5. فوائد من كتاب روضة العقلاء
A
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يتحبب إلى الناس بلزوم حسن الخلق، وترك سوء الخلق؛ لأن الخلق الحسن يذيب الخطايا، كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيء ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل، وقد تكون في الرجل أخلاق كثيرة صالحة كلها، وخلق سيء، فيفسد الخلق السيء الأخلاق الصالحة كلها.
قال الفضيل بن عياض: إذا خالطت فخالط حسن الخلق، فإنه لا يدعو إلا إلى خير، وصاحبه منه في راحة، ولا تخالط سيء الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى شر، وصاحبه منه في عناء. ولأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني قارىء سيء الخلق، إن الفاسق إذا كان حسن الخلق عاش بعقله، وخف على الناس وأحبوه، وإن العابد إذا كان سيء الخلق، ثقل على الناس ومقتوه.
قال أبو حاتم: حسن الخلق بذل اكتساب المحبة، كما أن سوء الخلق بذر استجلاب البغضة، ومن حسن خلقه صان عرضه، ومن ساء خلقه هتك عرضه ؛ لأن سوء الخلق يورث الضغائن، والضغائن إذا تمكنت في القلوب أورثت العداوة، والعداوة إذا ظهرت من غير صاحب الدين أهوت بصاحبها إلى النار، إلا أن يتداركه الله بفضل منه وعفو.
عن ميمون بن مهران قال: التودد إلى الناس نصف العقل، وحسن المسألة نصف العلم، واقتصادك في معيشتك يلقي عنك نصف المؤونة.
قال أبو حاتم: المتحبب إلى الناس أسهل ما يكون وجها، وأظهر ما يكون بشرا، وأخصر ما يكون أمرا، وأرفق ما يكون نهيا، وأحسن ما يكون خلقا، وألين ما يكون كنفا، وأوسع ما يكون يدا، وأدفع ما يكون أذى، وأعظم ما يكون احتمالا، فإذا كان المرء بهذا النعت لا يحزن من يحبه، ولا يفرح من يحسده، لأن من جعل رضاه تبعا لرضا الناس، وعاشرهم من حيث هم، استحق الكمال بالسؤدد.
قال أبو حاتم: حاجة المرء إلى الناس مع محبتهم إياه خير من غناه عنهم مع بغضهم إياه، والسبب الداعي إلى صد محبتهم له: هو التضايق في الأخلاق، وسوء الخلق؛ لأن من ضاق خلقه شتمه أهله وجيرانه، واستثقله إخوانه، فحينئذ تمنوا الخلاص منه، ودعوا بالهلاك عليه.
قال أبو حاتم: الاستثقال من الناس يكون سببه شيئين: أحدهما: مقارفة المرء ما نهى الله عنه من المآثم؛ لأن من تعدى حرمات الله أبغضه الله، ومن أبغضه الله أبغضته الملائكة، ثم يوضع له البغض في الأرض، فلا يكاد يراه أحد إلا استثقله وأبغضه. والسبب الآخر: هو استعمال المرء من الخصال ما يكره الناس منه، فإذا كان كذلك استحق الاستثقال منهم.
عن أبى بكر المروذي قال: سألت أحمد بن حنبل عن الثقلاء، فقال: سألت عنهم بشرا الحافي، فقال: النظر إليهم سـخنة العين، فقلت لأحمد: مـن الثقلاء؟ قال: أهل البدع.
قال أبو حاتم: هذا الذي قال أحمد بن حنبل - رحمة الله عليه - هو استثقال الخاص؛ إذا عرف أحدهم من بعض الناس ثلما في السنة أبغضه على بدعته، فأما العوام فلا يكادون يعادون ويوالون إلا على المحبوب من الخصال، والمكروه من الفعال.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل مجانبة الخصال التي تورثه استثقال الناس إياه، وملازمة الخصال التي تؤديه إلى محبتهم إياه.
من أعظم ما يتوسل به إلى الناس، ويستجلب به محبتهم: البذل لهم مما يملك المرء من حطام هذه الدنيا، واحتماله عنهم ما يكون منهم من الأذى، فلو أن المرء صحبه طائفتان: إحداهما: تحبه، والأخرى: تبغضه. فأحسن إلى التي تبغضه، وأساء إلى التي تحبه، ثم أصابته نكبة فاحتاج إليهما، لكان أسرعهما إلى خذلانه وأبعدهما عن نصرته الطائفة التي كانت تحبه، وأسرعهما إلى نصرته وأبعدهما عن خذلانه الطائفة التي كانت تبغضه، لأن الكلب إذا شبع قوي، وإذا قوي أمل، وإذا أمل تبع المأمول، وإذا جاع ضعف، وإذا ضعف أيس، وإذا أيس ولى عن المتبوع فمن عدم المال فليبسط وجهه للناس. فإن ذلك يقوم مقام بذل المعروف، إذ هو أحد طرفيه.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يلزم المداراة مع من دفع إليه في العشرة من غير مقارفة المداهنة، إذ المداراة من المداري صدقة له، والمداهنة من المداهن تكون خطيئة عليه.
الفصل بين المداراة والمداهنة: هو أن يجعل المرء وقته في الرياضة لإصلاح الوقت الذي هو له مقيم بلزوم المداراة من غير ثلم في الدين من جهة من الجهات، فمتى ما تخلق المرء بخلق شانه بعض ما كره الله منه في تخلقه، فهذا هو المداهنة لا المداراة، فالعاقل يجتنب المداهنة، لأن عاقبتها تصير إلى قل ويلزم المداراة؛ لأنها تدعو إلى صلاح أحواله، ومن لم يدار الناس ملوه.
عن ابن الحنفية قال: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا، حتى يأتيه الله منه بالفرج أو المخرج.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يداري الزمان مداراة الرجل السابح في الماء الجاري، ومن ذهب إلى عشرة الناس من حيث هو كدر على نفسه عيشه، ولم تصف له مودتهم ؛ لأن وداد الناس لا يستجلب إلا بمساعدتهم على ما هم عليه إلا أن يكون مأثما، فإذا كانت حالة معصية فلا سمع ولا طاعة. والبشر قد ركب فيهم أهواء مختلفة وطبائع متباينة، فكما يشق عليك ترك ما جبلت عليه، فكذلك يشق على غيرك مجانبة مثله، فليس إلى صفو ودادهم سبيل، إلا بمعاشرتهم من حيث هم، والإغضاء عن مخالفتهم في الأوقات.
قال أبو حاتم: من التمس رضا جميع الناس التمس ما لا يدرك، ولكن يقصد العاقل رضا من لا يجد من معاشرته بدا، وإن دفعه الوقت إلى استحسان أشياء من العادات مما كان يستقبحها، واستقباح أشياء كان يستحسنها، ما لم يكن مأثما، فإن ذلك من المداراة، وما أكثر من دارى فلم يسلم. فكيف يجد السلامة من لم يدار؟.
عن معاذ بن سعد الأعور قال: كنت جالسا عند عطاء بن أبي رباح، فحدث رجل بحديث، فتعرض رجل من القوم في حديثه، قال: فغضب، وقال: ما هذه الطبائع؟ إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه، فأريه كأني لا أحسن منه شيئا.
قال معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه: لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف؟ قال: لأنهم إن مدوها خليتها، وإن خلوها مددتها.
قال ابنُ حِبَّانَ: (من لم يعاشِرِ النَّاسَ على لزومِ الإغضاءِ عمَّا يأتون من المكروهِ، وتَرْكِ التَّوقُّعِ لِما يأتون من المحبوبِ؛ كان إلى تكديرِ عيشِه أقرَبَ منه إلى صفائِه، وإلى أن يدفَعَه الوقتُ إلى العداوةِ والبغضاءِ أقرَبَ منه إلى أن ينالَ منهم الوِدادَ وتَركَ الشَّحناءِ) ومن لم يدار صديق السوء كما يداري صديق الصدق، لم يكن بحازم.
قال أبو الدرداء لأم الدرداء: إذا غضبت رضيتني، وإذا غضبت رضيتك، فمتى لم نكن هكذا ما أسرع ما نفترق.
قال أبو حاتم: العاقل إذا دفعه الوقت إلى معاشرة من يمزح بصداقته، أو صداقة من يثق بأخوته، فرأى من أحدهما زلة فرفضه لزلته، بقي وحيدا لا يجد من يعاشر، فريدا لا يجد من يخادن، بل يغضي على الأخ الصادق زلاته، ولا يناقش الصديق السيء على عثراته؛ لأن المناقشة تلزمه في تصحيح أصل الوداد، أكثر مما تلزمه في فروعه.
قال علي بن أبى طالب رضى الله عنه: لا تعامل بالخديعة، فإنها خلق اللئام، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أم قبيحة، وساعده على كل حال، وزل معه حيث زال.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يلزم إفشاء السلام على العالم ؛ لأن من سلم على عشرة كان كمن أعتق رقبة، والسلام مما يذهب إفشاؤه ما يكمن من الشحناء، وما في الخلد من البغضاء، ويقطع الهجران، ويصافي الإخوان.
البادىء بالسلام بين جنتين: إحداهما: تفضيل الله - عز وجل- إياه على المسلم عليه بفضل درجة، بتذكره إياه بالسلام، وبين رد الملائكة عليه عند غفلتهم عن الرد.
قال زبيد الإيامي: إن أجود الناس من أعطى ما لا يريد جزاءه، وإن أحسن الناس عفوا من عفا بعد قدرة، وإن أفضل الناس من وصل من قطعه، وإن أبخل الناس من بخل بالسلام.
عن عمار بن ياسر رضى الله عنه قال: ثلاث من جمعهن جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من النفس، وبذل السلام للعالم.
قال أبو حاتم: الواجب على المسلم إذا لقي أخاه المسلم أن يسلم عليه متبسما إليه، فإن من فعل ذلك تحات منهما خطاياهما كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس، وقد استحق المحبة من الناس من أعطاهم بشر وجوههم.
عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أخبرت أنه مكتوب في الحكمة: يا بني، ليكن وجهك بسطا، ولتكن كلمتك طيبة - تكن أحب إلى الناس من أن تعطيهم العطاء.
قال أبو حاتم: لا يجب على العاقل إذا رزق السلوك في ميزان طاعة من الطاعات إذا رأى من قصر في سلوك قصده، أن يعبس عليه بعمله ووجهه، بل يظهر البشر والبشاشة له، فلعله في سابق علم الله أن يرجع إلى صحة الأوبة إلى قصده، مع ما يجب عليه من الحمد لله والشكر له، على ما وفقه لخدمته، وحرم غيره مثله.
المزاح على ضربين: فمزاح محمود، ومزاح مذموم. فأما المزاح المحمود: فهو الذي لا يشوبه ما كره الله جل وعلا، ولا يكون بإثم ولا قطيعة رحم. وأما المزاح المذموم: فهو الذي يشوبه ما كره الله - جلا وعلا - فمن المزاح المذموم تثور العداوة، ويذهب البهاء، ويقطع الصداقة، ويجتريء الدنيء عليه، ويحقر الشريف به.
قال أبو حاتم: المزاح في غير طاعة الله مسلبة للبهاء، مقطعة للصداقة، يورث الضغن، وينبت الغل، وإنما سمي المزاح مزاحا ؛ لأنه زاح عن الحق، وكم من افتراق بين أخوين، وهجران بين متآلفين، كان أول ذلك المزاح.
قال أبو حاتم: وإن من المزاح ما يكون سببا لتهييج المراء، فالواجب على العاقل اجتنابه؛ لأن المراء مذموم في الأحوال كلها، ولا يخلو المماري من أن يفوته أحد رجلين في المراء: إما رجل هو أعلم منه، فكيف يجادل من هو دونه في العلم؟ أو يكون ذاك أعلم منه، فكيف يماري من هو أعلم منه؟.
قال أبو حاتم: المراء أخ الشنآن، كما أن المناقشة أخ العداوة، والمراء قليل نفعه، كثير شره، ومنه يكون السباب، ومن السباب يكون القتال، ومن القتال يكون هراقة الدم، وما مارى أحد أحدا إلا وقد غير المراء قلبيهما.
قال أبو حاتم: المزاح إذا كان فيه إثم، فهو يسود الوجه، ويدمي القلب، ويورث البغضاء، ويحيي الضغائن، وإذا كان من غير معصية، يسلي الهم، ويوقع الخلطة، ويحيي النفوس، ويذهب الحشمة، فالواجب على العاقل أن يستعمل من المزاح ما ينسب بفعله إلى الحلاوة، ولا ينوي به أذى أحد، ولا سرور أحد بمساءة أحد.
عن محمد بن المنكدر قال: قالت لي أمي وأنا غلام: لا تمازح الغلمان، فتهون عليهم، أو يجترون عليك.
عن قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به.
قال أبو حاتم: من مازح رجلا من غير جنسه هان عليه واجترأ عليه، وإن كان المزاح حقا؛ لأن كل شيء لا يجب أن يسلك به غير مسلكه، ولا يظهر إلا عند أهله. على أني أكره استعمال المزاح بحضرة العوام، كما أكره تركه عند حضور الأشكال.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل لزوم الاعتزال عن الناس عاما، مع توقي مخالطتهم؛ إذ الاعتزال من الناس لو لم يكن فيه خصلة تحمد إلا السلامة من مقارفة المأثم، لكان حقيقا بالمرء أن لا يكدر وجود السلامة بلزوم السبب المؤدي إلى المناقشة.
قال سفيان بن عيينة: رأيت الثوري في المنام، فقلت له: أوصني، فقال: أقل معرفة الناس، أقل معرفة الناس، أقل معرفة الناس.
كتب ابن السماك إلى أخ له: إن استطعت أن لا تكون لغير الله عبدا ما وجدت من العبودية بدا، فافعل.
قال أبو حاتم: العاقل لا يستعبد نفسه لأمثاله، بالقيام في رعاية حقوقهم، والتصبر على ورود الأذى منهم، ما وجد إلى ترك الدخول فيه سبيلا؛ لأنه إذا حسم عن نفسه باب الاختلاط بالعالم، والمخالطة بهم، تمكن من صفاء القلب، وعدم تكدر الأوقات في الطاعات. ولقد استعمل العزلة جماعة من المتقدمين مع العام والخاص معا.
رئي إلى جنب مالك بن دينار كلب عظيم ضخم أسود رابض، فقيل له: يا أبا يحيى، ألا ترى هذا الكلب إلى جنبك؟ قال: هذا خير من جليس السوء.
قال أبو حاتم: هذا الذي ذهب إليه داود الطائي وضرباؤه من القراء من لزوم الاعتزال من الخاص، كما يلزم ذلك من العام - أرادوا بذلك عند رياضة الأنفس على التصبر على الوحدة، وإيثار ضد الخلطة على المعاشرة؛ لأن المرء متى لم يأخذ نفسه بترك ما أبيح له، فأنا خائف عليه الوقوع فيما حذر عليه.
السبب الذي يوجب الاعتزال من العالم كافة: فهو ما عرفتهم به من وجود دفن الخير، ونشر الشر، يدفنون الحسنة، ويظهرون السيئة. فإن كان المرء عالما بدعوه، وإن كان جاهلا عيروه، وإن كان فوقهم حسدوه، وإن كان دونهم حقروه، وإن نطق قالوا: مكثار، وإن سكت قالوا: غبي، وإن قدر قالوا: مقتر، وإن سمح قالوا: مبذر. فالنادم في العواقب، المحطوط عن المراتب، من اغتر بقوم هذا نعتهم، وغره ناس هذه صفتهم.
عن إبراهيم بن شماس قال: قال لي الأكاف حفص بن حميد صاحب ابن المبارك في مرو: يا إبراهيم، صحبت الناس خمسين سنة، فلم أجد أحدا ستر لي عورة، ولا وصلني إذا قطعته، ولا أمنته إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حمق كبير.
عن مالك بن أنس: أنه بلغه عن أبي ذر قال: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فهم اليوم شوك لا ورق فيه.
قال أبو حاتم: العاقل يعلم أن البشر مجبولون على أخلاق متباينة، وشيم مختلفة، فكل واحد يحب اتباع مساعدته، وترك مخالفيه، فمتى رام المرء من أخيه ضد ما وطن نفسه عليه قلاه، وإذا تبين له منه بخلاف ما أضمر عليه قلبه مله، ومن الملال يكون الاستثقال، ومن الاستثقال يكون البغض، ومن البغض تهيج العداوة، فالاشتغال بمن هذا نعته للعاقل حمق.
كان مالك بن دينار يقول: من لم يأنس بحديث الله عن حديث المخلوقين، فقد قل علمه، وعمي قلبه، وضيع أمره.
قال إبراهيم البخاري: دخلت المسجد الحرام بعد المغرب، فإذا بفضيل جالس، فجئت، فجلست إليه، فقال: من هذا؟ فقلت: إبراهيم، قال: ما جاء بك؟ قلت: رأيتك وحدك، فجلست إليك، فقال: تحب أن تغتاب، أو تتزين، أو ترائي؟ قال: فقلت: لا، قال: قم عني.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن لا يغفل عن مؤاخاة الإخوان، وإعداده إياهم للنوائب والحدثان، لأن من تعزى عن موضع سلوته بأخيه عند الهموم والغموم، وكان عقله إلى التقديح أقرب، ومن النماء أنقص.
قال محمد ابن واسع: لم يبق من العيش إلا ثلاث: الصلاة في الجماعة، ترزق فضلها، وتكفى سهوها ؛ وكفاف من معاش ليس لأحد من الناس عليك فيه منة، ولا لله عليك فيه تبعة ؛ وأخ يحسن العشرة، إن زغت قومك.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن لا يعد في الأدواء إخاء من لم يواسه في الضراء، ولم يشاركه في السراء، ورب أخي إخاء خير من أخي ولادة، ومن أتم حفاظ الأخوة تفقد الرجل أمور من يوده، والود الصحيح: هو الذي لا يميل إلى نفع، ولا يفسده منع، والمودة أمن، كما أن البغض خوف.
العاقل لا يواخي إلا من خالفه على الهوى، وأعانه على الدواء، ووافق سره علانيته، لأن خير الإخوان من لم يناقش، كما أن خير الثناء ما كان على أفواه الأخيار. والمستوخم لا يألف، كما أن غير الثقة لا يود، فمتى ما آخى المرء من لم يصافه الوفاء، يجب عليه الاستظهار بمن يسليه عنه؛ لأن التودد ممن لا يود يعد ملقا، ولا يفوت الإنسان في الأخوة أحد رجلين: إما أريب قصر في حقوقه، فاغتاله بمكر، وإما جاهل لم يصافه، فيؤذيه بسوء معاشرته. وصيانة الأخوة ليست إلا في الاستغناء عن الإخوان.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يعلم أن الغرض من المؤاخاة ليس الاجتماع والمؤاكلة والمشاربة؛ لأن البغال والحمير تجتمع على المؤاكلة والمشاربة، والسراق يداخلون الرجال على التقارف، ولا يزدادون بذلك مودة.
من أسباب المؤاخاة التي يجب على المرء لزومها: مشي القصد، وخفض الصوت، وقلة الإعجاب، ولزوم التواضع، وترك الخلاف، ولا يجب للمرء أن يكثر على إخوانه المؤونات فيبرمهم ؛ لأن الرضيع إذا كثر مصه، ربما ضجرت أمه فتلقيه، ولا ينبغي لمن قدر أن يمنع أخاه شيئا يحتاج إليه، ليجبر به مصيبته، أو يفرج به كربته، والعاقل لا يؤاخي لئيما؛ لأن اللئيم كالحية الصماء لا يوجد عندها إلا اللدغ والسم، ولا يواصل اللئيم ولا يؤاخي إلا عن رغبة أو رهبة، والكريم يود الكريم على لقية واحدة، ولو لم يلتقيا بعدها أبدا.
عن يونس ابن عبيد: أنه أصيب بمصيبة، فقيل له: ابن عون لم يأتك؟ فقال: إنا إذا وثقنا بمودة أخينا لم يضره أن لا يأتينا.
قال أبو حاتم: العاقل يتفقد ترك الجفاء مع الإخوان، ويراعي محوها إن بدت منه، ولا يجب أن يستصغر الجفوة الصغيرة، لأن من استصغر الصغير أوشك أن يجمع إليه صغيرا، فإذا الصغير كبير، بل يبلغ مجهوده في محوها؛ لأنه لا خير في الصديق إلا مع الوفاء، كما لا خير في الفقه إلا مع الورع، وإن من أخرق الخرق التماس المرء الإخوان بغير وفاء، وطلب الأجر بالرياء، ولا شيء أضيع من مودة تمنح من لا وفاء له، وصنيعة تصطنع عند من لا يشكرها.
قال أبو حاتم: لا تؤاخي إلا ذا فضل في الرأي والدين والعلم والأخلاق الحسنة، ذا عقل نشأ مع الصالحين؛ لأن صحبة بليد نشأ مع العقلاء خير مـن صحبة لبيب نشأ مع الجهال.
رأس المودة: الاسترسال، وآفتها: الملالة. ومن أضاع تعاهد الود من إخوانه، حرم ثمرة إخائهم، وآيس الإخوان من نفسه. ومن ترك الإخوان مخافة تعاهد الود يوشك أن يبقى بغير أخ، كما أن من ترك نزع الماء إشفاقا على رشائه يوشك أن يموت عطشا. والعاقل يستخبر أمور إخوانه قبل أن يؤاخيهم، ومن أصح الخبرة للمرء وجود حالته بعد هيجان الغضب.
قال لقمان لابنه: يا بني، إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه، وإلا فدعه.
قال أبو حاتم: من لم ينصفك عند غضبه، لم يودك أيامه، وليس الصديق كالمرأة يطلقها المرء إذا شاء، والجارية يبيعها متى أحب، لكنه عرضه ومروءته؛ فالتثبت والارتياد أولى به من التهاجر والانقطاع، ومن غاب عنه أخوه، فلا يغيبه عنه عن ما يجب له عليه، وليكثر منهم عدة للشدائد؛ لأن الشعر مع دقته إذا جمع عمل منه الحبل الغليظ الذي يقهر الفيل المغتلم، ولا يصلح أن يكون رفيقا من لم يزدرد ريقا.
فالواجب على العاقل أن يعلم أنه ليس من السرور شيء يعدل صحبة الإخوان، ولا غم يعدل غم فقدهم، ثم يتوقى جهده مفاسدة من صافاه، ولا يسترسل إليه فيما يشينه.
خير الإخوان من إذا عظمته صانك، ولا يعيب أخاه على الزلة؛ فإنه شريكه في الطبيعة، بل يصفح، ويتنكب محاسدة الإخوان؛ لأن الحسد للصديق من سقم المودة، فالجود بالمودة أعظم البذل؛ لأنه لا يظهر ود مستقيم من قلب سقيم، وليحذر المرء في إخائه ألم التثقيل على أخيه؛ لأن من ثقل على صديقه، خف على عدوه، وإن من أعظم المؤنة على تسلية الهم الرضا بالقضاء، ولقي الإخوان.
قال ربيعة: المروءة مروءتان: فللسفر مروءة، وللحضر مروءة. فأما مروءة السفر: فبذل الزاد، وقلة الخلاف على أصحابك، وكثرة المزاح في غير مساخط الله. فأما مروءة الحض ر: فالإدمان إلى المساجد، وكثرة الإخوان في الله، وتلاوة القرآن.
قال أبو حاتم: يجب على العاقل أن يعلم أن من يوده لم يحسده، ومن لم يحسده لم يعاده، فيكون للعدو المكاتم أشد حذرا منه للعدو المبارز. ومن وجد عنده مغترا، وكان ممن لا يعفو، ثم لم ينتصف منه؛ أصابته الندامة، والرأي إذا كان من الأريب كان أبلغ في هلاك العدو من عدد الكثير من الجنود. وترك العداوة على الإخوان كلها، أحوط للعاقل من الخوض في سلوكها.
قال أبو حاتم: لا يجب على العاقل أن يكافىء الشر بمثله، وأن يتخذ اللعن والشتم على عدوه سلاحا؛ إذ لا يستعان على العدو بمثل إصلاح العيوب، وتحصين العورات، حتى لا يجد العدو إليه سبيلا.
إن العاقل لا يرحم من يخافه، ولا يترك إحصاء معائب العدو، ويتفقد عثراتهم، مع السكوت عن ثلبه، ولا يستضعف عدوا بحيلة؛ فإن من استضعف الأعداء اغتر، ومن اغتر لم يسلم، اللهم إلا أن يكون العدو ذليلا، فإذا كان كذلك عطف عليه بالإغضاء؛ لأن العدو الذليل أهل أن يرحم، كما أن المستجير الخائف أهل أن يؤمن، والمعاداة للعاقل خير من المصافاة للجاهل.
قال أبو حاتم: العاقل يبصر موضع خطواته قبل أن يضعها، ثم يقارب عدوه بعض المقاربة، لينال حاجته، ولا يقاربه كل المقاربة فيجترأ عليه.
إن العاقل لا يعادي ما وجد إلى المحبة سبيلا، ولا يعادي من ليس له منه بد؛ لأن العدو الحنق لا يطاق؛ فإنه ليس له حيلة إلا الهرب منه، وحيلة السبيل إلى القدرة على العدو وجود الغرة فيه، وأن يري العدو أنه لا يتخذه عدوا، ثم يصادق أصدقاءه، فيدخل بينه وبينهم. وأحزم الأمور في أمر العدو: أن لا يذكره بسوء إلا عند الفرصة، وإن من أيسر الظفر بالأعداء اشتغال بعضهم ببعض، وإن مما يستعين به المرء على عدوه: مجانبة من يعاشره، ويصحب عدوه.
كان صياد يصطاد العصافير في يوم ريح، قال: فجعلت الرياح تدخل في عينيه الغبار، فتذرفان، فكلما صاد عصفورا كسر جناحه، وألقاه في ناموسه. فقال عصفور لصاحبه: ما أرقه علينا، ألا ترى إلى دموع عينيه؟ فقال له الآخ ر: لا تنظر إلى دموع عينيه، ولكن انظر إلى عمل يديه.
قال أبو حاتم: العاقل لا يأمن عدوه على كل حال، إن كان بعيدا لم يأمن مغادرته، وإن كان قريبا لم يأمن مواثبته، والعاقل لا يخاطر بنفسه في الانتقام من عدوه؛ فإنه إن هلك في قصده قيل: أضاع نفسه، وإن ظفر قيل: القضاء فعله. فالمعاداة بعد الخلة فاحشة عظيمة، لا يليق بالعاقل ارتكابها، فإن دفعه الوقت إلى ركوبها ترك للصلح موضعا.
قال أبو حاتم: العاقل لا يعادي على الحالات كلها؛ لأن العداوة لا تخلو من أن تكون لأحد رجلين: إما حليم لا يؤمن مكره، أو جاهل لا يؤمن شتمه.
لا يجب على العاقل - إذا عادى - أن يغتر بإحسانه إلى عدوه، وما يرى من سكونه إليه؛ فإن الماء وإن أطيل إسخانه، ليس بمانعه من ذلك من إطفاء النار إذا صب عليها، ولا يجب أن يعظم عليه حمله عدوه على عاتقه إذا وثق بحسن عاقبته؛ لأن اللين والمكر أنكى في العدو من الفظاظة والمكابرة. ألا ترى النار مع حرها لا تحرق من الشجر إلا ما ظهر، والماء مع برده ولينه يستأصلها، ومجانبة المرء مع عدوه في العشرة، أحد الأعوان عليه عند الفرصة.
قال أبو حاتم: العاقل لا يغيره إلزاق العدو به العيوب والقبائح ؛ لأن ذاك لا يكون له وقع، ولا لكثرته ثبات، ولا يلتذ المرء ما دام عدوه باقيا، كما لا يجد السقيم طعم النور والطعام حتى يبرأ. وأشد مكيدة العدو، ما يعمل فيك من سبيل مأمنك، والغالب بالشر مغلوب. وإن من أعظم الأعوان على الأعداء، تعاهد المرء ولده وعياله وخدمه، وتوقيه إياهم من المعائب والزلات.
قال أبو حاتم: العاقل يلزم صحبة الأخيار، ويفارق صحبة الأشرار؛ لأن مودة الأخيار سريع اتصالها، بطيء انقطاعها، ومودة الأشرار سريع انقطاعها، بطيء اتصالها. وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، ومن خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم. فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب؛ لئلا يكون مريبا. كما أن صحبة الأخيار تورث الخير، كذلك صحبة الأشرار تورث الشر.
قال أبو حاتم: العاقل لا يدنس عرضه، ولا يعود نفسه أسباب الشر بلزوم صحبة الأشرار، ولا يغضي عن صيانة عرضه ورياضة نفسه بصحبة الأخيار، على أن الناس عند الخبرة يتبين منهم أشياء ضد الظاهر منها.
عن الحسن في قول الله عز وجل " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا[الفرقان: 63]. قال: علماء حلماء، صبر ثبت، إن ظلموا لم يظلموا، وإن بغي عليهم لم يبغوا، قد براهم الخوف كأنهم القدح.
قال أبو الدرداء: الصاحب الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من الصاحب السوء، ومملي الخير خير من الساكت، والساكت خير من مملي الشر.
قال أبو حاتم: العاقل لا يصاحب الأشرار؛ لأن صحبة صاحب السوء قطعة من النار، تعقب الضغائن، ولا يستقيم وده، ولا يفي بعهده، وإن من سعادة المرء خصال أربع: أن تكون زوجته موافقة، وولده أبرارا، وإخوانه صالحين، وأن يكون رزقه في بلده. وكل جليس لا يستفيد المرء منه خيرا تكون مجالسة الكلب خير من عشرته، ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم، كما أن من يدخل مدخل السوء يتهم.
عن الحسن البصرى قال: أيها الرجل، إن أشد الناس عليك فقدا، لرجل إذا فزعت إليه وجدت عنده رأيا، ووجدت عنده نصيحة، بينا أنت كذلك إذ فقدته، فالتمست منه خلفا فلم تجده.
قال جعفر بن محمد: من كان فيه ثلاث فقد وجب له على الناس أربع: إذا خالطهم لم يظلمهم، وإذا حدثهم لم يكذبهم، وإذا وعدهم لم يخلفهم، وعلى الناس: أن يظهروا عدله، وأن تكمل فيهم مروءته، وأن يجب عليهم أخوته، وأن يحرم عليهم غيبته.
عن مكحول قال: قلت للحسن: إني أريد الحج، فقال لي: إياك أن تصحب من يكرم عليك فتفرق الذي بينك وبينه.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يستعيذ بالله من صحبة من إذا ذكر الله لم يعنه، وإن نسي لم يذكره، وإن غفل حرضه على ترك الذكر. ومن كان أصدقاؤه أشرارا كان هو شرهم، وكما أن الخير لا يصحب إلا البررة، فكذلك الردي لا يصحب إلا الفجرة؛ فإن امرأ اضطره أمر، فليصحب أهل المروءات.
قال عبد الواحد بـن زيد: جالسوا أهل الدين من أهل الدنيا، ولا تجالسوا غيرهم، فإن كنتم لا بد فاعلين، فجالسوا أهل المروءات: فإنهم لا يرفثون في مجالسهم.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل إذا رزقه الله ود امرىء مسلم، صحيح الوداد، حافظ عليه أن يتمسك به، ثم يوطن نفسه على صلته إن صرمه، وبالأقبال عليه إن صد عنه، وعلى البذل له إن حرمه، وعلى الدنو منه إن باعده، حتى كأنه ركن من أركانه، وإن من أعظم عيب المرء تلونه في الوداد.
قال رجل من الأعراب: إن من أعجز الناس من قصر عن طلب الإخوان، وأعجز منه: من ظفر بذلك منهم، فأضاع مودتهم، وإنما يحسن الاختيار لغيره، من أحسن الاختيار لنفسه.
قال أبو حاتم: العاقل لا يقصر في تعاهد الوداد، ولا يكون ذا لونين، ولا ذا قلبين، بل يوافق سره علانيته، وقوله فعله، ولا خير في متواخيين ينمو بينهما الخلل، ويزيد في حاليهما الدغل.
قال أبو حاتم: العاقل لا يصادق المتلون، ولا يؤاخي المتقلب، ولا يظهر من الوداد إلا مثل ما يضمر، ولا يضمر إلا فوق ما يظهر، ولا يكون في النوائب عند القيام بها إلا ككونه قبل إحداثها والدخول فيها؛ لأنه لا يحمد من الإخاء ما لم يكن كذلك.
قال أبو حاتم - رحمه الله تعالى -: إن من أعظم الأمارات على معرفة صحة الوداد وسقمه: ملاحظة العين إذا لحظت، فإنها لا تكاد تبدي إلا ما يضمر القلب من الود، ولا تكاد تخفي ما تكنه الضمائر من الضد، فالعاقل يعتبر الود بقلبه وعين أخيه، ويجعل له بينهما مسلكا لا يرده عن معرفة صحته شيء تخيله.
قال أبو حاتم: سبب ائتلاف الناس وافتراقهم - بعد القضاء السابق - هو تعارف الروحين، وتناكرهما، فإذا تعارف الروحان، وجدت الألفة بين نفسيهما، وإذا تناكر الروحان وجدت الفرقة بين جسميهما.
عن قتادة في قول الله - عز وجل -: " إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم " [هود: 119]. قال: للرحمة وللطاعة، فأما أهل طاعة الله فقلوبهم وأهواؤهم مجتمعة، وإن تفرقت ديارهم، وأهل معصية الله قلوبهم مختلفة، وإن اجتمعت ديارهم.
قال أبو حاتم: العاقل يجتنب مماشاة المريب في نفسه، ويفارق صحبة المتهم في دينه؛ لأن من صحب قوما عرف بهم، ومن عاشر امرأ نسب إليه، والرجل لا يصاحب إلا مثله أو شكله، فإذا لم يجد المرء بدا من صحبة الناس، تحرى صحبة من زانه إذا صحبه، ولم يشنه إذا عرف به، وإن رأى منه حسنة عدها، وإن رأى منه سيئة سترها، وإن سكت عنه ابتدأه، وإن سأله أعطاه.
قال أبو حاتم: إن من الناس من إذا رآه المرء يعجب به، فإذا ازداد به علما ازداد به عجبا، ومنهم من يبغضه حين يراه، ثم لا يزداد به علما إلا ازداد له مقتا، فاتفاقهم يكون باتفاق الروحين قديما، وافتراقهم يكون بافتراقهما، فإذا ائتلفا ثم افترقا فراق حياة من غير بغض حادث، أو فراق ممات، فهناك الموت الفظيع، والأسف الوجيع، ولا يكون موقف أطول غمة، وأظهر حسرة، وأدوم كآبة، وأشد تأسفا، وأكثر تلهفا، من موقف الفراق بين المتواخيين، وما ذاق ذائق طعما أمر من فراق الخلين، وانصرام القرينين.
قال أبو حاتم: السبب المؤدي إلى إظهار الجزع عند فراق المتواخيين: هو ترك الرضا لما يوجب القضاء، ثم ورود الشيء على مضمر الحشا، بضد ما انطوى عليه قديما؛ فمن وطن نفسه في ابتداء المعاشرة على ورود ضد الجميل عليها من صحبته، وتأمل ورود المكروه منه في غفلته، لا يظهر الجزع عند الفراق، ولا يشكو الأسف والاحتراق، إلا بمقدار ما يوجب العلم إظهاره. ولقد ولع بجماعة الفراق حتى إنهم خرجوا إلى ثلب الطيور، ومدح الدمن، وتأولوا لعن نوح عليه السلام على الغراب.
