الخزانة الثالثة..
• واجبات الصلاة وسنن الصلاة:
واجبات الصلاة ثمانية، وهي:
أولًا: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، لأنها ركن.
ثانيًا: تعظيم الرب حال الركوع.
ثالثًا: قول سمع الله لمن حمده للإمام والمنفرد.
رابعًا: قول ربنا ولك الحمد للإمام والمأموم والمنفرد.
خامسًا: الدعاء حال السجود.
سادسًا: الدعاء بين السجدتين.
سابعًا: الجلوس للتشهد الأول.
ثامنًا: قراءة التشهد الأول.
• حكم من ترك واجبًا من واجبات الصلاة:
إذا ترك المصلي واجبًا من هذه الواجبات عمدًا بطلت صلاته، لقول النبي ﵌: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
أخرجه مسلم.
وقال ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وإن تركه المصلي ناسيًا أو جاهلًا بعد مفارقة محله، وقبل أن يصل إلى الركن الذي يليه رجع فأتى به، ثم يكمل صلاته، ثم يسجد للسهو ثم يسلم.
وإن ذكره بعد وصوله إلى الركن الذي يليه سقط، ولا يرجع إليه، ويسجد للسهو ثم يسلم.
• الفرق بين الركن والواجب والسنة في الصلاة:
الركن إذا تركه المصلي سهوًا أو جهلًا فإنه لا يسقط، بل يأتي به وبما بعده، ثم يسجد للسهو بعد السلام.
أما الواجب فإذا تركه المصلي سهوًا أو جهلًا فإنه لا يأتي به، وإنما يأتي بسجود السهو قبل السلام أو بعده بدلًا عنه.
أما سنن الصلاة، فكل ما عدا الأركان والواجبات مما ذكر في صفة الصلاة آنفًا، فهو سنةٌ، يثاب فاعلها، ولا يعاقب تاركها، وهي سنن وأقوال وأفعال.
فسنن الأقوال: كدعاء الاستفتاح، والتعوذ والبسملة وقول آمين، وقراءة سورة بعد الفاتحة ونحوها.
وسنن الأفعال: رفع اليدين عند التكبير في المواضع السابقة، ووضع اليمين على الشمال عند القيام، والافتراش والتورك ونحوها.
• حكم الاستغفار بعد الفريضة:
الاستغفار بعد كل صلاةٍ مفروضة مشروعٌ، لثبوته عن النبي ﷺ، ولأن كثيرًا من المصلين يقصر ويفرط في الصلاة، إما بالمشروعات الظاهرة، كالقراءة والركوع والسجود ونحوها، وإما بالمشروعات الباطنة، كالخشوع وحضور القلب ونحوها،فيستغفر الله من ذلك التقصير: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
فضل الذكر:
كان النبي ﵌ يذكر الله على كل أحيانه، فيشرع الذكر بالقلب واللسان للمتوضئ والمحدث، والجنب والحائض والنفساء، وذلك كالتسبيح والتهليل، والتحميد والتكبير، وتلاوة القرآن، والدعاء، والصلاة على النبي ﵌، وفعل ذلك كله على طهارةٍ أفضل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
والإسرار بالذكر والدعاء هو الأفضل مطلقًا إلا فيما ورد، كأدبار الصلوات الخمس، والتلبية، أو لمصلحة كأن يسمع جاهلًا ونحو ذلك، فالأفضل الجهر: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥] مواضع رفع اليدين في الصلاة:
عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَهُ وَقَالَ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
متفقٌ عليه.
وعن نافع عن ابن عمر ﵄: «كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ».
أخرجه البخاري.
أقسام السجود المشروع
ينقسم السجود المشروع إلى أربعة أقسام هي:
الأول: سجود الصلاة.
الثاني: سجود السهو.
الثالث: سجود التلاوة.
الرابع: سجود الشكر.
الأول: سجود الصلاة.
السجود ركن في كل صلاة ذات ركوع، والسجود في الصلاة سجدتان في كل ركعة، فرضًا كانت أو نفلًا، وقد تقدمت أحكامه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
الثاني: سجود السهو.
سجود السهو سجدتان في الفريضة أو النافلة، يؤتى بهما من جلوس، يسلم بعدهما ولا يتشهد.
• حكمة مشروعية سجود السهو:
خلق الله الإنسان عرضة للنسيان، والشيطان حريص على إفساد صلاته بزيادة أو نقص أو شك، وقد شرع الله سجود السهو، إرغامًا للشيطان، وجبر للنقصان، وإرضاء للرحمن.
والسهو في الصلاة وقع من النبي ﵌، لأنه مقتضى الطبيعة البشرية، ولهذا لما سها في صلاته قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلِكُم فَأَنسَى كَمَا تَنْسَون، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكْرُونِي».
متفق عليه.
• أسباب سجود السهو ثلاثة:
الزيادة، أو النقص، أو الشك
• أقسام سجود السهو:
سجود السهو له أربع حالات:
الأولى: إذا زاد المصلي في فعل من جنس الصلاة سهوًا، كقيام، أو ركوع أو سجود، كأن يركع مرتين، أو يقوم في محل القعود، أو يصلي رباعية خمس ركعات مثلًا، فيجب عليه سجود السجود للزيادة بعد السلام، سواء ذكر ذلك قبل السلام أو بعده.
الثانية: إذا نقص المصلي ركنًا من أركان الصلاة، فإذا ذكره قبل أن يصل إلى محله من الركعة التي بعده، وجب عليه الرجوع، ليأتي به وبما بعده، ثم يسجد للسهو قبل السلام، وإن ذكره بعد أن وصل إلى محله، فإنه لا يرجع، وتبطل الركعة هذه، وإن ذكره بعد السلام أتى به وبما بعده فقط، ويسجد للسهو بعد السلام.
وإن سلم عن نقص كمن صلى ثلاثًا من رباعية، ثم سلم، ثم نُبه قام بدون تكبير بنية إكمال الصلاة، ثم أتى بالرابعة، ثم تشهد وسلم، ثم سجد لسهو.
الثالثة: إذا نقص المصلي واجبًا من واجبات الصلاة، مثل أن ينسى التشهد الأول، فحينئذ يسقط عنه التشهد، ويجب عليه سجود السهو قبل السلام.
الرابعة: إذا شك المصلي في عدد الركعات هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، فيأخذ بالأقل ويتم، ويسجد للسهو قبل السلام، فإن غلب على ظنه أحد الاحتمالين عمل به وسجد للسهو بعد السلام.
• أحكام سجود السهو:
إذا لزم المصلي سجوداً قبل السلام، وسجوداً بعد السلام، سجد قبل السلام، وإن سلم سهوًا قبل تمام الصلاة، وذكر قريبًا، أتمها وسلم، ثم سجد للسهو.
وإن نسي سجود السهو، ثم سلم، ففعل ما ينافي الصلاة من كلام وغيره سجد للسهو، ثم سلم، وإذا أتى بقول مشروع في غير موضعه كقراءة القرآن في ركوع أو سجود، أو تشهد، أو في قيام لم تبطل صلاته، ولا يجب عليه سجود السهو بل يستحب.
وإذا تخلف المأموم عن الإمام بركن أو أكثر لعذر، فإنه يأتي به، ويلحق إمامه، ولا إثم عليه، ولا يسجد للسهو، لأن الله يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• ما يقول في سجود السهو:
تسن إطالة سجود السهو، ويقال في سجود السهو ما يقال في سجود الصلاة من الذكر والدعاء.
• متى يسجد المسبوق للسهو؟.
المأموم يسجد تبعًا لإمامه، فإن كان المأموم مسبوقًا، وسجد الإمام بعد السلام، فإن كان السهو فيما أدركه مع الإمام، لزمه أن يسجد بعد السلام، وإن كان سهو الإمام قبل أن يدخل معه، فلا يلزمه سجود السهو.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَال: «صَلَّى النبي ﵌ إَحْدِى صَلَاة العَشِي، قَالَ مُحَمَّد: وَأَكْثَر ظَنِّي العَصْر رَكْعَتِين، ثُمَّ سَلَّم، ثُم قَام إِلى خَشَبَةٍ في مُقَدِّم المَسجِد، فَوَضَعَ يَدَهُ عَليْهَا وَفِيهِم أَبُو بَكر وَعُمَر ﵄ فَهَابَا أنْ يُكلمَاه وخَرَجَ سرعَان النَّاس، فَقَالُوا: أَقُصِرَت الصَّلَاة؟، ورَجُل يَدْعُوه النَّبِي ﵌ ذُو اليَديْن قَال: نَسِيتَ أم قَصُرَت؟، فقَال: لَمْ أَنْسَى ولم تُقصر، قَالَ: بَلَى قد نسيت، فَصَلَّى رَكعتَين ثم سَلَّم، ثُمَّ كَبَّر فَسَجَد مِثْل سُجودِه أو أَطوَل، ثم رَفَعَ رَأسَه وكبَّر، ثم وَضَع رَأسَه فَكَبَّر فسجَد مِثلَ سُجُوده أَوْ أَطْوَل، ثم رَفَعَ رأسَهُ وَكَبَّر».
متفق عليه.
الثالث: سجود التلاوة.
سجود التلاوة سجدة واحدة بلا قيام، ولا تكبير، ولا تشهد، ولا تسليم.
• حكم سجود التلاوة:
سجود التلاوة سنة في الصلاة وخارجها، ويسن سجود التلاوة للقاري والمستمع في كل وقت، وإذا لم يسجد القاري في الصلاة لم يسجد المستمع.
ويسن سجود للتلاوة على طهارة ولا يشترط له ما يشترط للصلاة من طهارة واستقبال القبلة، ونحو ذلك، لكنه معها أولى.
ويجوز للمحدث، والجنب، والحائض، والنُفساء السجود للتلاوة إذا مروا بآية سجدة من القرآن.
• عدد السجدات في القرآن:
في القرآن خمس عشرة سجدة هي: سجدة في سورة الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، وفي الحج سجدتان، وسجدة في الفرقان، والنمل، والسجدة، و ص، وفصلت، والنجم، والانشقاق، والعلق.
• وآيات السجود في القرآن نوعان:
أخبار.
وأوامر.
فالاخبار، إما خبر عن الله، أو عن سجود مخلوقاته له عمومًا وخصوصًا، فيسن للتالي والمستمع أن يتشبه بهم ويسجد،كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ [النحل: ٤٩].
وإما آيات تأمر بالسجود لله سبحانه، فيبادر الإنسان في طاعة ربه ﷿ كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
• صفة سجود التلاوة:
سجود التلاوة سجدة واحدة، يكبر القاري إذا سجد أو إذا رفع في الصلاة.
وإذا سجد خارج الصلاة سجد بلا قيام ولا تكبير ولا تشهد، ولا تسليم.
وإذا سجد الإمام لزم المأمومين متابعته، ولا يكره للإمام قراءة آية أو سورة فيها سجدة في صلاة سرية.
• فضل سجود التلاوة:
عن أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَال: قَال رسول الله ﵌: «إذَا قَرَأَ ابْن آدَم السَّجدَة فَسَجَد، اِعْتَزَلَ الشَّيطانُ يبْكِي يَقول: يَا وَيْلَه، وفي رواية «يَا وَيْلِي».
أُمِرَ ابن آدَم بِالسُّجُود فَسَجَد فلَه الجَنَّة، وأُمِرت بالسُّجُود فَأَبيْت فليَ النَّار».
أخرجه مسلم.
• ما يقول المسلم في سجود التلاوة:
يقول في سجود التلاوة ما يقوله في سجود الصلاة من الذكر والدعاء.
الرابع: سجود الشكر.
سجود الشكر سجدة واحدة بلا تكبير، ولا تسليم، ولا يشترط له ما يشترط للصلاة من طهارة واستقبال القبلة، ونحو ذلك، لكنه معها أولى.
• متى يشرع سجود الشكر؟.
يسن سجود الشكر عند تجدد النعم، كمن بشر بهداية أحد، أو إسلامه، أو بنصر المسلمين، أو بشر بمولود، ونحو ذلك.
ويسن سجود الشكر كذلك عند اندفاع النقم، كمن أنجاه الله من غرق أو حرق، أو قتل، أو هلاك، أو لصوص ونحو ذلك.
• صفة سجود الشكر:
سجود الشكر سجدة واحدة بلا تكبير، ولا تسليم، ومحله خارج الصلاة في أي وقت، ويسجد حسب حاله قائمًا، أو قاعدًا، طاهرًا أو محدثًا، والطهارة أفضل.
ويجوز قضاء سجود الشكر إذا لم يتمكن من أدائه في وقته، لعذر من جهل أو نسيان ونحوهما: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
وعَن أَبِي بَكْر ﵁ «أن النَّبي صلى الله عليه وسلمكَانَ إذَا آتاه أَمْرٌ يسرَّه أو يُسَر به خَرَّ ساجِدًا شُكرًا لله ﵎».
أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند حسن.
• ما يقوله في سجود الشكر:
يقول في سجود الشكر ما يقوله في سجود الصلاة من الذكر، والدعاء.
***
مختارات
