الخزانة الثامنة..
• أصول العبادة:
أصول عبادة الله ﷿ ثلاثة:
١ - حب الله.
٢ - الخوف منه.
٣ - الرجاء له.
وذلك لا يتم إلا بعد معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فيعبد المسلم ربه حبًا له، وخوفًا من عقابه، ورجاءً لرحمته وثوابه كالأنبياء والرسل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ومن أجل توحيد العبادة أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب،كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
والعبادة اسمٌ جامع لكل ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والعبادة بهذا الشمول تشمل.
الأول: العبادات القلبية، والإخلاص والتوحيد، والإيمان والمحبة، والتوكل والخوف، والرجاء والصبر ونحو ذلك: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
الثاني: العبادات القولية، النطق بكلمة التوحيد، وذِكر الله، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
الثالث: العبادات البدنية كالصلاة والصوم والحج والجهاد ونحو ذلك: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
الرابع: العبادات المالية كالزكاة والصدقة، والهدية والنذر وغير ذلك من أنواع العبادات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
والله ﷿ خلق الجن والإنس لعبادته، وجميع المخلوقات تعبد الله، وكل ما سوى الجن والإنس يعبد الله تسخيرًا،والجن والإنس يعبدون الله تخييرًا: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
ومن يعبد الله ويأتي إليه اختيارًا أحب إليه ممن يعبده اضطرارًا وتسخيرًا.
فالإنسان مخلوقٌ مختار، له قدرة أن يؤمن وأن يكفر، وأن يُطيع ربه أو يُعصيه، فإذا أطاعه أحبه، وإذا كفر به أبغضه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
وعبادة الله ﷿ لذاته وجلاله وجماله، وأنه المستحق وحده للعبادة، أفضل من عبادته لعطائه كالنِّعم والجنة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فالله مقصود، والجنة موعود ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
أما الجنة فهي موعود: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
فمن عمل لله لجلاله وجماله فاز بلقاء الله والجنة، والذي يعمل للجنة سيأخذها، لكن من يعمل للذات أفضل ممن يعمل للجنة والعطاءات، فالذي يعمل للجنة سيأخذها،والذي يعمل لِما فوق الجنة سيأخذه مع الجنة: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وكل شيءٍ بيد الله وحده خلقاً وأمراً وتدبيراً: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
ولا قدرة للإنسان على أي عملٍ إلا بعون الله، فإذا قلت:بسم الله، في أي عمل، فمعناه أنك دخلت عليه بلا حولٍ منك ولا قوة، وإنما دخلت عليه؛ لأن الله سخره لك، فقدرت عليه، فأديته مستعينًا بالله الذي يملكه والذي سخره لك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥].
ولو لم يُسخره لك لَما قدرت عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود: ٤١].
وإذا تَعوَّد الإنسان على قول: بسم الله في كل عمل.
استحى أن يقول: بسم الله في عملٍ يُغضب الله، فيكون هذا مانعًا له من معصية الله، محركًا لكل عملٍ يُحبه الله، كقراءة القرآن، والأكل، والنِّكاح ونحو ذلك.
والله عَلمنا أن نقول: بسم الله عند تلاوة القرآن، والرَّسول ﷺ عَلمنا أن نقول: بسم الله عند كل أمرٍ ذي بال كالأكل والجماع ورمي الجمار، حتى لا يكون عملنا أبتراً، مقطوع الصِّلة والأجر.
فمن سمَّى الله أخذ فائدة العمل تسخيرًا، وفائدته أجرًا.
وقد تكرر في سورة الفاتحة اسم الله الرحمن الرحيم تكررت هذه الأسماء في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ يقولها العبد حينما يبتدئ فعل الأشياء أي: بسم الله الذي سخر لي ما لا قدرة لي عليه، أفعله مستعينًا به: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣].
نقولها على ما فعل الله لنا، وسخره لنا من النِّعم، فالتسمية لطلب عونه سبحانه، والحمد لله شكرٌ له على فعله وإحسانه إلينا وإلى كل الخلق.
وكل الخلق عبيدٌ لله؛ لأنهم مقهورون بعزة الربوبية، خاضعون في خلقهم وحياتهم وأرزاقهم لربهم.
والله خلق الجن والإنس ليعبدوه وحده، كما قال سبحانه:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
والعبيد متحققةٌ في الجميع: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣].
ولكن الله يريد أن يُحقق فينا كلمة عباد، وهي مراده الشرعي، فالخلق متساوون فيما يُقهرون عليه، لا يخرج أحدٌ منهم عنه، وهذه صفة العبيد: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
أما العباد فهو من تنازل عن حقه في الحركة، لمراد ربه في التكليف، فهم كل من جاء إلى ربه بالحب والطاعة وهو قادرٌ ألا يأتي: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
فهؤلاء عباده، ومحل أمره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقد أمرنا الله ﷿ عند قراءة القرآن أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٨ - ٩٩].
والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تُصفي النفس البشرية، وتُعيدها إلى الفطرة الإيمانية: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
فالاستعاذة تُصفي النفس البشرية، وتُعيدها للفطرة الإيمانية، حتى تُخلصها من وسوسة الشيطان، الذي يعوق قابلية النفس المطمئنة إلى ما في القرآن من مواعظ وهدى:﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
وإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم كنت في معية خالقك، وحينئذٍ لا يقدر عليك الشيطان، واستعاذة قارئ القرآن بالله من الشيطان الرجيم إعدادٌ للنفس، حتى تستقبل كلام الله بصفاءٍ لا يشوبه نزغٌ من الشيطان، وإذا انفرد الشيطان بالإنسان من دون معية خالقه أغواه وأضله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
• فقه حقيقة العبودية:
جميع الخلائق في العالم العلوي، وفي السفلي، وفي عالم الغيب، وفي عالم الشهادة، كلهم عبيدٌ لله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
والناس عبيدٌ للربوبية، وعبادٌ للإلوهية، فنحن عبيد بالقهر، للرب الملك الجبار، بل كل مخلوقٌ عبدٌ مملوكٌ للرب:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والله يريد منا العبادية، وهي ترك ما نحب لِما يُحب هو جلجلاله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].
فالله سبحانه هو القوي القادر القاهر، أخضع الأجساد بقهر الربوبية، وترك للقلوب الاختيار للإيمان أو الكفر، أو الطاعات أو المعاصي، فمن آمن فهو عبد من العباد، ومن كفر فهو عبد من العبيد، وكلٌ سوف يُحاسب ويُجازى على اختياره: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
فالكافر عبدٌ من العبيد، والمؤمن عبدٌ من العباد الذين يُحبهم الله، والله خلقنا مُختارين؛ لنرتقي إلى هذه الدرجة، فنأتي إليه بالحب لا بالقهر؛ لأن الله يُريد القلوب لا القوالب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
أي: يوحدون.
والعبودية لواحدٍ عظيم تُنجيك من السجود لغيره والذِّلة له:﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والمؤمن يقف بين يدي ربه ناظرًا إلى عزة الربوبية لله ﷻ،وإلى ذِلة العبودية لنفسه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
والسجود لإلهٍ له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والأفعال الحميدة يُحرز العبد من الخضوع والذِّلة لسواه من العبيد من الأصنام: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
فتوكل على الحي الذي لا يموت، وإياه فاعبد تنال العزة، فالاتصال بالقوي قوة، والسجود للعزيز عِزة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
والمؤمن يخضع لربه ويُطيعه؛ ليأخذ منه، وينال رحمته، ويفوز بثوابه، لا ليستفيد منه ربه، ويزداد بطاعته عِزة:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
والعبودية لغير الله تُورِث الذِّلة والمهانة والخسارة؛ لأن المستعبِد مستفيدٌ من العبد، والعبودية لغير الله تُعطي خير العبد لسيده، أما العبودية لله فتُعطي خير الله للعبد، وخير العبد لنفسه: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
فسبحان من رحِم عباده وأعزهم بالعبودية له وحده،وحماهم من العبودية لغيره بالعبودية له وحده لا شريك له:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والعبادة هي تنفيذ أوامر المعبود من طلب فعلٍ أو ترك، والله وحده هو المعبود بحق، والعبادة تكليفٌ لتضييق حركة الاختيار في الإنسان، بحيث يكون مُطاعه واحدًا وهو الرب، لتصلح أحوال الخلق في الدنيا والآخرة: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
فالحمدُ لله المعبود الكريم، المنعِم المحبوب، الذي شرع الدِّين الذي يجمع الأمة على الحق: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
والعادة أن المكلِّف بالأوامر مبغوض، والمنعِم بالخير محبوب، ولكن الله محبوبٌ لذاته، وجميل أسمائه وصفاته وأفعاله، وجزيل إحسانه وإنعامه، وحسن تكليفه، ورحمة أوامره،فهو المحمود على كل ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
ولو لم يُكلفنا الله بإفعل ولا تفعل، لكانت الحياة شقاءً وفسادًا، وكان كلٌ يعمل على شاكلته وقدرته وهواه، فيحصل التصادم بين البشر: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
أما التكليف من واحد فهو رحمة؛ لأنه يُوحِد الحركة، فيحصل الانسجام والتآلُف، فالله قيدك بأوامر، وقيد الخلق بالنسبة لك بأوامر، ووعدك على امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، السعادة والأمن والهداية في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فاللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه.
***
مختارات
