الخزانة الرابعة..
سُبل السلامة من الفتن:
الفتن إذا أصابت الأمة لم ينجو منها أحد إلا من شاء الله، وهي شرٌ مستطيرًا لا يستثنى أحدًا.
وتسلم الأمة من غوائل الفتن وشرورها بأمور:
الأول: تجفيف منابع الفتن، وسد ذرائعها، وحسم أوائلها، والأخذ على أيدي سفهائها، وكم من مخلصٍ جاهلٍ حسن النية، يفسد بجهله ما لا يخطر على باله، ويغرق الأمة في الفتنه، وهو يظن أنه أشدهم رحمة، وأعظمهم غَيرة، وكم من منافق يأكل بلسانه، ويشعل نار الفتنه بكلامه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠].
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةٍ، فصار بَعْضُهُمْ في أَسْفَلَهَا، وصار بَعْضُهُمْ في أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا يمرون بالمَاءِ على الذين في أَعْلَاهَا، فتأذوا به فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا مَا لَكَ قَالَ تَأَذَّيْتُمْ بِي، وَلَا بُدَّ لِي مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ، وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ، وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ» أخرجه البخاري.
الثاني: الحذر من الشر باب من أبواب الخير، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقال الله ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كَان الْنَّاس يَسْأَلُوْن رَسُوْل الْلَّه ﷺ عَنْ الْخَيْر، وَكُنْت أَسْأَلُه عَنْ الْشَّر مَخَافَة أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْت: يَا رَسُوْل الْلَّه، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّة، وَشَر فَجَاءَنَا الْلَّه بِهَذَا الْخَيْر فَهَلْ بَعْد الْخَيْر شَر؟ قَال: «نَعَم»،فَقُلْت: فَهَلْ بَعْد هَذَا الْشَّر مِنْ خَيْر؟ قَال: «نَعَم، وَفِيْه دَخَن»، قَال قُلْت: وَمَا دَخَنُه؟ قَال: «قَوْم يَسْتَنُّون بِغَيْر سُنَّتِي، وَّيَهْدُوْن بِغَيْر هَدْيِي تَعْرِف مِنْهُم، وَتُنْكِر»، فَقُلْت هَلْ بَعْد ذَلِك الْخَيْر مِنْ شَر؟ قَال: «نَعَم فِتْنَة عَمْيَاء دُعَاة عَلَى أَبْوَاب جَهَنَّم، مَنْ أَجَابَهُم إِلَيْهَا قَذَفُوْه فِيْهَا»، فَقُلْت: يَا رَسُوْل الْلَّه، صِفْهُم لَنَا، قَال: «نَعَم، قَوْم مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُوْن بِأَلْسِنَتِنَا»،فَقُلْت: يَا رَسُوْل الْلَّه، وَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكْت ذَلِك، قَال:«تَلْزَم جَمَاعَة الْمُسْلِمِيْن، وَإِمَامَهُم» قُلْت: فَإِنْ لَم يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَة، وَلَا إِمَام؟ قَال: «فَاعْتَزِل تِلْك الْفِرَق كُلَّهَا، وَلَو أَنْ تَعَض عَلَى أَصْل الْشَّجَرَة حَتَّى يُدْرِكَك الْمَوْت، وَأَنْت عَلَى ذَلِك» متفق عليه.
الثالث: لزوم العلماء الربانيين عند الفتن.
فالفتن كقطع الليل المظلم، الساري فيه على شفى هلكه، إن لم يكن معه نور الإيمان، والعلم الذي يكشف أهلها، ويبين سبل النجاة منها، وهو القرآن الكريم: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
والعلماء الربانيون كسفينة نوح من فارقهم، وخالفهم، كان من المغرقين، والعلماء مصابيح الأمة، فهم الذين يعلمون الناس دينهم، ويبينون لهم كيف يؤدون الفرائض، وكيف يجتنبون المحرمات، ويأمرونهم بالتعاون على البر والتقوى، ويحذرونهم من التعاون على الإثم والعدوان، ويبينون لهم الحسن من الأحسن: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وإذا مات العلماء تحير الناس، وزاغوا عن الحق، ودرس العلم، وظهر الجهل، وكثرت الفتن.
ورواج الفتن مقرونٌ بذهاب العلم والعلماء بلا ريب.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا» متفق عليه.
وقد جعل الله العلماء عصمةً للأمة من الهلاك، فالفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت، ودمرت، عرفها كل جاهل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣].
وأهم سُبل الوقاية من شر الفتن، والعصمة من الزيغ، والضلال، والنجاة من الهلاك، هو الاعتصام بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ والالتحام بالعلماء الربانين، والصدور عن رأيهم السديد، كما اعز الله دينه، وحفظه، بأبي بكر الصديق ﵁ يوم الردة، وغيره من أئمة الهدى، فالعلماء ورثة الأنبياء.
والبيئة الإيمانية يقودها العلماء الربانيون، الذين جعلهم الله منارة للعلم والهدى، والبيئة الجاهلية توفر المناخ المناسب للفوضى، والدجل، فهي التي احتضنت الأسود العنسي في اليمن، ومسيلمة الكذاب في اليمامة فأهلكت هذا، وهذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤].
الرابع: لزوم الجماعة.
والجماعة هم أهل الإيمان والتقوى، و يد الله مع الجماعة، والأمة لا تجتمع على ضلالة أبدًا، والحق فيها مادامت أمة واحدة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢].
وقد أمر الله ﷿ بالاجتماع على الحق، وحذرنا من الفرقة.
فالجماعة رحمة، والفرقة عذاب، ونتيجة الجماعة رحمة الله، ورضوانه، وصلواته، وسعادة الدنيا، والآخرة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
ونتيجة الفرقة عذاب الله، ولعنته، وسخطه، وشقاوة الدنيا والآخرة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كَان الْنَّاس يَسْأَلُوْن رَسُوْل الْلَّه ﷺ عَنْ الْخَيْر، وَكُنْت أَسْأَلُه عَنْ الْشَّر مَخَافَة أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْت، وفيه: فَقُلْت: يَا رَسُوْل الْلَّه، وَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكْت ذَلِك، قَال: «تَلْزَم جَمَاعَة الْمُسْلِمِيْن، وَإِمَامَهُم»، قُلْت: فَإِنْ لَم يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَة، وَلَا إِمَام؟ قَال: «فَاعْتَزِل تِلْك الْفِرَق كُلَّهَا، وَلَو أَنْ تَعَض عَلَى أَصْل الْشَّجَرَة حَتَّى يُدْرِكَك الْمَوْت، وَأَنْت عَلَى ذَلِك» متفق عليه.
والمواظبة على صلاة الجماعة من أقوي أسباب الاجتماع، وحصول الأمن والخير، وهي إن لم تستأصل الفتنة، فإنها تطفئ نارها، وتحجم أضرارها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
الخامس: التثبت من الأخبار.
فالفتن تنتشر بالقيل والقال، وتكبر وتزداد بالإشاعات والأباطيل، وأسرع الناس سقوطًا في حريق الفتن، هم أهل الجهل، وأهل الكبر، والغرور، الذين يجرون الأمة إلى كل بلاء، وفتنة، بمجرد قولٍ قيل، لا يدرى من أي رأسٍ خرج، ولا على أي أرض درج.
فيجب التثبت والتبيين في الأخبار المتعلقة بعموم الأمة، أو برأس من رؤوسها، أو بأمر من أمورها، ومجرد الثقة في النقل، لا تكفى بمفردها، فيجب التثبت، وذلك لما يعتلى النفوس من العصبية، والهوى، والشهوة، وتزيين الشيطان، والحرص، والطمع: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤].
وعن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، قال: أن المسلمين لحقوا رجلاً في غُنَيْمَةٍ له فقال: السَّلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمتَه، فنزلت: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤].
» أخرجه البخاري.
وإذا تأكد المسلم من صحة الخبر، فلا تحسن إشاعته بين العامة، فليس كل ما يُعلم يُقال، وكفى بالمرء إثمًا أن يُحدث بكل ما سمع، وإذا أردنا أن نقول فلا نقول إلا للعلماء والأتقياء الذين يعلمون ما لا نعلم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣].
وقد أمر الله بالستر، والنصح، والصلح، والإصلاح لمن زلت به القدم، فلا يجوز لأحد هتك الأستار، وفضح الأسرار، والتشهير بالأشخاص، ورحمة الله للفاسق توجب إصلاح فساده، ولو كان جبارًا عنيدًا، ومن هتك ستر غيره فضحه الله، ولو كان في جوف داره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩].
وقال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» متفق عليه.
فيجب على المسلم أن يتبين الأمور، ولا يصدق الإشاعات؛ ليسلم هو، وغيره من إثم الفتن، والتهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ، وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ، وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ» أخرجه مسلم.
وعن ابن عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: حدثنا عُمَرَ بن الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ الله ﷺ نِسَاءَهُ، قال: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ الله ﷺ نِسَاءَهُ،فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَطَلَّقْتَهُنّ، قَالَ: لَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، يَقُولُونَ:طَلَّقَ رَسُولُ الله ﷺ نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَال: نَعَمْ إِنْ شِئْت» أخرجه مسلم.
وليس كل ما يعلمه الإنسان يقوله، بل يجب عليه أن يسكت، إذا كانت الحكمة والمصلحة في السكوت درأ للمفسدة، خاصة وقت الفتن التي تلطم البر والفاجر إلا من رحم الله.
عن أبى هريرة ﵁ قال: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ» أخرجه البخاري.
***
مختارات

