2. فوائد من كتاب أدب الدنيا والدين للماوردى
A
قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: قلب الحدث كالاراضي الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته وإنما كان كذلك؛ لأن الصغير أفرغ قلبا، وأقل شغلا، وأيسر تبذلا، وأكثر تواضعا.
قيل في منثور الحكم: المتواضع من طلاب العلم أكثرهم علما، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء فأما أن يكون الصغير أضبط من الكبير إذا عري من هذه الموانع، وأوعى منه إذا خلا من هذه القواطع فلا.
حكي أن الاحنف بن قيس سمع رجلا يقول: التعليم في الصغر كالنقش على الحجر. فقال الاحنف: الكبير أكثر عقلا ولكنه أشغل قلبا. ولعمري لقد فحص الاحنف عن المعنى ونبه على العلة؛ لأن قواطع الكبير كثيرة: فمنها: ما ذكرنا من الاستحياء.
قيل في منثور الحكم: من رق وجهه رق علمه. قال الخليل بن أحمد: يرتع الجهل بين الحياء والكبر في العلم. ومنها: وفور شهواته وتقسم أفكاره.
قال بعض البلغاء: من بلغ أشده لاقي من العلم أشده. ومنها: كثرة اشتغاله وترادف حالاته حتى أنها تستوعب زمانه وتستنفد أيامه. فإذا كان ذا رئاسة ألهته، وإن كان ذا معيشة قطعته. ولذلك قيل: تفقهوا قبل أن تسودوا.
ينبغي لطالب العلم أن لا يني في طلبه وينتهز الفرصة به، فربما شح الزمان بما سمح وضن بما منح. ويبتدئ من العلم بأوله ويأتيه من مدخله ولا يتشاغل بطلب ما لا يضر جهله فيمنعه ذلك من إدراك ما لا يسعه جهله فإن لكل علم فصولا مذهلة وشذورا مشغلة، إن صرف إليها نفسه قطعته عما هو أهم منها.
قال المأمون: ما لم يكن العلم بارعا فبطون الصحف أولى به من قلوب الرجال. قال بعض الحكماء: بترك ما لا يعنيك تدرك ما يغنيك.
من أخذ من العلم ما تسهل وترك منه ما تعذر كان كالقناص إذا امتنع عليه الصيد تركه فلا يرجع الا خائبا إذ ليس يرى الصيد الا ممتنعا. كذلك العلم كله صعب على من جهله، سهل على من علمه؛ لأن معانيه التي يتوصل إليها مستودعة في كلام مترجم عنها.
كل كلام مستعمل فهو يجمع لفظا مسموعا ومعنى مفهوما، فاللفظ كلام يعقل بالسمع والمعنى تحت اللفظ يفهم بالقلب.
قال بعض الحكماء: العلوم مطالعها من ثلاثة أوجه: قلب مفكر، ولسان معبر، وبيان مصور. فإذا عقل الكلام بسمعه فهم معانيه بقلبه. وإذا فهم المعاني سقط عنه كلفة استخراجها وبقي عليه معاناة حفظها واستقرارها؛ لأن المعاني شوارد تضل بالاغفال.
حكي عن فيثاغورس في وصاياه المرموزة أنه قال: احفظ ميزانك من البذيء، وأوزانك من الصديء. يريد بحفظ الميزان من البذيء حفظ اللسان من الخنا، وحفظ الاوزان من الصدى حفظ العقل من الهوى. فصار بهذا الرمز مستحسنا ومدونا ولو قاله باللفظ الصريح والمعنى الصحيح، لما سار عنه، ولا استحسن منه. وعلة ذلك أن المحجوب عن الافهام كالمحجوب عن الابصار فيما يحصل له في النفوس من التعظيم، وفي القلوب من التفخيم وما ظهر منها ولم يحتجب هان واسترذل.
قيل في منثور الحكم: من الفراغ تكون الصبوة. قال بعض البلغاء: من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله أو حمد حصله، أو خير أسسه أو علم اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه.
قال بعض الحكماء: إذا فقد العالم الذهن قل على الاضداد احتجاجه، وكثر إلى الكتب احتياجه وليس لمن بلي به الا الصبر والاقلال؛ لأنه على القليل أقدر، وبالصبر أحرى أن ينال ويظفر.
قال بعض الحكماء: قدم لحاجتك بعض لجاجتك. وليس يقدر على الصبر من هذا حاله الا أن يكون غالب الشهوة، بعيد الهمة، فيشعر قلبه الصبر؛ لقوة شهوته، وجسده احتمال التعب؛ لبعد همته. فإذا تلوح له المعنى بمساعدة الشهوة أعقبه ذلك إلحاح الاملين ونشاط المدركين فقل عنده كل كثير، وسهل عليه كل عسير.
قيل في منثور الحكم: أتعب قدمك، فإن تعب قدمك. قال بعض البلغاء: إذا اشتد الكلف، هانت الكلف.
قيل لا يدرك العلم من لا يطيل درسه، ويكد نفسه وكثرة الدرس كدود لا يصبر عليه الا من يرى العلم مغنما، والجهالة مغرما. فيحتمل تعب الدرس ليدرك راحة العلم وينفي عنه معرة الجهل.
إن نيل العظيم بأمر عظيم، وعلى قدر الرغبة تكون المطالب، وبحسب الراحة يكون التعب وقد قيل: طلب الراحة قلة الاستراحة.
قال بعض الحكماء: أكمل الراحة ما كانت عن كد التعب، وأعز العلم ما كان عن ذل الطلب. وربما استثقل المتعلم الدرس والحفظ واتكل بعد فهم المعاني على الرجوع إلى الكتب والمطالعة فيها عند الحاجة فلا يكون الا كمن أطلق ما صاده ثقة بالقدرة عليه بعد الامتناع منه فلا تعقبه الثقة الا خجلا والتفريط الا ندما.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: كونوا للعلم رعاة، ولا تكونوا له رواة، فقد يرعوي من لا يروي، ويروي من لا يرعوي.
حدث الحسن البصري بحديث فقال له رجل: يا أبا سعيد، عمن؟ قال: ما تصنع بعمن، أما أنت فقد نالتك عظته، وقامت عليك حجته. وربما اعتمد على حفظه وتصوره، وأغفل تقييد العلم في كتبه ثقة بما استقر في ذهنه وهذا خطأ منه ؛ لأن الشكل معترض والنسيان طارق.
قال الخليل بن أحمد: اجعل ما في الكتب رأس المال، وما في القلب النفقة. قال مهبود: لولا ما عقدته الكتب من تجارب الاولين، لانحل مع النسيان عقود الاخرين.
قال بعض البلغاء: إن هذه الاداب نوافر تند عن عقل الاذهان فاجعلوا الكتب عنها حماة، والاقلام لها رعاة. وأما الطوارئ فنوعان: أحدهما: شبهة تعترض المعنى فتمنع عن نفس تصوره وتدفع عن إدراك حقيقته، فينبغي أن يزيل تلك الشبهة عن نفسه بالسؤال والنظر؛ ليصل إلى تصور المعنى وإدراك حقيقته.
قال بعض الحكماء: إن لهذه القلوب تنافر كتنافر الوحش فتألفوها بالاقتصاد في التعليم، والتوسط في التقديم؛ لتحسن طاعتها، ويدوم نشاطها. فهذا تعليل ما في المستمع من الاسباب المانعة من فهم المعاني.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {أو أثارة من علم} قال: يعني الخط. وروي عن مجاهد في قوله تعالى: {يؤتي الحكمة من يشاء} يعني الخط {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} يعني الخط، والعرب تقول: الخط أحد اللسانين، وحسنه أحد الفصاحتين.
قال جعفر بن يحيى: الخط سمط الحكمة به يفصل شذورها، وينظم منثورها. قال ابن المقفع: اللسان مقصور على القريب الحاضر والقلم على الشاهد والغائب وهو للغابر الكائن مثله للقائم الدائم.
قال حكيم الروم: الخط هندسة روحانية، وإن ظهرت بآلة جسمانية. وقال حكيم العرب: الخط أصل في الروح وإن ظهر بحواس الجسد.
حكى ابن قتيبة أن أول من كتب إدريس - على نبينا وعليه السلام - وكانت العرب تعظم قدر الخط وتعده من أجل نافع حتى قال عكرمة: بلغ فداء أهل بدر أربعة الاف حتى إن الرجل ليفادى على أنه يعلم الخط، لما هو مستقر في نفوسهم من عظم خطره وجلالة قدره وظهور نفعه وأثره.
لما كان الخط بهذا الحال وجب على من أراد حفظ العلم أن يعبأ بأمرين: أحدهما: تقويم الحروف على أشكالها الموضوعة لها. والثاني: ضبط ما اشتبه منها بالنقط والاشكال المميزة لها. ثم ما زاد على هذين من تحسين الخط وملاحة نظمه فإنما هو زيادة حذق بصنعته وليس بشرط في صحته.
قال علي بن عبيدة: حسن الخط لسان اليد وبهجة الضمير. قال عبد الحميد: البيان في اللسان والخط في البنان.
قال الفضل بن سهل: من سعادة المرء أن يكون رديء الخط؛ لأن الزمان الذي يفنيه بالكتابة يشغله بالحفظ والنظر. وليست رداءة الخط هي السعادة، وإنما السعادة أن لا يكون له صارف عن العلم. وعادة ذي الخط الحسن أن يتشاغل بتحسين خطه عن العلم فمن هذا الوجه صار برداءة خطه سعيدا، وإن لم تكن رداءة الخط سعادة.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: شر الكتابة الشبق كما أن شر القراءة الهذرمة. قيل: إن الخط الحسن ليزيد الحق وضوحا.
قال النوري: الخطوط المعجمة كالبرود المعلمة. قال بعض البلغاء: إعجام الخط يمنع من استعجامه، وشكله يؤمن من إشكاله.
ينبغي لطالب العلم أن يكشف عن الاسباب المانعة عن فهم المعنى ليسهل عليه الوصول إليه، ثم يكون من بعد ذلك سائسا لنفسه مدبرا لها في حال تعلمه. فإن للنفس نفورا يفضي إلى تقصير ووفورا يئول إلى سرف وقيادها عسر ولها أحوال ثلاث: فحال عدل وإنصاف، وحال غلو وإسراف، وحال تقصير وإجحاف فأما حال العدل والانصاف فهي أن تختلف قوى النفس من جهتين متقابلتين: طاعة مسعدة وشفقة كافة. فطاعتها تمنع التقصير، وشفقتها ترد عن السرف والتبذير. وهذه أحمد الاحوال؛ لأن ما منع من التقصير نما، وما صد عن السرف مستديم. والنمو إذا استدام فأخلق به أن يستكمل.
قال بعض الحكماء: إياك ومفارقة الاعتدال، فإن المسرف مثل المقصر في الخروج عن الحد. وأما حال الغلو والاسراف فهي أن تختص النفس بقوى الطاعة وتقدم قوى الشفقة فيبعثها اختصاص الطاعة على إفراغ الجهد، ويفضي إفراغ الجهد إلى عجز الكلال، فيؤدي عجز الكلال إلى الترك والاهمال، فتصير الزيادة نقصانا، والربح خسرانا.
قالت الحكماء: طالب العلم وعامل البر كآكل الطعام إن أخذ منه قوتا عصمه، وإن أسرف فيه أبشمه. وربما كان فيه منيته كأخذ الادوية التي فيها شفاء ومجاوزة القصد فيها السم المميت، وأما حال التقصير والاجحاف فهي أن تختص النفس بقوى الشفقة وتعدم قوى الطاعة فيدعوها الاشفاق إلى المعصية، وتمنعها المعصية من الاجابة فلا تطلب شاردا، ولا تقبل عائدا، ولا تحفظ مستودعا. ومن لم يطلب الشارد، ويقبل العائد، ويحفظ المستودع فقد الموجود، ولم يجد المفقود. ومن فقد ما وجد فهو مصاب محزون، ومن لم يجد ما فقد فهو خائب مغبون.
قال ابن مسعود: للقلوب شهوة وإقبال وفترة وإدبار فأتوها من قبل شهوتها ولا تأتوها من قبل فترتها.
اعلم أن للمتعلم تملقا وتذللا فإن استعملهما غنم، وإن تركهما حرم؛ لأن التملق للعالم يظهر مكنون عمله، والتذلل له سبب لإدامة صبره. وبإظهار مكنونه تكون الفائدة وباستدامة صبره يكون الاكثار.
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ذللت طالبا فعززت مطلوبا. قال بعض الحكماء: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا.
قال صالح بن عبد القدوس: وإن عناء أن تعلم جاهلا فيحسب أهلا أنه منك أعلم متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم متى ينتهي عن سيئ من أتى به إذا لم يكن منه عليه تندم وقد رجح كثير من الحكماء حق العالم على حق الوالد.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عقبى الاخرق مضرة، والمتعسف لا تدوم له مسرة. قال بعض الحكماء: القصد أسهل من التعسف، والكف أودع من التكلف. وربما تتبع نفس الانسان من بعد عنه استهانة بمن قرب منه، وطلب ما صعب احتقارا لما سهل عليه، وانتقل إلى من لم يخبره مللا لمن خبره، فلا يدرك محبوبا ولا يظفر بطائل.
أما ما يجب أن يكون عليه العلماء من الاخلاق التي بهم أليق، ولهم ألزم، فالتواضع ومجانبة العجب؛ لأن التواضع عطوف والعجب منفر. وهو بكل أحد قبيح وبالعلماء أقبح؛ لأن الناس بهم يقتدون وكثيرا ما يداخلهم الاعجاب لتوحدهم بفضيلة العلم. ولو أنهم نظروا حق النظر وعملوا بموجب العلم لكان التواضع بهم أولى، ومجانبة العجب بهم أحرى؛ لأن العجب نقص ينافي الفضل.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم وتواضعوا لمن تعلمون وليتواضع لكم من تعلمونه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم.
قال بعض السلف: من تكبر بعلمه وترفع وضعه الله به، ومن تواضع بعلمه رفعه به. وعلة إعجابهم انصراف نظرهم إلى كثرة من دونهم من الجهال، وانصراف نظرهم عمن فوقهم من العلماء فإنه ليس متناه في العلم الا وسيجد من هو أعلم منه إذ العلم أكثر من أن يحيط به بشر. قال الله تعالى: {نرفع درجات من نشاء}. يعني في العلم: {وفوق كل ذي علم عليم} قال أهل التأويل: فوق كل ذي علم من هو أعلم منه حتى ينتهي ذلك إلى الله تعالى.
قيل لبعض الحكماء: من يعرف كل العلم؟ قال: كل الناس. وقال الشعبي: ما رأيت مثلي وما أشاء أن ألقى رجلا أعلم مني الا لقيته. لم يذكر الشعبي هذا القول تفضيلا لنفسه فيستقبح منه، وإنما ذكره تعظيما للعلم عن أن يحاط به. فينبغي لمن علم أن ينظر إلى نفسه بتقصير ما قصر فيه ليسلم من عجب ما أدرك منه.
قيل في منثور الحكم: إذا علمت فلا تفكر في كثرة من دونك من الجهال، ولكن انظر إلى من فوقك من العلماء.
قال الشعبي: العلم ثلاثة أشبار فمن نال منه شبرا شمخ بأنفه وظن أنه ناله. ومن نال الشبر الثاني صغرت إليه نفسه وعلم أنه لم ينله، وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحد أبدا.
حق على من ترك العجب بما يحسن أن يدع التكلف لما لا يحسن. فقديما نهى الناس عنهما، واستعاذوا بالله منهما.
قال بعض الحكماء: من العلم أن لا تتكلم فيما لا تعلم بكلام من يعلم، فحسبك جهلا من عقلك أن تنطق بما لا تفهم.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وما أبردها على القلب إذا سئل أحدكم فيما لا يعلم أن يقول الله أعلم، وإن العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل.
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله. قال بعض العلماء: هلك من ترك لا أدري.
قال بعض الحكماء: ليس لي من فضيلة العلم الا علمي بأني لست أعلم. وقال بعض البلغاء: من قال لا أدري علم فدرى، ومن انتحل مما لا يدري أهمل فهوى، ولا ينبغي للرجل وإن صار في طبقة العلماء الافاضل أن يستنكف من تعلم ما ليس عنده ليسلم من التكلف.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: خمس خذوهن عني فلو ركبتم الفلك ما وجدتموهن الا عندي: الا لا يرجون أحد الا ربه، ولا يخافن الا ذنبه، ولا يستنكف العالم أن يتعلم لما ليس عنده وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل لا أعلم، ومنزلة الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد.
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: لو كان أحدكم يكتفي من العلم لاكتفى منه موسى - على نبينا وعليه السلام - لما قال: {هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا}. قيل للخليل بن أحمد: بم أدركت هذا العلم؟ قال: كنت إذا لقيت عالما أخذت منه، وأعطيته.
قال بزرجمهر: من العلم أن لا تحتقر شيئا من العلم، ومن العلم تفضيل جميع العلم وقال المنصور لشريك: أنى لك هذا العلم؟ قال: لم أرغب عن قليل أستفيده، ولم أبخل بكثير أفيده. على أن العلم يقتضي ما بقي منه ويستدعي ما تأخر عنه، وليس للراغب فيه قناعة ببعضه.
روى عون بن عبد الله عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا. أما طالب العلم فإنه يزداد للرحمن رضى، ثم قرأ {إنما يخشى الله من عباده العلماء}. وأما طالب الدنيا فإنه يزداد طغيانا ثم قرأ: {كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى} وليكن مستقلا للفضيلة منه ليزداد منها، ومستكثرا للنقيصة فيه لينتهي عنها، ولا يقنع من العلم بما أدرك؛ لأن القناعة فيه زهد، وللزهد فيه ترك، والترك له جهل.
قد قال بعض الحكماء: عليك بالعلم والاكثار منه فإن قليله أشبه شيء بقليل الخير، وكثيره أشبه شيء بكثيره، ولن يعيب الخير الا القلة، فأما كثرته فإنها أمنية.
قال بعض البلغاء: من فضل علمك استقلالك لعلمك، ومن كمال عقلك استظهارك على عقلك. ولا ينبغي أن يجهل من نفسه مبلغ علمها، ولا يتجاوز بها قدر حقها. ولان يكون بها مقصرا فيذعن بالانقياد، أولى من أن يكون بها مجاوزا، فيكف عن الازدياد؛ لأن من جهل حال نفسه كان لغيرها أجهل.
قد قسم الخليل بن أحمد أحوال الناس فيما علموه أو جهلوه أربعة أقسام متقابلة لا يخلو الانسان منها فقال: الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك ناس فذكروه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فأرشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه.
روى عبد الله بن وهب عن سفيان أن الخضر - على نبينا وعليه السلام - قال لموسى عليه السلام: يا ابن عمران تعلم العلم لتعمل به، ولا تتعلمه لتحدث به فيكون عليك بوره، ولغيرك نوره.
قال أبو الدرداء: أخوف ما أخاف إذا وقفت بين يدي الله أن يقول: قد علمت فماذا عملت إذ علمت؟ وكان يقال: خير من القول فاعله، وخير من الصواب قائله، وخير من العلم حامله.
قيل في منثور الحكم: لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به. قال بعض العلماء: ثمرة العلم أن يعمل به، وثمرة العمل أن يؤجر عليه.
قال بعض الصلحاء: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه أقام والا ارتحل. قال بعض العلماء: خير العلم ما نفع، وخير القول ما ردع.
قال بعض الادباء: ثمرة العلوم العمل بالعلوم. قال بعض البلغاء: من تمام العلم استعماله، ومن تمام العمل استقلاله. فمن استعمل علمه لم يخل من رشاد، ومن استقل عمله لم يقصر عن مراد.
قال حاتم الطائي: ولم يحمدوا من عالم غير عامل خلافا ولا من عامل غير عالم رأوا طرقات المجد عوجا قطيعة وأفظع عجز عندهم عجز حازم لأنه لما كان علمه حجة على من أخذ عنه واقتبسه منه حتى يلزمه العمل به والمصير إليه كان عليه أحج وله ألزم؛ لأن مرتبة العلم قبل مرتبة القول، كما أن مرتبة العلم قبل مرتبة العمل.
قال أبو العتاهية رحمه الله: اسمع إلى الاحكام تحملها الرواة إليك عنكا واعلم هديت بأنها حجج تكون عليك منكا ثم ليتجنب أن يقول ما لا يفعل، وأن يأمر بما لا يأتمر به، وأن يسر غير ما يظهر، ولا يجعل قول الشاعر هذا: اعمل بقولي وإن قصرت في عملي ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري عذرا له في تقصير يضمره وإن لم يضر غيره. فإن إعذار النفس يغريها ويحسن لها مساوئها. فإن من قال ما لا يفعل فقد مكر، ومن أمر بما لا يأتمر فقد خدع، ومن أسر غير ما يظهر فقد نافق.
حكي عن الزهري فيه ما يغني عن تكلف غيره، وهو أنه قال: العلم أفضل من العمل لمن جهل، والعمل أفضل من العلم لمن علم.
من آداب العلماء أن لا يبخلوا بتعليم ما يحسنون ولا يمتنعوا من إفادة ما يعلمون. فإن البخل به لوم وظلم، والمنع منه حسد وإثم. وكيف يسوغ لهم البخل بما منحوه جودا من غير بخل، وأوتوه عفوا من غير بذل. أم كيف يجوز لهم الشح بما إن بذلوه زاد ونما، وإن كتموه تناقص ووهي. ولو استن بذلك من تقدمهم لما وصل العلم إليهم ولانقرض عنهم بانقراضهم، ولصاروا على مرور الايام جهالا، وبتقلب الاحوال وتناقصها أرذالا. وقد قال الله تعالى: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ".
عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه أنه قال: ما أخذ الله العهد على أهل الجهل أن يتعلموا، حتى أخذ على أهل العلم العهد أن يعلموا.
قال بعض الحكماء: إذا كان من قواعد الحكمة بذل ما ينقصه البذل فأحرى أن يكون من قواعدها بذل ما يزيده البذل.
قال بعض العلماء: كما أن الاستفادة نافلة للمتعلم، كذلك الافادة فريضة على المعلم. قيل في منثور الحكم: من كتم علما فكأنه جاهل.
قال خالد بن صفوان: إني لافرح بإفادتي المتعلم أكثر من فرحي باستفادتي من المعلم. ثم له بالتعليم نفعان: أحدهما ما يرجوه من ثواب الله تعالى، والنفع الثاني: زيادة العلم وإتقان الحفظ.
قال الخليل بن أحمد: اجعل تعليمك دراسة لعلمك، واجعل مناظرة المتعلم تنبيها على ما ليس عندك. قال بعض العلماء: علم علمك وتعلم علم غيرك.
قال ابن المعتز في منثور الحكم: النار لا ينقصها ما أخذ منها، ولكن يخمدها أن لا تجد حطبا. كذلك العلم لا يفنيه الاقتباس، ولكن فقد الحاملين له سبب عدمه. فإياك والبخل بما تعلم.
إذا علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت، فاعلم أن المتعلمين ضربان: مستدعى وطالب. فأما المستدعى إلى العلم فهو من استدعاه العالم إلى التعليم لما ظهر له من جودة ذكائه، وبان له من قوة خاطره. فإذا وافق استدعاء العالم شهوة المتعلم كانت نتيجتها درك النجباء، وظفر السعداء؛ لأن العالم باستدعائه متوفر، والمتعلم بشهوته مستكثر وأما طالب العلم لداع يدعوه، وباعث يحدوه، فإن كان الداعي دينيا، وكان المتعلم فطنا ذكيا، وجب على العالم أن يكون عليه مقبلا وعلى تعليمه متوفرا لا يخفي عليه مكنونا، ولا يطوي عنه مخزونا. وإن كان بليدا بعيد الفطنة فينبغي أن لا يمنع من اليسير فيحرم، ولا يحمل عليه بالكثير فيظلم.ولا يجعل بلادته ذريعة لحرمانه فإن الشهوة باعثة والصبر مؤثر.
قال بعض الحكماء: لا تمنعوا العلم أحدا فإن العلم أمنع لجانبه. فأما إن لم يكن الداعي دينيا نظر فيه فإن كان مباحا، كرجل دعاه إلى طلب العلم حب النباهة وطلب الرئاسة فالقول فيه يقارب القول الاول في تعليم من قبل؛ لأن العلم يعطفه إلى الدين في ثاني حال، وإن لم يكن مبتدئا به في أول حال.
حكي عن سفيان الثوري أنه قال: تعلمنا العلم لغير الله تعالى فأبى أن يكون الا لله. قال عبد الله بن المبارك: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا. وإن كان الداعي محظورا، كرجل دعاه إلى طلب العلم شر كامن، ومكر باطن يريد أن يستعملهما في شبه دينية، وحيل فقهية، لا تجد أهل السلامة منها مخلصا، ولا عنها مدافعا.
حكي أن تلميذا سأل عالما عن بعض العلوم فلم يفده، فقيل له: لم منعته؟ فقال: لكل تربة غرس، ولكل بناء أس. قال بعض البلغاء: لكل ثوب لابس، ولكل علم قابس.
قال بعض الادباء: إرث لروضة توسطها خنزير، وابك لعلم حواه شرير. وينبغي أن يكون للعالم فراسة يتوسم بها المتعلم ليعرف مبلغ طاقته، وقدر استحقاقه ليعطيه ما يتحمله بذكائه، أو يضعف عنه ببلادته فإنه أروح للعالم، وأنجح للمتعلم.
