الخزانة الثالثة..
الله ﷿ هو الملك الغني الكريم المنان الذي من على خلقه بكل نعمة على أبدانهم وقلوبهم، والمنة تكدر النعمة وهذه منة المخلوق على المخلوق، وإنما قبحت منة المخلوق لأنها منة بما ليس منه وهي منة يتأذى بها الممنون عليه وهي مذمومة مبطلة للثواب، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
أما منة الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ولذتها وطيبها وحُسنها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة/ ١٦٤].
وهل المنة كل المنة إلا لله المان بفضله والذي جميع الخلائق من مننه، وفي مننه وما طاب العيش إلا بمنته سبحانه:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وكل نعمة في الدنيا والآخرة فهي منة يمن بها الله ﷿ على من أنعم عليه ودخول الجنة برحمة الله وفضله، وذلك محض منته على أهل طاعته، فلا يدخل أحد الجنة بعمله ولكن بفضل الله ورحمته؛ ولكن الإيمان والطاعات سببٌ لدخول الجنة، فهو سبحانه الغني الكريم المنان بإرسال رسله وإنزال كتبه والتوفيق لطاعته والإعانة عليها والمن بالجزاء عليها، فلا يدخل أحد الجنة بعمله وإنما برحمة الله وفضله.
ولكن الأعمال سبب وهو المان سبحانه في رفعة الدرجات ومضاعفة الحسنات وتكفير السيئات، وهو المان بكل نعمة وبكل رحمة وبكل إحسان وبكل هداية، ولا منة لأحد على الله بل لله المنة على خلقه بنعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وإنعام الله على عباده يتضمن إنعامه بكل ما يحتاجون إليه في حياتهم، من طعامٍ وشرابٍ ومالًا ونحو ذلك وإنعامه بالهداية التي هي الإيمان، والعلم النافع، والعمل الصالح، وإنعامه بحسن الثواب والجزاء يوم القيامة، فهذا تمام النعمة، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
والنعمة نعمتان:
نعمة مطلقة.
ونعمة مقيدة.
فالنعمة المطلقة: هي المتصلة بسعادة الأبد وهي الإسلام وهي خاصة بالمؤمنين، وهي معروضة على سائر البشر وحقٌ لهم جميعًا فمنهم من قبلها وهم المؤمنون فأورثهم سعادة الأبد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ومنهم من ردها وبدلها فأورثهم ذلك شقاوة الأبد، وهؤلاء بمنزلة من أُعطي مالًا ليعيش به فرماه في البحر فعاقبه فعله الندامة والخسران والهلاك فما أعجب حال هؤلاء وما أشد عقوبتهم إذا قدموا على ربهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٣٠].
ونعمة الإسلام هي النعمة الكبرى التي يفرح بها المؤمنون،كما قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
أما النعمة الثانية فهي النعمة المقيدة:
وهذه النعمة مشتركة بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر بأشكالها وأنواعها كنعمة الصحة والغنى والأمن والرخاء، ونعمة الزوجة والولد ونحو ذلك.
وأفضل النعمتين، نعمة الإيمان وما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينة، وإن كان يسوؤه فهو من جهة أنه يكفر خطاياه ويثاب بالصبر عليه، ومن جهله أن فيه حكمة ورحمة هو لا يعلمها، وهاتان النعمتان تحتاجان مع الشكر إلى الصبر: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]
وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
أما نعمة الضراء فاحتياجها إلى نعمة الصبر ظاهر، وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها ومعها فإن فتنة السراء أعظم من فتنة الضراء.
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
والعبد مأجورٌ في كلتا الحالتين كما قال النبي ﷺ: «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا له» أخرجه مسلم.
محبة النعم ومحبة المُنعِم بينهما كما بين المشرق والمغرب، فالمؤمن عند النعم يذكر المُنعِم ويتوجه إليه بالعبودية بالذكر والحمد والشكر، فهو في الدنيا يرى النعمة ويعبد المُنعِم، ويوم القيامة يجلس على النعمة ويرى المُنعِم:﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
والكافر يشتغل بالنعم عن المُنعِم لأنه يعرف قدر النعم ولا يعرف قدر المُنعِم، ولو أن ملكً عظيمًا أهدى لأحد الناس جوهرة نفيسة مثلًا، فإنه سيكون لها نوعان من المحبة وسيتلذذ بها شكلين من اللذة:
الأولى: المحبة التي تعود إلى أصل الجوهرة من حيث جمالها وحجمها وقيمتها والتلذذ بحُسنها وهي لذة جزئية إلى زوال.
الثانية: محبة للتكرمة السلطانية التي ظهرت بالجوهرة التي خصه بها، فهي ثناءٌ مجسم من السلطان لهذا الإنسان:﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وهكذا الإنسان إذا وجه محبته إلى النعم والأموال بالذات، فتلك محبة نفسانية زائلة مؤلمة، أما إذا كانت المحبة متوجهة إلى جهة التكرمة الربانية له فهي شكر معنوي ولذة تورث كل سعادة: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
وإذا أنعم الله على إنسان بنعمة حفظها عليه ولا يغيرها عليه، حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه بمعصية المُنعِم بها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١].
وكل من زالت عنهم النعم من الأمم الماضية إنما هو بسبب مخالفة أوامر الله ومعصية رسله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ [الأنفال: ٥٣].
فما حُفظت نعمة الله بشيء مثل طاعته ولا حصلت فيه الزيادة بمثل شكره، ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه فالمعاصي نار النعم التي تعمل فيها، كما تعمل النار في الحطب اليابس: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
والله ﷿ هو الرزاق الذي يرزق المخلوقات جميعًا، وما من مؤمنٍ ولا فاجرٍ إلا وقد كتب الله له رزقه من الحلال فإن صبر حتى يأتيه وطلبه بوجوه الحلال أتاه تجاه ربه حلالًا، وإن جزع فتناول شيئًا من الحرام نقصه الله من رزقه الحلال.
والله على كل شيء قدير وهو الحكيم العليم قسم جميع أرزاق الخلائق وجميع الدواب، وجميع ما في البر والبحر من الحيوانات والدواب والحشرات والطيور والإنس والجن وغيرهم مما لا يعلمه إلا الله، وأوصلها إلى المخلوقين
قسم سبحانه رزق كل مخلوق، من حيث الكمية والنوعية ومن حيث الزمان والمكان، فقدر سبحانه رزق كل مخلوق فلا يزيد وقدر نوع الأرزاق فلا تتغير وقدر وقت الأرزاق فلا تتقدم ولا تتأخر.
وقدر مكان الأرزاق فلا تتغير ولا تتبدل، فمن قُطع له رزقه في بلد لم يأخذه إلا من ذلك البلد، ومن قُطع له رزقه في وقت فلن يأخذه إلا في ذلك الوقت: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
والرزق يطلب الإنسان كما يطلبه أجله، ولن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها وأثرها وعملها ولابد لكل مخلوقٍ من الرزق، وقد تكفل الله الرزاق بأرزاق الخلق كلهم، وكل ما يتناول الإنسان من الحلال والحرام داخلٌ في هذا الرزق، فالكفار قد يرزقون بأسباب محرمة ويرزقون رزقًا حسنًا وقد لا يرزقون إلا بتكلف، والمؤمنون يرزقهم الله بالأسباب المشروعة ويرزقهم من حيث لا يحتسبون،كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
ولا يكون رزقهم بالأسباب المحرمة، ولا يكون خبيثًا والله يرزق المؤمن ما يحتاج إليه ويحميه من ظهور الدنيا رحمةً به وإحسانًا إليه وصيانةً له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨].
***
مختارات

