الخزانة الثالثة..
• واجبات الشريعة.
الحقوق تنقسم إلى قسمين:
أحدها: ما لا تشترط فيه الدعوة، وهو حقوق الله ﷿ على عباده، كمن ترك الصلاة والزكاة ونحوهما.
الثاني: ما تشترط فيه الدعوة، وهو حقوق العباد التي تسقط بإسقاطهم كالديون والقصاص والديّات ونحو ذلك.
• أما واجبات الشريعة التي هي حقٌ لله تعالى فهي ثلاثة أقسام:
عبادات.
وعقوبات.
وكفّارات.
فالعبادات كالصلاة والزكاة والصيام.
• والعقوبات إما:
أولًا: مقدّرة كالحدود والقصاص
ثانيًا: مفوّضة إلى الحاكم كالتعزيرات.
أما الكفّارات فككفارة اليمين ونحوها.
وكل واحد من هذه الواجبات ينقسم إلى بدني ومالي ومركب منهما:
فالعبادات البدنية: كالصلاة والصيام.
والعبادات المالية: كالزكاة والصدقات.
والمركبة منهما: كالحجّ.
والكفّارات المالية: كالإطعام.
والبدنية: كالصيام.
والمركبة: كالهدى الذي يُذبح في مكة ويُقسم على الفقراء.
والعقوبات البدنية: كالقتل وقطع اليد في السرقة.
والمالية: كإتلاف أوعية الخمر.
والمركبة: كجلد السارق من غير حرز وتضعيف الغرم عليه وكقتل الكفار وأخذ أموالهم.
• وأما العقوبات البدنية:
أولًا: فتارة تكون جزاءً على ما مضى كقطع يد السارق.
ثانيًا: وتارةً تكون دفعاً عن الفساد المستقبل كحد الحرابة.
قال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤].
ثالثًا: وتارةً تكون العقوبات مركبة: كقتل القاتل.
• أما العقوبات المالية فهي ثلاثة أقسام:
منها ما هو من باب إزالة المنكر وتنقسم كالبدنية إلى:
أولًا: إتلاف كالمنكرات من الأعيان والصور والأصنام والكتب المُضلّة وآلات اللهو.
عن أبي هيّاج الأسدي قال: قال لعلي بن أبي طالب: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ «أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ» أخرجه مسلم.
ثانيًا: إلى تغييرٍ كالسُترة التي فيها صور، تغير إلى وسائد تُمتهن أو فُرشٍ تُعطى.
ثالثًا: إلى تمليكٍ للغير.
فهذه واجباتُ الشريعة فالحمدُ لله أن أنزل علينا كتاباً فيه تبيانُ كل شيء، ورسولاً قد بين لنا كل شيء: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
والنبي ﷺ ما ترك خيراً إلا وقد دلّ الأمة عليه، وما ترك شراً إلا حذرها منها: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
أولًا: الله أرسل نبيّه ﷺ بالدين الكامل كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ [المائدة: ٣].
وقد بيّن الله في القرآن وبيّن كل شيء من الحقوق والواجبات على مستوى الأفراد والجماعات والرؤساء والحكّام، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وبيّن الله في القرآن الكريم ما يحقق للأمة العدل والأمن والسعادة في الدنيا والآخرة.
قال الله تَعَالىَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام/ ٨٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فأمر الله سبحانه الحاكم والرئيس الكبير بما يفعله مع رعيّته بقوله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
فأمر الله الحاكم بحكم الحقّ وعدم إتباع الهوى، وخشية الله وعدم الخشية من الناس، وعدم شراء الدنيا بالدين،فقال ﷿: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: ٢١٥].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
، فهذه سياسة الحاكم مع رعيّته.
ثانيًا: أمر الله الأمّة بما تفعله مع حكامها ورؤسائها وملوكها، بقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وأمر سبحانه المجتمع العام أن يتعاملوا فيما بينهم بالإخوة والمحبة والتعاون على البرّ والتقوى، فقال سبحانه:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وأمر سبحانه الإنسان بما يفعله مع مجتمعه الخاص وهم زوجته وأولاده وأهله، فقال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وقال النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» أخرجه ابن ماجه.
وقال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤].
ولما كان الإنسان لا يخلو من عدو سواءً كان من شياطين الجنّ أو الإنس، أمر الله بالإعراض عن الجاهل، وأمر بالإحسان إليه إن كان من الإنس، وبالاستعاذة بالله من العدو الجنّي، فقال سبحانه في العدو الإنسي: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقال ﷿: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
وقال في العدو الإبليسي: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
• وجوب طاعة أولو الأمر:
أولو الأمر هم الأمراء والعلماء، العلماء ولاة أمورنا في بيان شريعة الله، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣].
والأمراء ولاة أمورنا في تنفيذ شريعة الله والحكم بما أنزل الله، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
ولا يستقيم الأمراء إلا بالعلماء، ولا يستقيم العلماء إلا بالأمراء، فالأمراء عليهم أن يرجعوا إلى العلماء لمعرفة شريعة الله، والعلماء عليهم أن ينصحوا الأمراء ويعظوهم ليطبقوا شريعة الله في عباد الله، وعلى الأمراء أن يطيعوهم وعلينا طاعة الأمراء والعلماء في غير معصية الله، فالأمراء والعلماء هم روح الحياة وهم أئمة الناس في الخير والشر، وصلاح الدنيا والآخرة بصلاح الأمراء والعلماء، وفساد الدنيا والآخرة بفساد الأمراء والعلماء.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا هداة مهتدين ووفقنا وإياهم لما تحب وترضاه يا كريم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ».
متفقٌ عليه.
وإذا استأثر الولاة بالأموال التي للمسلمين فيها حق فيجب أن نؤدي حقهم علينا من السمع والطاعة ولا ننازعهم الأمر الذي أعطاهم الله ونسوا الحق الذي لنا من ربنا ﷿فنسأل الله أن يهديهم ليؤدوا الحق الذي لنا عليهم، ونصبر على ذلك ولا ننزع يدًا من طاعة فالناس كما يكونون يولى عليهم، والأصل أن صلاح الراعي شرطٌ لصلاح الرعية، فإنّ الإمام راعٍ يُقتدى به، وهو مسئول عن رعيته.
ويجب على حكام المسلمين أن يحكموا بما أنزل الله ولا يتم إيمانهم إلا بثلاثة شروط:
الأول: تحكيم الرسول ﷺ في جميع الأمور.
الثاني: ألا يجد الحاكم في نفسه حرجًا مما قضاه الرسول ﷺ.
الثالث: أن يسلم تسليمًا تامًا بالغًا وينقاد لحكم الله ورسوله بقلبه وجوارحه، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وإن لم تتم هذه الثلاثة فإما هو خالٍ من الإيمان مطلقًا، أو ناقص الإيمان، ومن حقه المناصحة والطاعة في غير معصية الله، ويجب على جميع المسلمين السمع والطاعة لولي الأمر، لكن إن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة في هذا الأمر وما سوى ذلك فتجب طاعته.
• وما أمر به الإمام له ثلاثة أحوال:
الأول: أن يكون ما أمر به ولي الأمر مأمورًا به شرعًا كالصلاة ونحوها، فهذا يجب لأمر الله ورسوله به ولأمر ولي الأمر به.
الثاني: إما أن يكون الإمام يأمر بمعصية الله من ترك واجب أو فعل محرم، فهذا لا سمع ولا طاعة ولكن يطاع فيما سواه، ولا تُنزع يدًا من طاعة.
الثالث: إما أن يأمر بما ليس فيه أمرٌ شرعي ولا معصية شرعية، هذا يجب طاعته فيه لأن طاعة وليّ الأمر في غير معصية الله طاعةٌ لله ورسوله.
قال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
ويجب على جميع المسلمين في جميع أوامر الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا، كما قال-سبحانه-: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فيسلّم المسلم لأوامر الله ورسوله تسليمًا مطلقًا سواءً عرف الحكمة أو لم يعرفها، ولا يقول لماذا أمر الله بكذا؟ أو لِمَ يأمر بكذا على سبيل التشكيك.
فمثلًا لا يقول: لماذا أمرنا الله ورسوله بالوضوء من لحوم الإبل ولم يأمرنا بالوضوء من لحم البقر أو الغنم مع أن كلاهما حيوان؟ ولا يقول: لماذا أمرت الحائض في صيام رمضان بقضاء الصيام ولم تؤمر بقضاء الصلاة مع أنّ كلًا من أركان الإسلام، بل يقول: الله الذي شرع الأحكام وهو أعلم وأحكم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
***
مختارات

