباس مع قدرته عليه بخلا عَلَى نفسه، أو كتمانًا لنعمة الله عز وجل، وفي هذا جاء الحديث المشهور: "إن الله إذا أنعم عَلَى عبد نعمة أَحَبّ أن يرى أثر نعمته عَلَى عبده" ومن لبس لباسًا حسنًا إظهارًا لنعمة الله ولم يفعله اختيالاً كان حسنًا.
وكان كثير من الصحابة والتابعين يلبسون لباسًا حسنًا، منهم: ابن عباس، والحسن البصري.
وقد صحَّ عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنَّه سئل عن الرجل يحب أن يكون لباسه حسنًا ونعله حسنًا؟
قال: "ليس ذلك بالكبر، إِنَّمَا الكبر بطر الحق وغمط الناس"
وكان كثير من الصحابة والتابعين يلبسون لباسًا حسنًا، منهم: ابن عباس، والحسن البصري.
وقد صحَّ عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنَّه سئل عن الرجل يحب أن يكون لباسه حسنًا ونعله حسنًا؟
قال: "ليس ذلك بالكبر، إِنَّمَا الكبر بطر الحق وغمط الناس"
ولما قدم سيّار أبو الحكم البصرة لزيارة مالك بن دينار لبس ثيابًا حسنة ثم دخل المسجد فصلى صلاة حسنة، فرآه مالك -ولم يعرفه- فَقَالَ له: يا شيخ! إني أرغب بك عن هذه الثياب مع هذه الصلاة.
فَقَالَ له: يا مالك! ثيابي هذه تضعني عندك أم ترفعُني؟!
قال: بل تضعك. فَقَالَ: نعم الثوب ثوب يضع صاحبه عند الناس، ولكن انظر يا مالك لعل ثوبيك هذين -يعني: الصوف- أنزلاك عند الناس ما لم يُنزلاك من الله.
فبكى مالك وقام إِلَيْهِ واعتنقه، وقال له: أنشدك الله أنت سيار أبو الحكم ؟ قال: نعم.
فَقَالَ له: يا مالك! ثيابي هذه تضعني عندك أم ترفعُني؟!
قال: بل تضعك. فَقَالَ: نعم الثوب ثوب يضع صاحبه عند الناس، ولكن انظر يا مالك لعل ثوبيك هذين -يعني: الصوف- أنزلاك عند الناس ما لم يُنزلاك من الله.
فبكى مالك وقام إِلَيْهِ واعتنقه، وقال له: أنشدك الله أنت سيار أبو الحكم ؟ قال: نعم.
وقد يطلق اسم المسكين ويُراد به من استكان قلبه لله، وانكسر له وتواضع لجلاله وكبريائه وعظمته وخشيته ومحبته ومهابته.
وعلى هذا المعنى حمل بعضهم الحديث المروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنَّه قال: "اللهم أحييني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين" خرَّجه الترمذي من حديث أنس ، وخرّجه ابن ماجه من حديث ابن عباس .
وفي حمله عَلَى ذلك نظرٌ لأنّ في تمام حديثيهما ما يدل عَلَى أن المراد به المساكين من المال ؛ لأنّه ذكر سَبْقَهُم الأغنياء إِلَى الجنة، مع أن في إسناد الحديثين ضعفًا.
وقد خُيِّر النبي صلّى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو عبدًا رسولاً، فأشار إِلَيْهِ جبريل أن تواضع. فَقَالَ: بل عبدًا رسولاً. وكان بعد ذلك لا يأكل متكئًا، ويقول:
" آكل كما يأكل العبد. وأجلس كما يجلس العبد " .
قال الحسن: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: "فأعطاني الله لذلك أن جعلني سيد ولد آدم، وأول شافع، أول مشفع، وأول من تنشق عنه الأرض ". وصحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "إِنَّمَا أنا عبد، فقولوا:
عبد الله ورسوله" . فأشرف أسمائه: عبد الله ولهذا سُمِّى بهذا الاسم في القرآن في أفخر مقاماته، فلما حقق - صلى الله عليه وسلم - (عبوديته لربه) حصلت له السيادة عَلَى جميع الخلق .
وعلى هذا المعنى حمل بعضهم الحديث المروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنَّه قال: "اللهم أحييني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين" خرَّجه الترمذي من حديث أنس ، وخرّجه ابن ماجه من حديث ابن عباس .
وفي حمله عَلَى ذلك نظرٌ لأنّ في تمام حديثيهما ما يدل عَلَى أن المراد به المساكين من المال ؛ لأنّه ذكر سَبْقَهُم الأغنياء إِلَى الجنة، مع أن في إسناد الحديثين ضعفًا.
وقد خُيِّر النبي صلّى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو عبدًا رسولاً، فأشار إِلَيْهِ جبريل أن تواضع. فَقَالَ: بل عبدًا رسولاً. وكان بعد ذلك لا يأكل متكئًا، ويقول:
" آكل كما يأكل العبد. وأجلس كما يجلس العبد " .
قال الحسن: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: "فأعطاني الله لذلك أن جعلني سيد ولد آدم، وأول شافع، أول مشفع، وأول من تنشق عنه الأرض ". وصحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "إِنَّمَا أنا عبد، فقولوا:
عبد الله ورسوله" . فأشرف أسمائه: عبد الله ولهذا سُمِّى بهذا الاسم في القرآن في أفخر مقاماته، فلما حقق - صلى الله عليه وسلم - (عبوديته لربه) حصلت له السيادة عَلَى جميع الخلق .
وقد يطلق اسم المسكين ويُراد به من استكان قلبه لله، وانكسر له وتواضع لجلاله وكبريائه وعظمته وخشيته ومحبته ومهابته.
وعلى هذا المعنى حمل بعضهم الحديث المروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنَّه قال: "اللهم أحييني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين" خرَّجه الترمذي من حديث أنس ، وخرّجه ابن ماجه من حديث ابن عباس .
وفي حمله عَلَى ذلك نظرٌ لأنّ في تمام حديثيهما ما يدل عَلَى أن المراد به المساكين من المال ؛ لأنّه ذكر سَبْقَهُم الأغنياء إِلَى الجنة، مع أن في إسناد الحديثين ضعفًا.
وقد خُيِّر النبي صلّى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو عبدًا رسولاً، فأشار إِلَيْهِ جبريل أن تواضع. فَقَالَ: بل عبدًا رسولاً. وكان بعد ذلك لا يأكل متكئًا، ويقول:
" آكل كما يأكل العبد. وأجلس كما يجلس العبد " .
قال الحسن: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: "فأعطاني الله لذلك أن جعلني سيد ولد آدم، وأول شافع، أول مشفع، وأول من تنشق عنه الأرض ". وصحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "إِنَّمَا أنا عبد، فقولوا:
عبد الله ورسوله" . فأشرف أسمائه: عبد الله ولهذا سُمِّى بهذا الاسم في القرآن في أفخر مقاماته، فلما حقق - صلى الله عليه وسلم - (عبوديته لربه) حصلت له السيادة عَلَى جميع الخلق .
وعلى هذا المعنى حمل بعضهم الحديث المروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنَّه قال: "اللهم أحييني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين" خرَّجه الترمذي من حديث أنس ، وخرّجه ابن ماجه من حديث ابن عباس .
وفي حمله عَلَى ذلك نظرٌ لأنّ في تمام حديثيهما ما يدل عَلَى أن المراد به المساكين من المال ؛ لأنّه ذكر سَبْقَهُم الأغنياء إِلَى الجنة، مع أن في إسناد الحديثين ضعفًا.
وقد خُيِّر النبي صلّى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو عبدًا رسولاً، فأشار إِلَيْهِ جبريل أن تواضع. فَقَالَ: بل عبدًا رسولاً. وكان بعد ذلك لا يأكل متكئًا، ويقول:
" آكل كما يأكل العبد. وأجلس كما يجلس العبد " .
قال الحسن: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: "فأعطاني الله لذلك أن جعلني سيد ولد آدم، وأول شافع، أول مشفع، وأول من تنشق عنه الأرض ". وصحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "إِنَّمَا أنا عبد، فقولوا:
عبد الله ورسوله" . فأشرف أسمائه: عبد الله ولهذا سُمِّى بهذا الاسم في القرآن في أفخر مقاماته، فلما حقق - صلى الله عليه وسلم - (عبوديته لربه) حصلت له السيادة عَلَى جميع الخلق .
كان كثير من العارفين يقول في مناجاته لربه : كفى بي فخرًا أني لك عبدٌ، وكفى بي شرفًا أنك لي رب .
وكان بعضهم يقول: كلما ذكرت أنَّه ربي وأني عبده حصل لي من السرور ما يصلح به بدني:
شرف النفوس دخولها في رقهم... والعبد يحوي الفخر بالمتملَّك
شرف النفوس دخولها في رقهم... والعبد يحوي الفخر بالمتملَّك
