فوائد من كتاب الرقة والبكاء
A
عن أبي الجلد قال: قرأت في مسألة داود صلى الله عليه وسلم قال: « إلهي، ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجنتيه؟ قال: جزاؤه أن أحرم وجهه على لفح النار، وأن أؤمنه يوم الفزع ».
عن زياد العنبري قال: « أن الله تبارك وتعالى قال: وعزتي، لا يبكي عبد من خشيتي، إلا أجرته من نقمتي، وعزتي، لا يبكي عبد من خشيتي إلا أبدلته ضحكا في نور قدسي ».
عن الحسن قال: « إن العينين لتبكيان، وإن القلب ليشهد عليهما بالكذب، ولو بكى عبد من خشية الله لرحم من حوله، ولو كانوا عشرين ألفا ».
عن الحسن قال: بلغنا أن الباكي من خشية الله لا يقطر من دموعه قطرة على الأرض حتى تعتق رقبته من النار، ولو أن باكيا بكى في ملأ من الملأ لرحموا جميعا ببكائه.
قال فرقدا السبخي: « بلغنا أن الأعمال كلها توزن، إلا الدمعة تخرج من عين العبد من خشية الله فإنه ليس لها وزن ولا قدر ؛ وإنه ليطفأ بالدمعة البحور من النار ».
عن وهب بن منبه قال: « البكاء من خشية الله تعالى مثاقيل بر، ليس ثوابه وزنا، إنما يعطى الباكي من خشية الله، والصابر على طاعة الله أجرهم بغير حساب ».
عن خالد بن معدان قال: « إن الدمعة لتطفئ البحور من النيران، فإن سالت على خد باكيها لم ير ذلك الوجه النار، وما بكى عبد من خشية الله إلا خشعت لذلك جوارحه، وكان مكتوبا في الملأ الأعلى باسمه واسم أبيه، منورا قلبه بذكر الله ».
عن عبد الله بن أبي سعيد السراج، قال: كنا عند الحسن يوما وهو يعظ، فانتحب رجل من ناحية المجلس، فقال الحسن: « أيها الباكي اشدد »، أو قال: « احدد فإنه بلغنا أن الباكي من خشية الله مرحوم يوم القيامة ».
وعظ مالك بن دينار يوما فتكلم، فبكى حوشب، فضرب مالك بيده على منكبه وقال: « ابك يا أبا بشر، فإنه بلغني أن العبد لا يزال يبكي حتى يرحمه سيده، فيعتقه من النار »
عن عمران بن خالد الخزاعي قال: سمعت فرقدا السبخي، يقول: قرأت في بعض الكتب: « قل للبكائين من خشية الله: أبشروا فإنكم أول من تنزل عليه الرحمة إذا نزلت ».
قال رجل للحسن: أوصني، قال: « رطب لسانك بذكر الله، وند جفونك بالدموع من خشية الله، فقل من طلبت لديه خيرا فلم تدركه ».
قال صالح المري: بلغني عن كعب أنه كان يقول: « من بكى خوفا من ذنب غفر له، ومن بكى اشتياقا إلى الله أباحه النظر إليه تبارك وتعالى، يراه متى شاء ».
عن زاذان أبي عمر قال: « بلغنا أنه من بكى خوفا من النار أعاذه الله منها، ومن بكى شوقا إلى الجنة أسكنه الله إياها ».
قال يزيد بن أبان الرقاشي: « بلغني أنه من بكى على ذنب من ذنوبه نسي حافظاه ذلك الذنب، ومن فاضت عيناه من خشية الله أعطي الأمان يوم القيامة ».
عن عطية العوفي قال: « بلغني أنه من بكى على خطيئته محيت عنه »، قال عمرو: وحدثني الأشجعي، عن أبي طالب، عن عطية، قال: « وكتبت له حسنة ».
عن مالك بن دينار قال: « البكاء على الخطيئة يحط الذنوب، كما تحط الريح الورق اليابس ». عن رشدين بن سعد عن بعض أصحابه قال: قرأت في بعض الكتب: « قل للمؤيدين من عبادي، فليجالسوا البكائين من خشيتي، لعلي أصيبهم برحمتي إذا أنا رحمت البكائين ».
قال عبد الواحد بن زيد: يا إخوتاه ألا تبكون شوقا إلى الله؟ ألا إنه من بكى شوقا إلى سيده لم يحرمه النظر إليه. يا إخوتاه ألا تبكون خوفا من النار؟ ألا إنه من بكى خوفا من النار أعاذه الله منها، يا إخوتاه ألا تبكون خوفا من العطش يوم القيامة؟ ألا إنه من بكى خوفا من ذلك سقي على رءوس الخلائق يوم القيامة، يا إخوتاه ألا تبكون؟ بلى، فابكوا على الماء البارد أيام الدنيا، لعله أن يسقيكموه في حظائر القدس مع خير الندماء والأصحاب من النبيين والصدقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. ثم جعل يبكي حتى غشي عليه.
قال هارون بن رئاب: « بلغني أن البكاء مثاقيل لو وزن بالمثقال الواحد منه مثل جبال الدنيا »، أو قال: « جبال الأرض رجح البكاء، وإن الدمعة لتنحدر فتطفئ البحور من النار، وما بكى عبد لله مخلصا في ملأ من الملأ إلا غفر لهم جميعا ببركة بكائه ».
قال عمر بن ذر: « ما رأيت باكيا قط إلا خيل إلي أن الرحمة قد تنزلت عليه ». عن أبي معشر قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس أبي حازم يبكي ويمسح وجهه بالدموع ويقول: « بلغني أن النار لا تمس موضع الدموع ».
قال يزيد الرقاشي: « بلغنا أن الباكي من خشية الله تهتز له البقاع التي يبكي عليها، وتغمره الرحمة ما دام باكيا ».
عن أبي الجودي، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا أبا الجودي « اغتنم الدمعة تسيلها على خدك لله ».
قال أباو حازم: « بلغنا أن البكاء من خشية الله مفتاح لرحمته ». قال ابن ذر: « بلغني أن الباكي من خشيته يبدل الله مكان كل قطرة أو دمعة تخرج من عينيه أمثال الجبال من النور في قلبه، ويزاد من قوته للعمل، ويطفأ بتلك المدامع بحور من نار ».
عن المفضل بن مهلهل قال: « بلغني أن العبد إذا بكى من خشية الله ملئت جوارحه نورا، واستبشرت ببكائه، وتداعت بعضها بعضا: ما هذا النور؟ فيقال لها: هذا غشيكم من نور البكاء ».
قال سفيان بن عيينة: « البكاء من مفاتيح التوبة ؛ ألا ترى أنه يرق فيندم؟ ». مر الربيع بن أبي راشد برجل به زمانة، فجلس يحمد الله ويبكي، فمر به رجل، فقال: ما يبكيك رحمك الله؟ قال: ذكرت أهل الجنة وأهل النار، فشبهت أهل الجنة بأهل العافية، وأهل البلاء بأهل النار، فذلك الذي أبكاني.
عن حمزة الأعمى، قال: ذهبت أمي إلى الحسن، فقالت: يا أبا سعيد ابني هذا قد أحببت أن يلزمك، فلعل الله أن ينفعه بك، قال: فكنت أختلف إليه، فقال لي يوما: « يا بني أدم الحزن على خير الآخرة، لعله أن يوصلك إليه، وابك في ساعات الخلوة، لعل مولاك يطلع عليك فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين ». قال: وكنت أدخل عليه منزله وهو يبكي، وآتيه مع الناس وهو يبكي، وربما جئت وهو يصلي، فأسمع بكاءه ونحيبه، فقلت له يوما: يا أبا سعيد إنك لتكثر من البكاء فبكى ثم قال: « يا بني فما يصنع المؤمن إذا لم يبك؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة، فإن استطعت أن لا تكون عمرك إلا باكيا فافعل، لعله يراك على حالة، فيرحمك بها، فإذا أنت قد نجوت من النار ».
عن إسماعيل بن ذكوان قال: دخل إياس بن معاوية وأبوه إلى مسجد فيه قاص يقص عليهم، فلم يبق أحد من القوم إلا بكى، غير إياس وأبيه، فلما تفرقوا قال معاوية بن قرة لابنه: أترانا شر أهل هذا المجلس؟ قال إياس: « إنما هي رقة في القلوب، فكما تسرع إلى الدمعة، فكذلك تسرع إليها الفتنة » فقال معاوية: ما أدري ما تقول يا بني غير أنهم قد تعجلوا الرقة، ورجاء الرحمة.
قال عبد ربه أبو كعب صاحب الحرير: كنا عند معاوية بن قرة، فذكر شيئا، فنحب رجل من ناحية المجلس، فقال له معاوية بن قرة: « أعطاك الله أملك فيما بكيت عليه »، قال: فارتجت الحلقة بالبكاء.
قال فرقد السبخي قرأت في بعض الكتب: « أن العبد إذا بكى من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كيوم ولدته أمه، ولو أن عبدا جاء بجبال الأرض ذنوبا وآثاما، لوسعته الرحمة إذا بكى وإن الباكي على الجنة لتشفع له الجنة إلى ربها، فتقول: يارب، أدخله الجنة كما بكى علي. وإن النار لتستجير له من ربها فتقول: يا رب أجره من النار كما استجارك مني، وبكى خوفا من دخولي ».
كان فرقد السبخي قد بكى حتى أضر به ذلك البكاء، وتناثرت أشفاره، فقيل له في ذلك، فقال: « بلغني أن كل عين بكت من خشية الله لا يصيبها لفح النار يوم القيامة »، قال: فكان يبكي، ويبكي أصحابه.
عن أبي عمران الجوني قال: « لكل أعمال البر جزاء، وفي كلها خير، إلا الدمعة، تخرج من عين العبد، فليس لها كيل ولا وزن، حتى يطفأ بها بحار من النيران ».
قال صالحا المري: « للبكاء دواعي: الفكرة في الذنوب، فإن أجابت على ذلك القلوب، وإلا نقلتها إلى تلك الشدائد والأهوال، فإن أجابت على ذلك، وإلا فاعوض عليها التقلب بين أطباق النيران قال: ثم صاح وغشي عليه، فتصايح الناس من نواحي المجلس ».
عن المعلى بن زياد أن رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي فقال: « ادنه من الذكر ». عن ابن أبي الذباب: « أن طلحة وزبيرا » مرا بكير حداد فوقفا ينظران إليه ويبكيان « قال: » ومرا بأصحاب الفاكهة والرياحين، فوقفا يبكيان ويسالأن الله الجنة.
قال أبو عبد الرحمن المغازلي: قال رجل ببلاد الشام في بعض تلك السواحل: » لو بكى العابدون على الشفقة حتى لم يبق في أجسادهم جارحة إلا أدت ما فيها من الدم والودك دموعا جارية، وبقيت الأبدان يبسا خالية، تردد فيها الأرواح إشفاقا ووجلا من يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، لكانوا محقوقين بذلك ثم غشي عليه.
كان أويس القرني يقف على موضع الحدادين، فينظر إليهم كيف ينفخون الكير، ويسمع صوت النار، فيصرخ، ثم يسقط، فيجتمع الناس عليه، فيقولون: مجنون قال: وكان يأتي مزبلة بالكوفة قديمة، فيصعد عليها، فيجلس، ثم يبكي، حتى تأتيه الشمس، فينزل، فيتبعه الصبيان حتى يأتي المسجد فيدخل.
عن البختري بن يزيد بن جارية الأنصاري، « أن رجلا من العباد وقف على كير حداد وقد كشف عنه فجعل ينظر إليه ويبكي »، قال: « ثم شهق شهقة فمات ».
عن مالك بن دينار قال: دخلت مع الحسن السوق، فمر بالعطارين، فوجد تلك الرائحة، فبكى، ثم بكى، حتى خفت أن يغشى عليه، ثم قال: يا مالك « والله ما هو إلا حلول القرار من الدارين جميعا: الجنة أو النار، ليس هناك منزل ثالث، من أخطأته والله الرحمة صار إلى عذاب الله. قال: ثم جعل يبكي، فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى مات ».
قال أبو الهيثم بياع القصب: مررت أنا وسعيد بن جبير على بني الأشعث، وإذا هم على طنافس وعليهم ألوان الخز فسلم عليهم، فجعلوا يقولون له: مرحبا بأبي عبد الله، ويسلمون عليه: اجلس. فلما ولى عنهم بكى حتى بلغ الكناسة بكاء شديدا، فقلت: ما يبكيك؟ قال: إنني ذكرت الجنة ونعيمها وشبابها حين رأيت هؤلاء.
عن مولى لعمر بن عبد العزيز، قال: استيقظ ذات ليلة باكيا، فلم يزل يبكي حتى استيقظت قال: وكنت أبيت معه، فربما منعني النوم كثرة بكائه قال: فأكثر ليلتئذ البكاء جدا، فلما أصبح دعاني فقال: « أي بني ليس الخير أن يسمع لك ويطاع، إنما الخير أن تكون قد عقلت عن ربك ثم أطعته، يا بني لا تأذن اليوم لأحد علي حتى أصبح، ويرتفع النهار، فإني أخاف أن لا أعقل عن الناس، ولا يفهمون عني » فقلت: بأبي أنت يا أمير المؤمنين رأيتك الليلة بكيت بكاء ما رأيتك بكيت مثله قال: فبكى، ثم بكى، ثم قال: « يا بني إني والله ذكرت الموقف بين يدي الله »، قال: ثم غشي عليه، فلم يفق حتى علا النهار، فما رأيته بعد ذلك مبتسما حتى مات.
بكى عمر بن عبد العزيز، فبكت فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلى عنهم العبر، قالت فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟، قال: ذكرت يا فاطمة منصرف القوم من بين يدي الله: فريق في الجنة، وفريق في السعير. ثم صرخ وغشي عليه.
قال مسمع بن عاصم: بت أنا وعبد العزيز بن سلمان، وكلاب بن جري، وسلمان الأعرج، على ساحل من بعض السواحل، فبكى كلاب حتى خشيت أن يموت، ثم بكى عبد العزيز لبكائه، ثم بكى سلمان لبكائهم، وبكيت والله لبكائهم، لا أدري ما أبكاهم. فلما كان بعد، سألت عبد العزيز فقلت: يا أبا محمد ما أبكاك ليلتك؟ فقال: إني والله نظرت إلى أمواج البحر تموج وتخيل، فذكرت أطباق النيران وزفراتها، فذلك الذي أبكاني. ثم سألت كلابا أيضا نحوا مما سألت عبد العزيز، فوالله لكأنما قصته فقال لي مثل ذلك. ثم سألت سلمان الأعرج نحوا مما سألتهما، فقال لي: ما كان في القوم شر مني ما كان بكائي إلا لبكائهم، رحمة لهم مما كانوا يصنعون بأنفسهم.
عن بكر بن عبد الله المزني: أن أبا موسى « خطب الناس بالبصرة فذكر في خطبته النار، فبكى حتى سقطت دموعه على المنبر، وبكى الناس يومئذ بكاء شديدا ».
عن المغيرة بن سعد بن الأخرم عن أبيه، قال: « كنت أمشي مع عبد الله بن مسعود فمر بالحدادين وقد أخرجوا حديدة من النار، فقام ينظر إليها ويبكي ».
قال عبد العزيز بن علي الصراف أن حسان بن أبي سنان قدم له سكر من الأهواز، فربح فيه مالا كثيرا، فدخل عليه قوم من إخوانه يهنؤونه بذلك، فوجدوه في ناحية الحجرة يبكي، فقالوا: يا عبد الله هذه نعمة من الله عليك، ففيم البكاء؟ قال: « إني خشيت والله أن يكون ذلك سكرا، فاستدراجا، وإني أستغفر الله من نسياني ما ذكرني به ربي، ومن غفلتنا عن ذلك ».
قال عبد الرحمن بن حفص القرشي: بعث بعض الأمراء إلى عمر بن المنكدر بمال، فجاء به الرسول، فوضعه بين يديه، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، ثم جاء أبو بكر، فلما رأى عمر يبكي جلس يبكي لبكائه، ثم جاء محمد، فجلس يبكي لبكائهما، فاشتد بكاؤهم جميعا. فبكى الرسول أيضا لبكائهم، ثم أرسل إلى صاحبه، فأخبره بذلك، فأرسل ربيعة بن أبي عبد الرحمن يستعلم علم ذلك البكاء، فجاء ربيعة، فذكر ذلك لمحمد، فقال محمد: سله، فهو أعلم ببكائه مني. فاستأذن عليه ربيعة، فقال: يا أخي ما الذي أبكاك من صلة الأمير لك؟ قال: إني والله خشيت أن تغلب الدنيا على قلبي، فلا يكون للآخرة فيه نصيب، فذاك الذي أبكاني. قال: فأمر بالمال، فتصدق به على فقراء أهل المدينة، فجاء ربيعة، فأخبر الأمير بذلك، فبكى وقال: هكذا والله يكون الخير.
عن سفيان قال: كان عمر بن عبد العزيز يوما ساكتا وأصحابه يتحدثون، فقالوا له: ما لك لا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: « كنت مفكرا في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها، وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها » ثم بكى.
عن كعب قال: « إن العبد لا يبكي حتى يبعث الله إليه ملكا يمسح كبده بجناحه، فإذا مسح كبده بكى ». عن مكحول قال: « أرق الناس قلوبا أقلهم ذنوبا ».
عن فياض بن محمد قال: « كان شيخ ههنا من قريش سريع الدمعة كثيرا، وكان ما علمته من المتهجدين قليل الآثام، معتزلا للناس. فذكرته يوما لبعض علمائنا فقلت: هذا الشيخ طويل الاجتهاد، وما أظنه اقترف إثما مذ خمسون عاما أو ما شاء الله، ثم هو الدهر يبكي فقال لي الرجل: ما ينبغي أن يكون مثله إلا هكذا: ندي العينين دهره. قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأن البدن إذا عري دق، فكذاك القلب إذا قلت خطاياه سرعت دمعته. قال: فعلمت أن ذاك كما قال ».
عن حكيم بن جعفر السعدي قال: قال لي أبو عبد الله البراثي: « لا تندى العين حتى يحترق القلب، فإذا احترق القلب تلهب شعله، فهاج إلى الرأس دخانه، فاستنزل الدموع من الشؤون إلى العين فسجمته ».
عن مالك بن ضيغم الراسبي عن أبيه قال: كان يقال: إن كثرة الدموع وقلتها على قدر احتراق القلب، حتى إذا احترق القلب كله لم يشأ الحزين أن يبكي إلا بكى، والقليل من التذكرة يجزئه.
عن مسمع بن عاصم قال: « سألت عابدا من أهل البحرين فقلت: ما بال الحزين يجيبه قلبه إذا شاء، وتهمل عيناه عند كل حركة؟ فقال: أخبرك عن ذاك: إن الحزين بدا به الحزن، فجال في بدنه، فأعطاه كل عضو بقسطه، ثم رجع إلى القلب والرأس فسكنهما، فمتى حرك القلب بشيء تحرك، فهاجت الحرقة مصاعدة، فاستثارت الدموع من شؤون الرأس حتى تسلمها إلى العين، فتذريها حينئذ الجفون. ثم خنقته عبرته فقام ».
عن أحمد بن سهل قال: قال لي أبو معاوية الأسود: يا أبا علي « من أكثر لله الصدق نديت عيناه وأجابته إذا دعاهما ».
عن راهويه أبو سهل قال: قلت لسفيان بن عيينة: ألا ترى إلى أبي علي يعني فضيلا لا تكاد تجف له دمعة؟ فقال سفيان: « إذا قرح القلب نديت العينان. ثم تنفس سفيان نفسا منكرا ».
عن إسماعيل بن عياش قال: « البكاء من سبع: البكاء من خشية الله: القطرة منه تكف من النار أمثال البحور، ورجل فاضت عيناه من خشية الله، والبكاء من السرور، والبكاء من الكرب، والبكاء من السكر، والبكاء من الخوف، والبكاء من الألم ».
كان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتا بالقرآن فقال له عمر: « اعرض علي سورة براءة » فقرأها عليه، فبكى عمر بكاء شديدا، ثم قال: « ما كنت أظن أنها أنزلت ».
عن نافع عن ابن عمر أنه: كان إذا أتى على هذه الآية (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله بكى حتى يبل لحيته البكاء، ويقول: « بلى يا رب ».
عن عبد الله بن رباح قال: « كان صفوان بن محرز إذا قرأ هذه الآية (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون بكى حتى أقول: قد اندق قضيض زوره ».
قال شميط يعني ابن عجلان: « كل دمع يجري من القرآن فمرحوم عند الله ». قال فضل الرقاشي: « ما تلذذ العابدون، ولا استطارت قلوبهم بشيء كحسن الصوت بالقرآن، وكل قلب لا يجيب على حسن الصوت بالقرآن فهو قلب ميت ». وقال الفضل: « وأي عين لا تهمل على حسن الصوت إلا عين غافل أو لاه؟.
كان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: « ذكرنا ربنا. فيقرأ عنده ». كان محمد بن قيس إذا أراد أن يبكي أصحابه قرأ آيات قبل أن يتكلم، وكان من أحسن الناس صوتا فإذا قرأ بكى وأبكى، قال: ثم يتكلم بعد ذلك » قال: وكان محمد بن كعب يتكلم ودموعه سائلة.
« قرأ رجل عند عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا) فبكى حتى غلبه البكاء وعلا نشيجه فقام من مجلسه، فدخل بيته وتفرق الناس ».
قال عمر بن عبد العزيز لابنه: « اقرأ فقال: ما أقرأ؟ قال: سورة ق فقرأ، حتى إذا بلغ: (وجاءت سكرة الموت بالحق) بكى ثم قال: اقرأ يا بني. قال: ما أقرأ؟ قال: سورة ق حتى إذا بلغ ذكر الموت بكى أيضا بكاء شديدا. ففعل ذلك مرارا ».
عن معتمر قال: « صلى بنا أبي، فقرأ سورة ق في صلاة الفجر، فلما انتهى إلى هذه الآية (: وجاءت سكرة الموت بالحق) غلبته عبرته فلم يستطع أن يجوز فركع ».
قال الصلت بن حكيم: « قرأ لنا قارئ بمكة (وجاءت سكرة الموت بالحق) ونحن على باب فضيل فجعلنا نسمع نشيجه من العلو ».
عن سفيان قال: كان طلق إذا قرأ بكى وأبكى، وكان إذا قرأ لم يسمعه أحد إلا بكى من رقته وحسن صوته قال: وقالت له أمه: ما أحسن صوتك يابني بالقرآن فليته لا يكون وبالا عليك غدا في القيامة. فبكى حتى غشي عليه.
قرأ رجل عند عمر بن عبد العزيز فلما انتهى إلى هذه الآية(فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم) « بكى عمر حتى اشتد بكاؤه ثم ازداد بكاء، فلم يزل يبكي حتى غشي عليه ».
عن إبراهيم التيمي قال: قرأ الحارث بن سويد: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) (ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) فبكى ثم قال: « إن عذاب الآخرة لشديد ».
قال الحارث بن سعيد: كنا عند مالك بن دينار وعنده قارئ يقرأ، فقرأ إذا زلزلت الأرض زلزالها فجعل مالك ينتفض، وأهل المجلس يبكون ويصرخون، حتى انتهى إلى هذه الآية: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) فجعل مالك والله يبكي ويشهق حتى غشي عليه، فحمل من بين القوم صريعا.
قال أبو مودود: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قرأ ذات يوم: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا) فبكى بكاء شديدا حتى سمعها أهل الدار، فجاءت فاطمة، فجعلت تبكي لبكائه وبكى أهل الدار لبكائهم، فجاء عبد الملك، فدخل عليهم وهم على تلك الحال يبكون، فقال: يا أبه ما يبكيك؟ قال: « خير يا بني، ود أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بني لقد خشيت أن أهلك، والله يا بني لقد خشيت أن أكون من أهل النار ».
عن هشام بن حسان قال: انطلقت أنا ومالك بن دينار، إلى الحسن، فانتهينا إليه وعنده رجل يقرأ، فلما بلغ هذه الآية: (إن عذاب ربك لواقع) (ما له من دافع) بكى الحسن، وبكى أصحابه وجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه.
عن مقاتل بن حيان قال: صليت خلف عمر بن عبد العزيز « فقرأ: (وقفوهم إنهم مسئولون) فجعل يكررها لا يستطيع أن يجاوزها يعني: من البكاء ».
قال عبد الأعلى بن أبي عبد الله العنزي: رأيت عمر بن عبد العزيز خرج يوم الجمعة في ثياب دسمة، ووراءه حبشي يمشي، فلما انتهى إلى الناس رجع الحبشي، فكان عمر إذا انتهى إلى الرجلين قال: « هكذا رحمكما الله »، حتى صعد المنبر، فخطب، فقرأ: (إذا الشمس كورت) فقال: « وما شأن الشمس؟ » (وإذا النجوم انكدرت) حتى انتهى إلى (وإذا الجحيم سعرت) (وإذا الجنة أزلفت) فبكى وبكى أهل المسجد، وارتج المسجد بالبكاء، حتى رأيت أن حيطان المسجد تبكي معه.
قال الحكم بن نوح: « كنت مع ضيغم بعبادان، فزاره بشر بن منصور، فقال ضيغم: ويحك يا حكيم انظر لنا بعض أصحابنا ممن يقرأ، فإن بشرا يعجبه حسن الصوت، فانطلقت، فأتيتهم بإنسان فارسي حسن الصوت، فقالوا لي: لا تقل له يقرأ حتى يهدأ أهل الدير. فلما سكنت الرجل، وهدأ الناس، قالوا له: خذ الآن. فجعل والله الفارسي يقرأ، والقوم يبكون وينتحبون قال: ثم أخذ فجعل ينوح بالفارسية، فجعلوا والله يصرخون كما تصرخ الثكلى. قال: حتى استيقظ أهل الدير واجتمعوا. فأما بشر فغشي عليه تلك الليلة مرارا قال: وأما أبو مالك فجعل يقوم ويقعد، حتى ظننت أن عقله قد ذهب قال: فبتنا والله بليلة، أطيب ليلة، وألذ عيش فكان بشر يقول لي بعد: ويحك يا حكيم ما فعل الفارسي؟ ويحك يا حكيم يقتل الناس ذاك الفارسي هكذا عيانا بصوته ».
عن مسروق، قال: قرأت على عائشة هذه الآيات: (فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم)، فبكت، وقالت: « رب من، وقني عذاب السموم ».
قال عبد العزيز من ولد توبة العنبري: كنا نجتمع كثيرا فبتنا ليلة بعبادان في أول ما اتخذت، قال: ومعنا ليلتئذ الربيع بن صبيح، وبكر بن خنيس الكوفي، وعدة من الفقهاء، إذ قالوا: قد جاء عبد الواحد بن زيد،.. له القوم جميعا، فدخل علينا، وكان رجل يقرأ، فدخل عبد الواحد وقد انتهى القارئ إلى هذه الآية: (يوم تمور السماء مورا) (وتسير الجبال سيرا)، فصاح: وأي أذان دون؟ فضج القوم بالبكاء، وسقط عبد الواحد مغشيا عليه. فقام الربيع وأصحابه، فأحاطوا به، فجعلوا يبكون وهو بينهم صريع. فلم يزالوا على ذلك يبكون، حتى ضربه البرد في السحر فأفاق.
عن الشعبي قال: سمع عمر بن الخطاب رجلا يقرأ: (إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع) فجعل يبكي حتى اشتد بكاؤه. ثم خر يضطرب. فقيل له في ذلك فقال: « دعوني فإني سمعت قسم حق من ربي ».
قيل للحسن: إن ههنا قوما إذا استمعوا القرآن بكوا حتى تعلو أصواتهم فقال الحسن: « لم يزل الناس على ذلك يبكون عند الذكر وقراءة القرآن ».
عن عبد الله بن عمرو قال: « لو أن رجلا، من أهل النار أخرج إلى الدنيا، لمات أهل الدنيا من وحشة منظره، ومن ريحه. قال: ثم بكى عبد الله بكاء شديدا ».
قال جسر أبو جعفر: « رأيت عمر بن عبد العزيز بخناصرة يصعد المنبر، وإن لحيته لتقطر دموعا. ثم رأيته بعد أن نزل وإنه لعلى نحو من حاله التي صعد عليها من البكاء ».
عن أبي بكر الهذلي قال: رأيت الحجاج يخطب على المنبر، فسمعته يقول: « يا أيها الناس إنكم غدا موقوفون بين يدي الله، ومسئولون، فليتق الله امرؤ، ولينظر ما يعد لذلك الموقف ؛ فإنه موقف يخسر فيه المبطلون، وتذهل فيه العقول، ويرجع الأمر فيه إلى الله ؛ لتجزى كل نفس بما كسبت، إن الله سريع الحساب، بادروا آجالكم بأعمالكم، قبل أن تخترموا دون آمالكم » ثم نحب وهو على المنبر، فرأيت دموعه تنحدر على لحيته.
عن أبي سعد قال: سمعت الحجاج، يخطب يوما وهو على المنبر يقول: « يا ابن آدم بينما أنت في دارك وقرارك، إذ تسور عليك عبد يدعى ملك الموت، فوضع يده من جسدك موضعا، فذل له، فاختلس روحك، فأخذه، فذهب به. ثم قام إليك أهلك، فغسلوك وكفنوك، ثم حملوك إلى قبرك فدفنوك، ثم رجعوا، فاختصم فيك حبيباك: حبيبك من أهلك، وحبيبك من مالك فاتق الله ؛ فإنك اليوم تأكل، وغدا تؤكل ». قال أبو سعد: ثم نعر نعرة، فظننت أنه الموت به. ثم نظرت إلى عينيه تسكبان، حتى نظرت إليه يتلقى دموعه بعمامته، ثم ينزل، فيفتل قال: وصعد المنبر، فاستسقى، وقد استسقى قبل، قال: فلما كان في ذلك اليوم استسقى، فلا والله ما نزل عن المنبر حتى مطر. فاستقبل القبلة وصلى، وسقط رداؤه. قال: وبكى لما أجيب، ثم أقبل بوجهه فقال: « أيها الناس، إن العبد يسأل ربه الحاجة، وطلبها إليه، ومن أمر ربه أن يجيبه فيها، فيطول الله عليه ؛ ليكون إذا أعطاها إياه أشد لشكره، وإني أقسمت عليكم بالله لما صمتم شكرا » ثلاثا، ثم خرج.
عن عبد الله بن عبيد بن عمير: أن أباه كان يقص لابن الزبير، وابن عمر قاعد ناحية فقرأ: (لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا) فبكى ابن عمر حتى لثق جيبه من دموعه وابتلت لحيته.
عن العوام بن حوشب قال: « رئي ابن عمر في حلقة عبيد بن عمير وكان من أبلغ الناس يبكي، حتى بل الحصى بدموعه ». عن معرف بن واصل قال: « رأيت أبا وائل شقيق بن سلمة ويده في يد إبراهيم التيمي، فكلما ذكر إبراهيم، انتفض شقيق وبكى ».
عن محمد بن قيس قال: سلم عمر بن عبد العزيز يوما في الظهر، ثم قال: يا أبا إبراهيم ذكرنا بالجنة والنار. قال: فذكرت، فما رأيت أحدا من خلق الله أكثر بكاء منه.
عن خالد بن صفوان قال: قال له عمر بن عبد العزيز: « ابن الأهتم بيانك حجة عليك، فأقصر من خطبتك، وأعد الجواب عند الله بحجتك قال: فبكى ابن الأهتم، وبكى عمر، وارتجت الدار بالبكاء، فما رئي باك في زمن عمر أكثر من ذلك اليوم ».
دخل عبد الله بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز وهو جالس على سرير، فحمد الله، وأثنى عليه ثم أخذ في موعظته الطويلة، فنزل عمر عن سريره حتى استوى بالأرض، وجثا على ركبتيه، وابن الأهتم يقول: « وأنت يا عمر وأنت يا عمر من أولاد الملوك، وأبناء الدنيا الذين ولدوا في النعيم، وغذوا به، لا يعرفون غيره » وعمر يبكي ويقول: هيه هيه ابن الأهتم هيه، فلم يزل يعظه وعمر يبكي، حتى غشي عليه.
تكلم رجل عند عبد الله بن الحسن يوما فأبكى القوم، فلما تفرقوا وخرجوا من داره قال عبد الله: « هكذا كان الناس فيما مضى ».
عن عقيبة بن فضالة قال: دخلت على سعيد بن دعلج وبين يديه رجل يضرب، فقلت: أصلح الله الأمير أكلمك بشيء، ثم شأنك وما تريد. قال: فأمر به فأمسك عنه، فقال: هات كلامك. قال: فهبته والله، ورهبت منه رهبة شديدة، ثم قلت: إنه بلغني أصلح الله الأمير أن « العباد يوم القيامة ترعد فرائصهم في الموقف خوفا من شر ما يأتي به المنادي للحساب وإن المتكبرين يومئذ لتحت أقدام الخلائق قال: فبكى، فاشتد بكاؤه، فأمر بالرجل فأطلق. قال: فكنت إذا دخلت عليه بعد ذلك قربني وأكرمني قال: وقال لي يوما وقد دخلت عليه: ويحك يا عقيبة ما ذكرت حديثك إلا أبكاني قال: ثم بكى ».
عن مضر قال: اجتمعنا ليلة على الساحل ومعنا مسلم أبو عبد الله، فقال رجل من الأزد: ما للمحب سوى إرادة حبه إن المحب بكل بر يضرع قال « فبكى مسلم حتى خشيت والله أن يموت »
قال صالح بن عبد الكريم: بكى الباكون للرحمن ليلا وباتوا دمعهم ما يسأمونا بقاع الأرض من شوق إليهم تحن متى عليها يسجدونا قال: فجعلت أرددها عليه فبكى حتى قلت: الآن تخرج نفسه.
عن الصلت بن حكيم قال: بتنا ذات ليلة عند صاحب لنا، ومعنا أبو عبد الرحمن، فجعل بعض قرائنا تلك الليلة يقول: وما لي لا أبكي على الذنب إنني أرى الذنب داء في الجوانح والقلب.
عن رياح بن عبيدة الباهلي قال: كنت قاعدا عند عمر بن عبد العزيز، فجاء أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين، جاءت بي الحاجة، وانتهيت الغاية والله سائلك عني يوم القيامة. قال: « ويحك أعد علي » فأعاد عليه، فنكس عمر رأسه، وأرسل دموعه، حتى ابتلت الأرض ثم رفع رأسه فقال: « ويحك كم أنتم؟ » قال: أنا وثلاث بنات لي ففرض له على ثلاثمائة، وفرض لبناته على مائة، وأعطاه مائة درهم، وقال له: « هذه المائة أعطيتك من مالي، ليس من أموال المسلمين اذهب فاستنفقها حتى تخرج أعطيات المسلمين فتأخذ معهم ».
عن عبيدة بن حسان السنجاري: أن رجلا من أهل أذربيجان أتى عمر بن عبد العزيز، فقام بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين اذكر بمقامي هذا مقاما لا يشغل الله عنك فيه كثرة من يخاصم، يوم تلقاه بلا ثقة من العمل ولا براءة من الذنب. فبكى عمر بكاء شديدا، ثم قال: « ويحك اردد علي كلامك هذا ». فجعل يردده، وعمر يبكي وينتحب، ثم قال: « حاجتك » قال: إن عامل أذربيجان عدا علي فأخذ مني اثني عشر ألف درهم فجعلها في بيت مال المسلمين. فقال عمر: « اكتبوا له الساعة إلى عاملها حتى يرد عليه ».
عن محمد بن أبي الحارث الثقفي قال: رأيت عمر بن عبد العزيز رفع رأسه من السجود، فقعد بين السجدتين مقدار عشرين آية ثم سجد. فلما رفع رأسه، نظرت إلى الدموع سائلة على خديه » قال أبو عمرو: قلت لمحمد: أفي التطوع كان ذلك؟ قال: نعم بمكة.
لما أراد أبو جعفر بيت المقدس، نزل براهب كان ينزل به عمر بن عبد العزيز إذا أراد بيت المقدس، فقال: يا راهب، أخبرني بأعجب شيء رأيته من عمر بن عبد العزيز قال: نعم يا أمير المؤمنين. بينا عمر عندي ذات ليلة على سطح غرفتي هذه وهو من رخام وأنا مستلق على قفاي، فإذا أنا بماء يقطر من الميزاب على صدري، فقلت: والله ما عندي ماء، ولا رشت السماء مطرا. فصعدت « فإذا هو ساجد، وإذا دموع عينيه تنحدر من الميزاب ».
عن محمد بن جعفر بن يحيى قال: « رأيت خالدا الزيات قد رفع رأسه من سجدة، فنظرت إلى الحصى مبتلة من دموع عينيه ». عن محمد بن عبد الله الزراد قال: « صليت إلى جنب رياح القيسي، فكنت أسمع وقع دموعه على البواري مثل الوكف: طق طق ».
عن مكحول قال: « رأيت سيدا من ساداتكم دخل الطواف، فقلت: لأنظرن ما يصنع، فقلت: من هو؟ قال: سيد من بيننا، ودخل، فقام في الزاوية التي فيها الركن الأسود قدر... أربعين آية، ثم تحول إلى الزاوية التي من ناحية الحجر، ففعل مثل ذلك ثم تحول إلى الزاوية التي ما يلي الدرجة، ففعل مثل ذلك. ثم تحول إلى الزاوية التي فيها الركن اليماني، ففعل مثل ذلك، ثم قام على الرخامة الحمراء حيال الجزعة، فصلى ركعتين من أحسن الناس صلاة، فسمعته يقول وهو ساجد: » اللهم اغفر لي ذنوبي، وما قدمت، وما قدمت يداي « ثم بكى حتى بل المرمر.
عن محمد بن عبد الله القرشي قال: « ربما صليت إلى جنب إسماعيل بن داود فأسمع وقع دموعه على بوري المسجد ».
عن عبيد الله بن العيزار قال: « ما رأيت الحسن إلا صارا بين عينيه، عليه كآبة، كأنه رجل أصيب بمصيبة، فإن ذكر الآخرة، أو ذكرت بين يديه، جاءت عيناه بأربع ».
قال رجل من آل محمد بن سيرين: « رأيت مسلم بن يسار رفع رأسه من السجود في المسجد الجامع، فنظرت إلى موضع سجوده كأنه قد صب فيه الماء، من كثرة دموعه »..
قال قادم الديلمي: أخذ فضيل بن عياض بيدي فقال لي: « ابك على فضيل أيام الدنيا، فإني رأيت منك ودا رفع رأسه مرة من سجوده في مسجد الكوفة، فإذا الحصى مبتل. قال: ثم بكى للرحيل حتى رحمته ».
