الخزانة التاسعة..
• فقه الإنابة:
الإنابة:
هي الرجوع إلى الله، وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه، وهي تتضمن المحبة والخشية، فإن المنيب محب لمن أناب إليه، خاضع له، خاشعُ ذليل بين يديه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ [الزمر: ٥٤].
ومعنى الإنابة:
هي عكوف القلب على الله ﷿، كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وحقيقة الإنابة:
عكوف القلب على محبة الله، وذكره بالإجلال والتعظيم، وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له، والمتابعة لرسوله ﷺ: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨].
ومن لم يعتكف قلبه على الله وحده، عكف على التماثيل الممنوعة، كما قال إمام الحنفاء لقومه.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ [الأنبياء: ٥٢].
• أقسام الإنابة:
الإنابة هي الرجوع إلى الحق، وهي نوعان:
أحدها: إنابة لربوبيته سبحانه، وهي إنابة البشر كلهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [الروم: ٣٣].
الثاني: إنابة الألوهيته، وهي إنابة أوليائه إليه إنابة عبودية ومحبة.
وهي تتضمن أربعة أمور:
محبة الله.
والخضوع له.
والإقبال عليه.
والإعراض عما سواه.
كما قال سبحانه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣١ - ٣٥].
والصحابة ﵃ لما آمنوا وأنابوا إلى الله تغير فكرهم، وتغير عملهم، وتغيرت عواطفهم، وتغير جهدهم، فتغيرت حالهم، وعظم أجرهم، وثوابهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
فاجتهدوا ﵃ للدين، حتى صارت الطاعات عندهم شهوات، وصارت المعاصي بمنزلة السموم المهلكة، واجتهدوا على تحصيل الإيمان والأعمال الصالحة، بدل الاستكثار من الأموال، والأشياء.
وأكثر المسلمين اليوم اجتهدوا للدنيا، حتى صارت الأشياء المادية عندهم شهوات، وثقلت عليهم الطاعات، وصارت المعاصي لهم محبوبات، فالإيمان واحد، والوحي واحد، والقلوب واحدة، ولكن اليقين اختلف.
فالمؤمن يقينه على الإيمان والأعمال الصالحة، وغير المؤمن يقينه على الأموال والأشياء.
والصحابة ﵃، لكمال إنابتهم ومحبتهم للدين يستأذنون الدين؛ ليعملوا قليلاً للدنيا، ونحن نستأذن الدنيا لنعمل للدين، فنستغفر الله ونتوب إليه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ [الزمر: ٥٤].
والصحابة ﵃ يحبون مجالس الذكر؛ لأن في قلوبهم عظمة الله، والدار الآخرة، وكثير من المسلمين يملون مجالس الذكر؛ لأن في قلوبهم عظمة المخلوق، وحب الشهوات:﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
والصحابة ﵃ استخدموا أنفسهم وأموالهم وأفكارهم وأوقاتهم للدين، وأكثر المسلمين اليوم استخدموها للدنيا والشهوات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
• درجات الناس في الإنابة:
الناس في إنابتهم إلى ربهم على درجات متفاوتة:
فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي.
وهذه الإنابة مصدرها مطالعة الوعيد، والحامل عليها العلم، والخشية والخوف، والحذر من سخط الرب وعقوبته:﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقربات فهو ساع فيها بجهده، وقد حبب إليه فعل الطاعات، وأنواع القربات.
وهذه الإنابة مصدرها الرجاء، ومطالعة الوعد والثواب والكرامة من الله ﷿ لعباده المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
وهؤلاء أبسط نفوساً، وأشرح صدوراً، من أهل القسم الأول، وجانب الرجاء ومطالعة المنة والرحمة أغلب عليهم، وإلا فكل واحد من الفريقين منيب بالأمرين جميعاً، ولكن خوف هؤلاء اندرج في رجائهم فأنابوا بالعبادات، ورجاء الأولين اندرج تحت خوفهم، فكانت إنابتهم بترك المخالفات.
ومنهم المنيب إلى الله بالتضرع والدعاء والافتقار إلى الله وسؤال الحاجات كلها منه، ومصدر هذه الإنابة: شهود الفضل والمنة والغنى والكرم والقدرة.
فأنزلوا به حوائجهم وعلقوا به آمالهم، فإنابتهم إليه من هذه الجهة، مع قيامهم بالأمر والنهي، ولكن إنابتهم الخاصة، إنما هي من هذه الجهة.
• وأعلى أنواع الإنابة:
إنابة الروح بجملتها إلى ربها؛ لشدة المحبة الخالصة المغنية لهم عما سوى محبوبهم، ومعبودهم: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وحين أنابت إليه أرواحهم لم يتخلف منها شيء عن الإنابة، فإن الأعضاء كلها تبعُ للروح.
فلما أنابت الروح بذاتها إليه، إنابة محب صادق المحبة، ليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حب ساكن لمحبوبه، أنابت جميع القوى والجوارح، فأناب القلب بالمحبة والتضرع، والذل والانكسار، والتوبة والاستغفار.
وأناب العقل بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه، وتسليمه لها، وتحكيمه إياها دون غيرها، فلم يبق فيه شبهة.
وأنابت النفس بالانقياد، والانخلاع عن العوائد النفسية، والأخلاق الذميمة، والإرادات الفاسدة، وانقادت لأوامره، خاضعة له، وفوضت أمرها إلى مولاها، راضية بقضائه، مسلِّمة لحكمه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].
وأناب الجسد بالقيام بالأعمال فرضها ونفلها على أكمل الوجوه.
وأنابت كل جارحة وعضو إنابتها الخاصة، فلم يبق من هذا العبد المنيب عرق ولا مفصل إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق، الذي كل محبة سوى محبته عذاب على صاحبها، وإن كانت عذبة في مبادئها، فإنها عذاب في عواقبها: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
فإنابة العبد ولو ساعة من عمره هذه الإنابة الخالصة أنفع له، وأعظم ثمرة من إنابة سنين كثيرة من غيره، فأين إنابة هذا من إنابة من قبله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
بل هذه روح منيبة أبداً، وأما أصحاب الإنابات السابقة، فإن أناب أحدهم ساعة بالدعاء والذكر، فلنفسه، وروحه، وقلبه، وعقله، التفاتات عمن قد أناب إليه، فهو ينيب ساعة، ثم يترك ذلك مقبلاً على دواعي نفسه، وطبعه: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]
والله ﷿ يختار من خليقته من يعلم أنه يصلح للاجتباء لرسالته، وولايته، كما اجتبى هذه الأمة، وفضلها على سائر الأمم، واختار لها أفضل الأديان، وخيرها، وأعظم الكتب، وأحسنها، وأفضل الرسل، وأكملهم، وهو سبحانه يهدي إليه من ينيب: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
وهو سبحانه هو الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، ووصل جوده إلى جميع الموجودات، بحيث لا تستغني عن إحسانه طرفة عين: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وإذا عرف العبد بالدليل القاطع أن الله هو العظيم الذي يملك كل شيء، المنفرد بالنعم كلها، وكشف النقم كلها، وإعطاء الحسنات، وغفران السيئات، وكشف الكربات، وأن أحداً من الخلق ليس بيده من هذا شيء إلا ما أجراه الله على يده، جزم بأن الله هو الملك الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، فأقبل عليه وحده، وأناب إليه،وأعرض عما سواه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧].
ومن اطلع الله على قلبه، وعلم أنه ليس فيه إلا الإنابة إليه، ومحبته، ومحبة ما يقرب إليه، فإنه وإن جرى منه في بعض الأوقات ما هو مقتضى الطبيعة البشرية، فإن الله يعفو عنه، ويغفر له الأمور العارضة غير المستقرة، كما قال سبحانه: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ [الإسراء: ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
***
مختارات

