الخزانة الخامسة..
• القرآن محكم ومتشابه:
فالقرآن العظيم محكم ومتشابه فقد دل القرآن أنه كله محكم ودل على أنه كله متشابه، ودل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فالقرآن كله محكم الألفاظ والمعاني والفصاحة والأحكام والأخبار: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ [فصلت: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١].
فالقرآن الكريم أفضل الكلام وأحسنه فلا يمكن لأحد الإتيان بمثله أو بسورة من مثله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
ثانيًا: والقرآن كله متشابه يشبه بعضه بعضًا في الحسن والكمال والأحكام والأخبار يصدق بعضه بعضًا ويفسر بعضه بعضا، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
وقال ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
ثالثًا: والقرآن بعضه محكم وبعضه متشابه، فالحكيم هو الذي يمنع عما لا ينبغي، والمتشابه أن يكون أحد الشيئين مشابهًا للأخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما، فكل ما يهتدي الإنسان إلى معرفته فهو محكم وكل مالا يهتدي إليه الإنسان فهو مشكل ومتشابه.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
وكل ما أمكن تحصيل العلم به كالتوحيد والإيمان وطاعة الله ورسوله ونحو ذلك فهو من المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته فهو من المتشابه كأعداد الصلوات ومعرفة الروح والعلم بوقت قيام الساعة والألفاظ المحتملة لأكثر من وجه كلفظ القرء والعلم بمقادير الثواب والعقاب، ونحو ذلك فأهل الزيغ يتمسكون بالمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ويحتجون لباطلهم بهذا المتشابه وكل ما فيه لبس واشتباه، وذلك لما في قلوبهم من الزيغ عن الحق وطلب تقرير الباطل وأما أهل الحق فهم الراسخون في العلم الذين يعملون بمحكم القرآن ويؤمنون بمتشابهة ويردون المتشابه إلى المحكم والكل من عند الله.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
وتفسير القرآن على أربعة أوجه:
o تفسير لا يعلمه إلا الله
o وتفسير لا يسع أحدًا جهله
o وتفسير تعرفه العرب بألسنتها
o وتفسير يعلمه العلماء
وأهل الزيغ هم الذين يتبعون متشابه القرآن لتقرير مذهبهم الباطل وصرف الناس عن الحق بنقضه وتشكيك الناس به وقصدهم من ذلك ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويل القرآن فالفتنة أنهم يثيرون المتشابهات في الدين ليسير الناس بعضهم مخالف لبعض وذلك يفضي إلى الهرج والمرج والقتل والتناحر وذلك أعظم فتنة.
والتمسك بالمتشابه والإعراض عن المحكم يزرع الباطل مكان الحق والبدعة مكان السنة فيصير الإنسان مفتونًا بذلك الباطل والفتنة في الدين هي الضلال عن الهدى ولا فتنة أعظم من الفتنة في الدين: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وأما غرضهم الثاني: فهو تأويل القرآن حسب هوائهم مما ليس في القرآن والسنة دليل عليه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
أما الراسخون في العلم فهم الذين يعملون بمحكم القرآن ويؤمنون بمتشابهة ويردون المتشابه إلى المحكم ويقولون:﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٧ - ٨].
• السبع المثاني:
القرآن العظيم نور أضاء الله به كل شيء، كما قال سبحانه:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥]
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وكل من لا يعلم أن القرآن نور وأنه حق فإن ذلك إنما جاءه من قبل عماه لأن لأنه خفاش أعمى والأعمى لا يرى الشمس لعماه، كما قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
والكفار جاهدون لإطفاء هذا النور العظيم بأفواههم بتكذيبهم وقولهم إنه شعر أو سحر أو كهانة أو أساطير الأولين: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾ [التوبة: ٣٢].
لأنه نور عظيم لا يطفئه نفخ مخلوق ضعيف، كما قال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].
فهم جاهدون لإطفاء نور القرآن والله متم نوره: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥].
ولا يعرض عن النور إلى الظلام وعن الحق إلى الباطل إلا من أعمى الله بصره وبصيرته ومن أعمى الله بصيرته فلا حيلة له: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠].
والسبع المثاني والقرآن العظيم هي فاتحة الكتاب، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
وليس المقصود بها السبع الطوال لأن السبع الطوال ما أنزلت إلا بالمدينة وآية الحجر التي نصت عليها مكية وهو قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
والنبي ﷺ نص على ذلك عن أَبي سَعِيدٍ رَافِعِ بن المُعَلَى ﵁قال: «قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّكَ قُلتَ: أَلا أُعَلِمُكَ أعظَمَ سُورَةٍ في القُرْآن قَالَ: الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، هِيَ السّبعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَذِي أُوتِيتُه».
أخرجه البخاري.
والقرآن العظيم أعظم النبأ فالنبأ هو الخبر الذي له خطب وشأن فالنبأ أخص من مطلق الخبر فكل نبأ خبر وليس كل خبر نبأ وأعظم النبأ هو القرآن العظيم الذي نبأ به محمد ﷺ هذه الأمة بما أنزل عليه من ربه ﷿: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨].
والقرآن العظيم بين الله فيه أخبار الأمم الماضية والأخبار الحاضرة والأخبار المستقبلية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
والله ﷿ عالم الغيب والشهادة: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
وعلم الغيب مختص بالله وحده، يطلع من شاء من خلقه على ما شاء من وحيه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
وقال الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
وقال الله ﷿: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥].
وقال الله ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
• أنواع الوحي وحي الله إلى خلقه أنواع:
الأول: وحي الرسالة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣].
الثاني: وحي إلهام بأن يلقي الله الأمر في روع الإنسان،كما قال سبحانه عن أم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧].
الثالث: وحي الغريزة، كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ [النحل: ٦٨].
الرابع: وحي أمر كما قال سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ١ - ٥].
وقد امتن الله ﷿ على هذه الأمة بأن أرسل إليها أفضل رسول وأنزل عليها أحسن كتاب: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
وقال الله ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
والقرآن العظيم كله محكمٌ في غاية الإحكام والإتقان في ألفاظه ومعانيه أخباره كلها صدق وأحكامه كلها عدل، كما قال سبحانه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١].
والقرآن كله متشابه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق والإعجاز، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
ومعنى كونه بعضه محكمًا وبعضه متشابهًا، أن المحكم منه ما هو واضح المعنى لكل الناس، كقوله سبحانه:﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
والمتشابه ما خفي ددعلمه على غير الراسخين في العلم أو هو ما استأثر الله بعلمه كالحروف المقطعة في أوائل السور (الم - الر- الم ص - كهيعص) ونحوها.
فمحكم القرآن هو النص الواضح الصريح الذي لا تختلف فيه الأفهام والمتشابه هو النص المحتمل الذي تختلف فيه الأفهام، فالمتشابه يرد إلى المحكم والمحكم يرد في الأوامر التكليفية كقطع يد السارق ووجوب الصلاة والزكاة وتحريم الربا والزنا، ونحو ذلك مما هو مطلوب من الخلق الفعل والترك الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب.
والمتشابه ما اشتبه على الإنسان فلم يعرفه والعقل كالبصر يرى أشياء ولا يرى أشياء، وكالسمع يسمع أشياء ولا يسمع أشياء، وكذلك العقل يدرك أشياء وهي المحكم ولا يدرك أشياء وهي المتشابه؛ ليعلم عجزه وضعفه عن إدراك كل شيء وليلزم الإنسان الأدب مع ربه ويحرك عقله فيما يفهم ويرد كل متشابه إلى المحكم مثل الحروف المقطعة في أوائل السور، ومثل استواء الله على العرش ونزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، فالمحكم نعمل به والمتشابه نؤمن به ونرده إلى المحكم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
والقرآن العظيم يضل الله به كثيرًا ويهدي به كثيرًا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٧].
فالقرآن العظيم سمعه أبو بكر الصديق فصار صديق هذه الأمة، وسمعه عمر بن الخطاب فصار فاروق هذه الأمة، وسمعه أبو عبيدة بن الجراح فصار أمين هذه الأمة، وسمعه أبو جهل المخزومي فصار فرعون هذه الأمة، وسمعه أبو لهب الهاشمي فصار ضد هذه الأمة وعدو هذه الأمة، وسمعه مسيلمة فصار كذاب هذه الأمة وسمعه بن أبي فصار سيد منافقي هذه الأمة، والمعول عل أطعنا لا على سمعنا، فالكفار قالوا سمعنا وعصينا والمؤمنون قالوا سمعنا وأطعنا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقال الله ﷿: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾ [النور: ٤٦].
فهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [البقرة: ٢٦].
***
مختارات

