فوائد من كتاب تسهيل الوصول لفوائد سير أعلام النبلاء لفرحان العطار
A
قال أنس بن مالك: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد أحد عمومتي وقال ابن عباس: قال أُبي لعمر بن الخطاب: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه من جبريل عليه السلام وهو رطب.
عن الربيع عن أنس عن أبي العالية قال: قال رجل لأبي بن كعب أوصني؟ قال: اتخذ كتاب الله إماما، وارض به قاضيا وحكما، فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيع مطاع، وشاهد لا يتهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحكم ما بينكم، وخبركم وخبر ما بعدكم. و عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: عن أبي – في قوله تعالى - }قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم { قال: هن أربع كلهن عذاب، وكلهن واقع لا محالة، فمضت اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعا، وذاق بعضهم بأس بعض، وبقي ثنتان واقعتان لا محالة: الخسف والرجم.
عن مسروق عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود وأبي ومعاذ وسالم مولى أبي حذيفة "
ذكرت أخبار أبي بن كعب في طبقات القراء، وأن ابن عباس وأبا العالية وعبد الله بن السائب قرؤوا عليه، وأن عبد الله بن عياش المخزومي قرأ علية أيضا، وكان عمر يجل أُبـياً ويتأدب معه ويتحاكم إليه.
عن أبي الأحوص قال: أتيت أبا موسى وعنده عبد الله وأبو مسعود الأنصاري، وهم ينظرون إلى مصحف، فتحدثنا ساعة ثم خرج عبد الله وذهب، فقال أبو مسعود: والله ما أعلم النبي صلى الله عليه وسلم ترك أحدا أعلم بكتاب الله من هذا القائم، و عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال عبد الله: والذي لا إله غيره لقد قرأت من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة، و لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته.
عن مسروق عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - قال: ما نزلت آية من كتاب الله، إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيما نزلت.
عن شقيق قال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - } ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة { على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟ لقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، ولقد علم أصحاب محمد أني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني لرحلت إليه، قال شقيق: فجلست في حلق من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما سمعت أحداً منهم يعيب عليه شيئا مما قال ولا يرد عليه.
عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - أنهم ذكروا قراءته فكأنهم عابوه فقال: لقد علم أصحاب رسول الله أني أقرؤهم لكتاب الله، ثم كأنه ندم فقال: ولست بخيرهم.
عن قيس بن مروان أنه أتى عمر فقال: جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة، وتركت بـها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلب، فغضب عمر و انتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرجل، فقال: ومن هو ويحك؟ فقال: ابن مسعود، فما زال يطفئ غضبه ويتسرى عنه حتى عاد إلى حاله ثم قال: ويحك ! والله ما أعلم بقي من الناس أحد هو أحق بذلك منه، وسأحدثك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة في الأمر من أمر المسلمين، وإنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه فإذا رجل قائم يصلي في المسجد فقام رسول الله يسمع قراءته، فلما كدنا أن نعرفه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد " قال: ثم جلس يدعو فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: " سل تعطه " فقلت: والله لأغدون إليه فلأبشره، قال: فغدوت فوجدت أبا بكر قد سبقني. رواه أحمد في مسنده.
عن محمد بن كعب قال: جمع القرآن خمسة، معاذ وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأبي وأبو أيوب، فلما كان زمن عمر كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا وملئوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فأعني برجال يعلمونهم، فدعا عمر الخمسة فقال: إن إخوانكم قد استعانوني من يعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، فأعينوني يرحمكم الله بثلاثة منكم إن أحببتم، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم هذا شيخ كبير - لأبي أيوب - وأما هذا فسقيم -لأُبي - فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر: ابدؤوا بحمص، فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يَلْقن، فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين، فكانوا بحمص حتى إذا رضوا من الناس، أقام بها عبادة بن الصامت، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين، فمات في طاعون عمواس، ثم صار عبادة بعد إلى فلسطين و بها مات، ولم يزل أبو الدرداء بدمشق حتى مات.
من جلالة زيد أن الصديق اعتمد عليه في كتابة القرآن العظيم في صحف، وجمعه من أفواه الرجال، ومن الأكتاف والرقاع، واحتفظوا بتلك الصحف مدة، فكانت عند الصديق ثم تسلمها الفاروق، ثم كانت بعد عند أم المؤمنين حفصة، إلى أن ندب عثمان زيد بن ثابت ونفرا من قريش، إلى كتابة هذا المصحف العثماني، الذي به الآن في الأرض أزيد من ألفي ألف نسخة، ولم يبق بأيدي الأمة قرآن سواه ولله الحمد.
عن ابن سيرين قال: جمع القرآن على عهد رسول الله أُبي وعثمان وزيد وتميم الداري، وروى أبو قلابة عن أبي المهلب: كان تميم يختم القرآن في سبع، وروى عاصم الأحول عن ابن سيرين: أن تميما الداري كان يقرأ القرآن في ركعة، وروى أبو الضحى عن مسروق قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، صلى ليلة حتى أصبح أو كاد، يقرأ آية يرددها ويبكي } أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات { (الجاثية 20).
عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه أنه تلا } فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد { فجعل ابن عمر يبكي، حتى لثقت لحيته وجيبه من دموعه، فأراد رجل أن يقول لأبي أقصر فقد آذيت الشيخ وروى عثمان بن واقد عن نافع كان ابن عمر إذا قرأ " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله " بكى حتى يغلبه البكاء.
كان الحسن بن علي إذا أوى إلى فراشه قرأ الكهف، وعن أبي رزين قال: خطبنا الحسن بن علي يوم جمعة، فقرأ سورة إبراهيم على المنبر حتى ختمها.
عن هلال بن يساف: سمعت الحسن يخطب ويقول: يا أهل الكوفة اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم، و إنا أضيافكم ونحن أهل البيت الذين قال الله فيهم }: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت { قال: فما رأيت قط باكيا أكثر من يومئذ.
قال أبو وائل: خطبنا ابن عباس وهو أمير على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثل هذا، لو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت.
عن ابن أبي مليكة: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان يصلي ركعتين فإذا نزل قام شطر الليل، ويرتل القران حرفا حرفا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب.
قيل لهرم بن حيان العبدي: أوص؟ قال: قد صدقتني نفسي، ومالي ما أوصى به، ولكن أوصيكم بخواتيم سورة النحل.
قال مسروق: من سره أن يعلم علم الأولين والآخرين، وعلم الدنيا والآخرة، فليقرا سورة الواقعة. قلت: هذا قاله مسروق على المبالغة، لعظم ما في السورة من جمل أمور الدارين، ومعنى قوله: فليقرأ سورة الواقعة، أي يقرأها بتدبير وتفكير وحضور، ولا يكن كمثل الحمار يحمل أسفارا.
عن أبي العالية قال: تعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وإياكم وهذه الأهواء، فإنها توقع العداوة والبغضاء بينكم، فإنا قد قرأنا القرآن قبل أن يقتل - يعني عثمان - بخمس عشرة سنة، قال: فحدثت به الحسن فقال: قد نصحك والله وصدقك.
عن عطاء بن السائب: أن أبا عبد الرحمن قال: أخذنا القرآن عن قوم، أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات،لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر، حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به، وسيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز تراقيهم.
عن أبي عبد الرحمن السلمي: أنه جاء وفي الدار جلال وجزر فقالوا: بعث بها عمر بن حريث لأنك علمت ابنه القرآن، فقال: رد، إنا لا نأخذ على كتاب الله أجرا.
عن مجاهد قال: عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن عباس، أقفه عند كل آية، أسأله فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ قال ابن جريج: لأن أكون سمعت من مجاهد، فأقول سمعت مجاهدا، أحب إلي من أهلي ومالي. قلت: مع أنه قلما سمع من مجاهد حرفين.
قال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود، لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت.
عن قتادة قال: دخلنا على الحسن وهو نائم، وعند رأسه سلة فجذبناها، فإذا خبز وفاكهه، وجعلنا نأكل فانتبه، فرآنا فسره، فتبسم وهو يقرأ: " أو صديقكم " لا جناح عليكم.
عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية } لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا { (الأعراف 164) قال ابن عباس: لم أدر أنجا القوم أم هلكوا؟ قال: فما زلت أبين له، أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا، قال: فكساني حلة.
قال حماد بن سلمة: قرأ ثابت " أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا " (الكهف 37) وهو يصلي صلاة الليل، ينتحب ويرددها.
قيل للشعبي: إن إسماعيل السدي قد أعطي حظا من علم القرآن، فقال: إن إسماعيل قد أعطي حظا من الجهل بالقرآن، قلت: ما أحد إلا وما جهل من علم القرآن أكثر مما علم، وقد قال إسماعيل بن أبي خالد: كان السدي أعلم بالقرآن من الشعبي رحمهما الله وقال سلم بن عبد الرحمن - شيخ لشريك -: مر إبراهيم النخعي بالسدي وهو يفسر فقال: إنه ليفسر تفسير القوم.
قال قتادة: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا، قال أبو هلال قالوا لقتادة: نكتب ما نسمع منك؟ قال وما يمنعك أن تكتب، وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب فقال }: علمها عند ربي في كتاب { (طه 52)، و عن قتادة } إنما يخشى الله من عباده العلماء { قال: كفى بالرهبة علما، اجتنبوا نقض الميثاق، فإن الله قدم فيه و أوعده، وذكره في آي من القرآن تقدمة ونصيحة وحجة، إياكم والتكلف والتنطع والغلو والإعجاب بالأنفس، تواضعوا لله لعل الله يرفعكم. قال سلام بن أبي مطيع: كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر ختم كل ليلة.
قال رجل لأبي جعفر وكان في دينه فقيها: هنيئا لك ما آتاك من القرآن، قال: ذاك إذا أحللت حلاله، وحرمت حرامه وعملت بما فيه، وكان يصلي خلف القراء في رمضان يلقنهم يؤمر بذلك، وعن سليمان بن مسلم قال: رأيت أبا جعفر القارئ على الكعبة فقال: أقرئ إخواني السلام، وخبرهم أن الله جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين. وروى إسحاق المسيبي عن نافع قال: لما غسل أبو جعفر نظروا ما بين نحره إلى فؤاده كورقة المصحف، فما شك من حضره أنه نور القرآن، وقد سقت كثيرا من أخبار أبي جعفر في طبقات القراء.
عن محمد بن المنكدر أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي، إذ استبكى فكثر بكاؤه حتى فزع له أهله، وسألوه فاستعجم عليهم، وتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم، فجاء إليه فقال: ما الذي أبكاك؟ قال: مرت بي آية، قال: وما هي: قال " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " فبكى أبو حازم معه فاشتد بكاؤهما، وروى عفيف بن سالم عن عكرمة بن إبراهيم عن ابن المنكدر: أنه جزع عند الموت فقيل له:لم تجزع؟ قال: أخشى آية من كتاب الله " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب.
قال عمر بن ذر: اللهم إنا قد أطعناك في أحب الأشياء إليك أن تطاع فيه: الإيمان بك، والإقرار بك، ولم نعصك في أبغض الأشياء أن تعصى فيه: الكفر و الجحد بك، اللهم فاغفر لنا بينهما وأنت قلت: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت " (النمل 39) ونحن نقسم بالله جهد أيماننا لتبعثن من يموت، أفتراك تجمع بين أهل القسمين في دار واحدة؟، قال شعيب بن حرب: قال عمر بن ذر: يا أهل معاصي الله، لا تغتروا بطول حلم الله عنكم، واحذروا أسفه فإنه قال: " فلما آسفونا انتقمنا منهم " (الزخرف 56) وعن عمر بن ذر قال: كل حزن يبلى إلا حزن التائب عن ذنوبه. إبراهيم بن بشار حدثنا ابن عيينة قال كان عمر بن ذر إذا قرأ " مالك يوم الدين " قال: يا لك من يوم ما أملأ ذكرك لقلوب الصادقين.
قال مسعر بن كدام: رأيت أبا حنيفة قرأ القرآن في ركعة. ابن سماعة عن محمد بن الحسن عن القاسم بن معن: أن أبا حنيفة قام ليلة يردد قوله تعالى: " بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر " (القمر 46) ويبكي ويتضرع إلى الفجر.
عن سفيان الثوري في قوله تعالى " سنستدرجهم " (الأعراف 182 (قال: نسبغ عليهم النعم ونمنعهم الشكر.
عن أبي سليمان الداراني قال: ما رأيت أحداً الخوف أظهر على وجهه والخشوع من الحسن بن صالح قام ليلة ب " عم يتساءلون " فغشي عليه فلم يختمها إلى الفجر وقال الحسن بن صالح ربما أصبحت وما معي درهم وكأن الدنيا قد حيزت لي.
قال جعفر بن محمد بن عبيد الله بن موسى سمعت جدي يقول: كنت أقرأ على علي بن صالح فلما بلغت إلى قوله " فلا تعجل عليهم " (مريم 84) سقط الحسن يخور كما يخور الثور، فقام إليه علي فرفعه ومسح وجهه، ورش عليه الماء وأسنده إليه.
قال حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي: كنت عند ابني صالح ورجل يقرأ " لا يحزنهم الفزع الأكبر " (الأنبياء 103) فالتفت علي إلى أخيه الحسن وقد اخضر واصفر، فقال: يا حسن إنها أفزاع فوق أفزاع، ورأيت الحسن أراد أن يصيح، ثم جمع ثوبه فعض عليه حتى سكن عنه، وقد ذبل فمه واخضار واصفار.
صالح المري الزاهدي الخاشع، واعظ أهل البصرة، قال ابن الأعرابي:كان الغالب على صالح كثرة الذكر والقراءة بالتحزين، ويقال: هو أول من قرأ بالبصرة بالتحزين.
قال مالك: لو أن لي سلطانا على من يفسر القرآن لضربت رأسه. قلت: يعني تفسيره برأيه، وعن ابن وهب: سئل مالك عن الداعي يقول: يا سيدي؟ فقال: يعجبني دعاء الأنبياء ربنا ربنا.
قال سليمان بن ميمون الخواص: قلت لنفسي: يا نفس اقرئي القرآن كأنك سمعتيه من الله حين تكلم به، فجاءت الحلاوة.
سلم الخاسر: هو من فحول الشعراء، من تلامذة بشار بن برد، مدح المهدي والرشيد، وعكف على المخازي، ثم نسك، ثم مرق وباع مصحفه، واشترى بثمنه ديوانا، فلقب بالخاسر.
كان الفضيل بن عياض شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تاليا يتلو: " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم " [الحديد 16] فلما سمعها قال: بلى يا رب، قد آن، فرجع فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا. قال: ففكرت وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.
قال مخزر بن عون: أتيت الفضيل بمكة فقال لي: يا محرز وأنت أيضا مع أصحاب الحديث؟ ما فعل القرآن؟ والله لو نزل حرف باليمن، لقد كان ينبغي أن نذهب حتى نسمعه، والله لأن تكون راعي الحمر، وأنت مقيم على ما يحب الله، خير لك من الطواف، وأنت مقيم على مايكره الله.
قال يحيى بن أيوب: دخلت مع زافر بن سليمان على الفضيل بن عياض، فإذا معه شيخ، فدخل زافر وأقعدني على الباب، قال زافر: فجعل الفضيل ينظر الي ثم قال: هؤلاء المحدثون يعجبهم قرب الإسناد ألا أخبرك بإسناد لا شك فيه رسول الله عن جبريل عن الله " نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد " [التحريم 6] فأنا وأنت يا أبا سليمان من الناس، ثم غشي عليه وعلى الشيخ، وجعل زافر ينظر إليهما، ثم خرج الفضيل وقمنا، والشيخ مغشي عليه.
علي بن الفضيل بن عياض من كبار الأولياء، ومات قبل والده، قلت: خرج هو وأبوه من الضعف الغالب على الزهاد والصوفية، وعدا في الثقات إجماعا، وكان علي قانتا لله خاشعا وجلا ربانيا كبير الشأن. قال الخطيب: مات قبل أبيه بمدة، من آية سمعها تقرأ فغشي عليه وتوفي في الحال.
قال أبو بكر بن عياش: صليت خلف فضيل بن عياض المغرب، وابنه علي إلى جانبي فقرأ ": ألهاكم التكاثر " فلما قال }: لترون الجحيم { سقط علي على وجهه مغشيا عليه، وبقي فضيل عند الآية، فقلت في نفسي: ويحك أما عندك من الخوف ما عند الفضيل وعلي، فلم أزل أنتظر عليا فما أفاق إلى ثلث من الليل بقي، رواها ابن أبي الدنيا عن عبدالرحمن بن عفان وزاد: وبقي فضيل لا يجاوز الآية، ثم صلى بنا صلاة خائف، وقال: فما أفاق إلى نصف من الليل.
عن محمد بن ناجية قال: صليت خلف الفضيل فقرأ الحاقة في الصبح، فلما بلغ إلى قوله }: خذوه فغلوه { غلبه البكاء، فسقط ابنه علي مغشيا عليه.
قال أبو سليمان الداراني: كان علي بن الفضيل لا يستطيع أن يقرأ: " القارعة " ولا تقرأ عليه. قال إبراهيم بن بشار: الآية التي مات فيها علي بن الفضيل في الأنعام " ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد " (الأنعام 27) مع هذا الموضع مات، وكنت فيمن صلى عليه رحمه الله.
عن يحيى الحماني قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة، بكت أخته فقال لها: ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية، فقد ختم أخوك فيها ثمانية عشر ألف ختمة.
لما نزل بابن إدريس الموت بكت بنته فقال: لا تبكي يا بنية، فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة.
أبو معاوية الأسود من كبار أولياء الله، صحب سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم وغيرهما وكان يعد من الأبدال، وقيل إنه ذهب بصره فكان إذا أراد التلاوة في المصحف أبصر بإذن الله.
قال يحيى بن معين: أقام يحيى بن سعيد القطان عشرين سنة يختم القرآن كل ليلة، وقال علي بن المديني: كنا عند يحيى بن سعيد فقرأ رجل سورة الدخان، فصعق يحيى وغشي عليه، قال أحمد بن حنبل: لو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى - يعني الصعق.
عن علي بن عبد الله قال: كنا عند يحيى بن سعيد، فلما خرج من المسجد خرجنا معه، فلما صار بباب داره وقف ووقفنا معه، فانتهى إليه الروبي فقال يحيى لما رآه: ادخلوا، فدخلنا، فقال للروبي: اقرأ فلما أخذ في القراءة نظرت إلى يحيى يتغير حتى بلغ " إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين " (الدخان 40) صعق يحيى وغشي عليه، وارتفع صوته، وكان باب قريب منه، فانقلب فأصاب الباب فقار ظهره وسال الدم، فصرخ النساء وخرجنا، فوقفنا بالباب حتى أفاق بعد كذا وكذا، ثم دخلنا عليه فإذا هو نائم على فراشه وهو يقول: " إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين " فما زالت فيه تلك القرحة حتى مات رحمه.
عن محمد بن منصور الطوسي قال: قعدت مرة إلى معروف، فلعله قال: واغوثاه يا الله عشرة آلاف مرة وتلا: " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم " الأنفال 9.
قال بكر بن خنيس: إن في جهنم لوادياً تتعوذ جهنم منه كل يوم سبع مرات، وإن في الوادي لجبا يتعوذ الوادي وجهنم منه كل يوم سبع مرات، وإن فيه لحية يتعوذ الجب والوادي وجهنم منها كل يوم سبع مرات، يبدأ بفسقة حملة القرآن، فيقولون: أي رب بدئ بنا قبل عبدة الأوثان؟ قيل لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم.
عن يحيى بن معين قال: كنت إذا دخلت منزلي بالليل، قرأت آية الكرسي على داري وعيالي خمس مرات، فبينا أنا أقرأ إذا شيء يكلمني: كم تقرأ هذا؟ كأن ليس إنسان يحسن يقرأ غيرك ! فقلت: أرى هذا يسوءك، والله لأزيدنك فصرت أقرؤها في الليلة خمسين ستين مرة.
قال حنبل: سمعت أحمد بن حنبل: يقول كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعا، وقد جعلت أبا إسحاق- يعني المعتصم - في حل، ورأيت الله يقول " وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم " وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قصة مسطح قال أبو عبد الله: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك؟
قال رجل للحسن: يا أبا سعيد إني إذا قرأت كتاب الله وتدبرته، كدت أن آيس وينقطع رجائي؟ فقال: إن القران كلام الله، وأعمال ابن ادم إلى الضعف والتقصير، فاعمل وابشر.
قال عمر رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف عليكم ثلاثة: منافق يقرأ القرآن لا يخطئ فيه واواً ولا ألفا، يجادل الناس أنه أعلم منهم ليضلهم عن الهدى، وزلة عالم، وأئمة مضلون.
قال محمد بن عوف الحمصي: رأيت أحمد بن أبي الحواري عندنا بأنطرسوس، فلما صلى العتمة قام يصلي فاستفتح ب } الحمد لله { إلى }إياك نعبد وإياك نستعين { فطفت الحائط كله، ثم رجعت فإذا هو لا يجاوزها، ثم نمت ومررت في السحر وهو يقرأ } إياك نعبد { فلم يزل يرددها إلى الصبح
قال المازني: قرأت القرآن على يعقوب، فلما ختمت رمى إلي بخاتمه وقال: خذه ليس لك مثل. وقيل: كان المازني ذا ورع ودين، بلغنا أن يهوديا حصل النحو، فجاء ليقرأ على المازني كتاب سيبويه، فبذل له مئة دينار فامتنع وقال: هذا الكتاب يشتمل على ثلاث مئة آية ونيف، فلا أمكن منها ذميا.
عن أحمد بن سهل الهروي قال: كنت ساكنا في جوار بكار بن قتيبة – و كان قاضياً -، فانصرفت بعد العشاء فإذا هو يقرأ " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " الآية 26 قال: ثم نزلت في السحر، فإذا هو يقرؤها ويبكي، فعلمت أنه كان يتلوها من أول الليل.
من كلام محمد بن نصر قال: لما كانت المعاصي بعضها كفرا، وبعضها ليس بكفر، فرق تعالى بينها، فجعلها ثلاثة أنواع: فنوع منها كفر، ونوع منها فسوق، ونوع منها عصيان ليس بكفر ولا فسوق، وأخبر أنه كرّهها كلها إلى المؤمنين، ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان، وليس فيها شيء خارج عنه، لم يفرق بينها فما قال: حبب إليكم الإيمان والفرائض وسائر الطاعات، بل أجمل ذلك فقال " حبب إليكم الإيمان " الحجرات 7 (فدخل فيه جميع الطاعات، لأنه قد حبب إليهم الصلاة والزكاة وسائر الطاعات حب تدين، ويكرهون المعاصي كراهية تدين، ومنه قوله عليه السلام: " من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن.
قال عثمان الحيري الصوفي: من أمّر السنة على نفسه، قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة، قال تعالى " وإن تطيعوه تهتدوا " (النور 54(قلت: وقال تعالى " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله "
ابن عطاء الزاهد العابد المتأله، كان له في كل يوم ختمة، وفي رمضان تسعون ختمة، وبقي في ختمة مفردة بضع عشرة سنة، يتفهم ويتدبر.
قال أبو عثمان المغربي: ليكن تدبرك في الخلق تدبر عبرة، وتدبرك في نفسك تدبر موعظة، وتدبرك في القرآن تدبر حقيقة، قال الله تعالى " أفلا يتدبرون القرآن " النساء 82 (جرأك به على تلاوته، ولولا ذلك لكلت الألسن عن تلاوته.
قال أبو الفتح عبدالرحيم خادم ابن خفيف: سمعت الشيخ يقول: سألنا يوما أبو العباس ابن سريج بشيراز ونحن نحضر مجلسه للفقه فقال: أمحبة الله فرض أو لا؟ فقلنا: فرض قال: ما الدليل؟ فما فينا من أجاب بشيء، فسألناه، فقال: قوله تعالى " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم.... " إلى قوله " أحب إليكم من الله ورسوله " التوبة 24 قال: فتوعدهم الله على تفضيل محبتهم لغيره على محبته، والوعيد لا يقع إلا على فرض لازم.
قال أبو الدرداء: مالي أرى علماءكم يذهبون؟ وجهالكم لا يتعلمون؟ تعلموا فإن العالم والمتعلم شريكان في الأجر. وعن أبي الدرداء – من وجه مرسل-: لن تكون عالما حتى تكون متعلما، ولا تكون متعلما حتى تكون بما علمت عاملا، إن أخوف ما أخاف إذا وقفت للحساب أن يقال لي: ما عملت فيما علمت؟. جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال أبو الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة، وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات.
عن ابن سيرين قال: قال عمر لأبي مسعود: نبئت أنك تفتي الناس ولست بأمير، فول حارها من تولى قارها. يدل على أن مذهب عمر أن يمنع الإمام من أفتى بلا إذن.
كان أبو هريرة يقول: رب كيس عند أبي هريرة لم يفتحه - يعني من العلم -. قلت: هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث، التي تحرك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح والذم، أما حديث يتعلق بحل أو حرام، فلا يحل كتمانه بوجه، فإنه من البينات والهدى، وفي صحيح البخاري قول الإمام علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ وكذا لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء، لأوذي بل لقتل، ولكن العالم قد يؤديه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني إحياء للسنة، فله ما نوى، وله أجر وإن غلط في اجتهاده.
أبو الزعيزعة كاتب مروان: أن مروان أرسل إلى أبي هريرة، فجعل يسأله وأجلسني خلف السرير، وأنا أكتب، حتى إذا كان رأس الحول، دعا به فأقعده من وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر. قلت: هكذا فليكن الحفظ.
عن ثابت البناني قال: أن أبا برزة كان يلبس الصوف، فقيل له: إن أخاك عائذ بن عمرو يلبس الخز، قال: ويحك ومن مثل عائذ؟ فانصرف الرجل فأخبر عائذا، فقال: ومن مثل أبي برزة؟. قلت: هكذا كان العلماء يوقرون أقرانهم.
كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إلي بالعلم كله، فكتب إليه إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازما لأمر جماعتهم فافعل.
عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يرفعني على السرير، وقريش أسفل من السرير، فتغامزت بي قريش فقال ابن عباس: هكذا العلم يزيد الشريف شرفا، ويجلس المملوك على الأسرة. قلت: هذا كان سرير دار الإمرة لما كان ابن عباس متوليها لعلي رضي الله عنهما.
قال ابن شبرمة سمعت الشعبي يقول: ما سمعت منذ عشرين سنة رجلا يحدث بحديث، إلا أنا أعلم به منه، ولقد نسيت من العلم، ما لوحفظه رجل لكان به عالما.
قال مالك بن مغول: سمعت الشعبي يقول: ليتني لم أكن علمت من ذا العلم شيئا. قلت: لأنه حجة على العالم، فينبغي أن يعمل به، و ينبه الجاهل فيأمره وينهاه، ولأنه مظنة ان لايخلص فيه، وأن يفتخر به، و يماري به لينال رئاسة ودنيا فانية.
عن عمرو بن مالك سمع أبا الجوزاء يقول: ما لعنت شيئا قط، ولا أكلت شيئا ملعونا قط، ولا آذيت أحدا قط. قلت: انظر إلى هذا السيد واقتد به.
