الخزانة التاسعة..
• ما يفعله من يطوف أو يسعى إذا أقيمت الصلاة:
إذا أقيمت الصلاة وهو في الطواف أو السعي، فإنه يدخل مع الجماعة ويصلي، يصف الرجل مع الرجال، وتصف المرأة مع النساء، فإذا انتهت الصلاة أتم الشوط من حيث وقف، ولا يلزمه أن يأتي به من أول الشوط، فإن كان قد صلى من قبل صلى معهم، وتكون له نافلة.
ويحرم على المرأة أن تصف مع الرجال، فإن صلت معهم فهي آثمة، وصلاتها صحيحة، وإذا اشتد الزحام ولم تستطع الخروج عن الرجال، وصلت في مكانها، فصلاتها صحيحة، ولا إثم عليها، لأن الضرورة تقدر بقدرها ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
• حكم تقبيل الحجر الأسود في الطواف:
تقبيل الحجر الأسود، واستلامه، والإشارة إليه، والتكبير، ومسح الركن اليماني، كل ذلك سُنة، فمن شقَّ عليه شيء من ذلك، أو نسيه، أو تركه ومضى فلا إثم عليه، وطوافه صحيح، لكنه ترك سنة.
والسنة تقبيل الحجر الأسود واستلامه لمن سهل عليه ذلك في حال الطواف؛ وبين الطواف والسعي، لأن تقبيل الحجر واستلامه ومسحه عبادة من العبادات، لكنها داخلة في عبادة الطواف.
أما مع الزحام الشديد، وأذية الطائفين فلا يشرع، وتركه أولى، خاصة النساء؛ لأن الاستلام والتقبيل سنة، وأذية الناس محرمة، فلا يفعل السنة، ويرتكب المحرم، في آن واحد: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا﴾ [الأنفال: ١].
وأصل الحجر الأسود أنه نزل من الجنة أشد بياضًا من اللبن، فسوَّدته خطايا بني آدم، ولولا ما مسه من أنجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا شفي، يبعثه الله يوم القيامة فيشهد على من استلمه بحق.
ومَسْحُ الحجر الأسود، والركن اليماني، يحطَّان الخطايا حطًا.
ولا يشرع تقبيل الحجر الأسود، ولا مسح الركن اليماني، إلا لمن طاف بالبيت، لأنه نسك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
• فضل الطواف بالبيت:
يستحب للمسلم أن يكثر من الطواف بالبيت، تعظيمًا للرب، وطلبًا لزيادة الأجر.
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ «أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ لِابْنِ عُمَرَ ﵄: مَا لِي لَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلَّا هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الحَجَرَ الأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ اليَمَانِيَ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ أَفْعَلْ فَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اسْتِلَامَهُمَا يَحُطُّ الخَطَايَاقَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ طَافَ أُسْبُوعًا يُحْصِيهِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا رَفَعَ رَجُلٌ قَدَمًا وَلَا وَضَعَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ».
أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح.
والأولى ترك طواف التطوع عند الزحام الشديد في المواسم كرمضان والحج والاشتغال بغيره من العبادات كالأذكار، والنوافل، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة للمسلمين، وغير ذلك من أعمال البر،وأجر ما تركه لعذر كمن فعله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥].
• حكم الكلام أثناء الطواف والسعي:
الطواف والسعي عبادتان، ومحل للذكر والدعاء فقط، فمن تكلم فيهما فلا يتكلم إلا بخير كأمرٍ بمعروف، ونهيٍ عن منكر، أو إجابة سائل، ورد سلام ونحو ذلك مما لابد منه، ويجتنب فيهما فضول الكلام من جدل أو قيل وقال، أو محادثة في هاتف نقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: قُدْهُ بِيَدِه».
أخرجه البخاري.
• حكم تكرار العمرة:
حث النبي ﷺ على الإكثار من الحج والعمرة لعموم المسلمين؛ تعظيمًا للرب، وتعظيمًا لبيته وشعائره، ويستحب للمسلم تكرار الحج وتكرار العمرة في سفرةٍ من بلده أو غيره، فالاستكثار من الطاعات والازدياد من الخير، أمر مطلوب شرعًا بما يوافق السنة: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
والعمرة أفضل من الطواف بالبيت فقط، لأن الطواف جزء من العمرة، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، فيجوز لأهل مكة والقادمين إليها تكرار العمرة، والاستكثار منها لأنفسهم أو لغيرهم من ميتٍ أو غير قادر.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ الرَسُولَ ﷺ قال: «العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كفّارةٌ لِمَا بيْنَهُما، والحجُّ المبْرورُ لَيْسَ له جَزَاءٌ إلا الجنّةُ».
متفق عليه.
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ يَرْجِعُ أَصْحَابُكَ بِأَجْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَلَمْ أَزِدْ عَلَى الْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي وَلْيُرْدِفْكِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، فَانْتَظَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَعْلَى مَكَّةَ حَتَّى جَاءَت».
متفق عليه.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ».
أخرجه أحمد والترمذي بسند حسن.
• حكم طواف الوداع بعد العمرة:
يجب طواف الوداع على كل حاج من غير أهل مكة إذا أردا الخروج إلى بلده، غير حائض أو نفساء، أما المعتمر فلا وداع عليه سواء كان من أهل مكة أو من غيرها، وقد اعتمر النبي ﷺ ثلاث عمر غير التي مع حجته ولم يوادع في واحدة منها، وجلس في مكة عام الفتح بضعة أيام ثم خرج إلى الطائف ولم يوادع: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فطواف الوداع واجب على الحاج من غير أهل مكة إذا أراد الخروج إلى بلده.
عَنْ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ».
متفق عليه.
٨ - صفة الحج
صفة الحج الذي بينه الرسول ﷺ وفعله وأمر به أصحابه ﵃ من الإحرام إلى التحلل، ومن البداية إلى النهاية.
[صفة الحج المبرور]
الحج المبرور هو ما كان خالصًا لله ﷿، وعلى سنة رسول الله ﷺ القولية والعملية، وأن يؤدي المناسك في أوقاتها، وأن يؤديه من مال طيب، ويشتغل وقته بالذكر، والعبادة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والإحسان إلى الناس، ويجتنب المعاصي وأذية الناس: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ الرَسُولَ ﷺ قال: «العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كفّارةٌ لِمَا بيْنَهُما، والحجُّ المبْرورُ لَيْسَ له جَزَاءٌ إلا الجنّةُ».
متفق عليه.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
• صفة النزول في المشاعر:
منى ومزدلفة وعرفات من مشاعر الحج، فلا يجوز لأحدٍ تملكها، ومنى مناخ من سبق، ومن ترك المبيت بمنى ليلتين أو ثلاثاً من ليالي أيام التشريق، أو ترك البقاء فيها نهارًا من غير عذر، فهو آثم، ونسكه صحيح، لكنه ناقص، فعليه التوبة والاستغفار: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
ومن لم يجد مكاناً بمنى، نزل بجوار آخر خيمة من منى من أي جهة ولو كان خارج منى، ولا حرج ولا دم عليه، ولا يبيت بمنى على الأرصفة أو في الطرق فيضر نفسه ويؤذي غيره: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
فإن لم يتمكن بات بالقرب من منى في أي مكان يليق به، ويتفرغ فيه لعبادة ربه.
ومنى ومزدلفة وعرفات مشاعر كالمساجد لا يجوز لأحدٍ أن يبني فيها بيتًا ويؤجره، أو يأخذ أرضًا ويؤجرها، فإن فعل فالناس معذورون ببذل الأجرة، والإثم على من أخذها.
وعلى إمام المسلمين أن ينظم نزول الناس في المشاعر بما يراه مناسبًا يحقق المصلحة والأمن والراحة للحجاج،وعليهم طاعته: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وعَنْ عبد الرحمن بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ بِمِنًى، وَنَزَّلَهُمْ مَنَازِلَهُمْ،وَقَال: لِيَنْزِلْ الْمُهَاجِرُونَ هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى مَيْمَنَةِ الْقِبْلَةِ، وَالْأَنْصَارُ هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى مَيْسَرَةِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ لِيَنْزِلْ النَّاسُ حَوْلَهُمْ».
أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح.
ويسن للمحلين بمكة، وأهل مكة الاغتسال، والتنظف، والتطيب، ثم الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة.
يحرم المسلم من مكانه الذي هو نازل فيه في مكة ومنى،ويقول في إهلاله: لبيك حجًا، وأما القارن والمفرد فيبقى على إحرامه، ويخرج قبل الزوال مع الحجاج إلى منى، ومن قدم مكة متمتعًا في ضحى اليوم الثامن وما بعده فلا يأتي بعمرة مفردة، لأن وقت الحج قد بدأ، فيقلب نسكه إلى قارن، فيطوف ويسعى ويخرج إلى منى فورًا.
ثم يخرج ملبيًا كل من أراد الحج، من مفرد وقارن ومتمتع إلى منى قبل الزوال، فيصلي بها مع الإمام صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، في أوقاتها قصرًا بلا جمع.
وإن لم يتيسر صلى مع جماعته في موضع رحله قصرًا بلا جمع ويبيت في منى تلك الليلة، ويشتغل في ذلك اليوم بالتلبية والذكر والدعاء، وإفشاء السلام، وبذل النصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإطعام الطعام، إن تيسر، وغير ذلك من أعمال البر والإحسان: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
• حدود منى:
من الغرب جمرة العقبة.
ومن الشرق وادي محسر.
ومن الشمال الجبل العظيم المرتفع.
ومن الجنوب الجبل العظيم المقابل له.
وقد وضعت الحكومة لوحات تبين حدود منى فلينتبه لذلك الحاج.
ثم إذا طلعت الشمس من اليوم التاسع وهو يوم عرفة، سار الحاج من منى إلى عرفة ملبيًا ومكبرًا ومهللًا، فينزل بنمرة إلى الزوال، وهي مكان قريب من عرفات وليس منها، ونمرة مكان يقع غرب وادي عُرنة من جهة الحرم، فليست من عرفة، وعُرنة وادٍ ليس من عرفة، والنبي ﷺ نزل بنمرة، ولما زاغت الشمس أتى بطن وادي عرنة من جهة عرفة فخطب الناس، وصلى بهم الظهر والعصر قصرًا وجمعًا، ثم رحل إلى الموقف بعرفة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
• حدود عرفات:
من الغرب وادي عُرَنَة.
ومن الشرق الجبال المحيطة المطلة على ميدان عرفات.
ومن الشمال ملتقى وادي وصيق بوادي عرنة.
ومن الجنوب ما بعد مسجد نمرة جنوبًا بنحو كيلو ونصف تقريبًا، وقد وضعت لوحات تبين حدود عرفات، فلينتبه لذلك الحاج.
فإذا زالت الشمس رحل إلى أول عرفة جهة مسجد عرفات، وفي ذلك المكان حافة بطن عُرنة، يخطُب فيه الإمام بالناس، وهو الآن داخل المسجد، ثم يؤذن المؤذن لصلاة الظهر، ثم يقيم، ثم يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر، جمعًا وقصرًا، ركعتين ركعتين، يجمع بينهما جمع تقديم بآذان واحد وإقامتين، فإن لم يتيسر للحاج صلى جماعة مع رفقته في منزله جمعًا وقصرًا كما سبق.
ويسن للحجاج وغيرهم ممن هو في عرفة استماع خطبة الإمام، ثم الآذان والصلاة بعدها في مكانهم، ثم يسن له بعد الصلاة أن يتوجه إلى عرفات، ويقف عند الجبل المسمى جبل عرفة، فيجعله بينه وبين القبلة، ويستقبل القبلة، جاعلًا حبل المشاة بين يديه، ولا يصعد الجبل، لأن النبي ﷺ لم يصعده، ولا أمر بصعوده.
ويظل واقفًا عند الصخرات أسفل الجبل يذكر الله، ويدعوه، ويستغفره، بخشوع وتذلل رافعًا يديه يدعو ويلبي ويهلل ويكبر.
وله الوقوف راكبًا على الراحلة، أو جالسًا على الأرض، والأفضل أن يفعل ما كان فيه الأخشع له، والأحضر لقلبه، ويكثر من الدعاء بما ورد في القرآن والسنة الصحيحة، وبما شاء مما يوافقهما، ويكثر من الاستغفار والتوبة، والتكبير والتهليل، والثناء على الله ﷿، والصلاة على النبي ﷺ، ويظهر الافتقار إلى الله ﷿، ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
ويظل يذكر الله ويدعوه حتى يغيب قوص الشمس، وإن لم يتيسر له أن يقف عند الجبل قرب الصخرات وقف فيما تيسر له من عرفة في منزله أو غيره، وعرفة كلها موقِف إلا بطن عرنة.
***
مختارات
