الخزانة الرابعة..
تقوى الله ﷿ أكرم ما أسررنا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وتقوى الله أزين ما أظهرنا، وأفضل ما ادخرنا، وأحسن ما لبسنا: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
والخاسر من أبدي للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من يستوي عنده السر والعلانية: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
وتقوى الله ﷿ أن تفعل ما أمرك الله به رجاء ثوابه، وأن تترك ما نهاك الله عنه خوفًا من عقابه، وحق تقاته أن لا يترك المسلم شيئا مما أمره الله به إلا فعله، وأن يجتنب كل ما نهى الله عنه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فيطيع العبد ربه ولا يعصيه، ويذكره ولا ينساه، ويشكره ولا يكفره، ويؤمن به ويتوكل عليه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]
وقد أمر الله عباده المؤمنين بالتقوى؛ لأنهم هم الذين يعرفون ما يستحقه سبحانه من التعظيم، والإجلال والتوقير، وكمال المحبة والطاعة، والذل للرب سبحانه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
ولكن أحدًا لا يستطيع أن يقوم بكمال التقوى، فمن رحمة الله أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
فإذا فعل الإنسان ما يستطيع مما أمره الله ورسوله به، وترك ما نهى الله ورسوله عنه، فقد اتقى الله حق تقاته، كما قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
والتقوى تقوم على أصول عظيمة، ولها دلائل وشواهد من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والأعمال الصالحة التي هي آثار الإيمان وبرهانه ونوره، والأخلاق الحسنة التي هي جمال الإنسان،فمن اتسم بهذه الصفات فهو من الأبرار الصادقين المتقين:﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧].
والتقوى هي التحلية بعد التخلية، والتزين بعد التطهر، بفعل الطاعات بعد التخلي عن السيئات.
والتحلية فعل الحسنات إما بالقلب، أو القالب، أو المال فرأس الأعمال القلبية الإيمان والتوحيد، والجامعة للأعمال البدنية هي الصلاة، التي هي عماد الدين، وقطب الأعمال المالية هي الزكاة والصدقات، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ١ - ٣].
والتقوى وصية الله للأولين والآخرين، كما أخبر الله بذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾ [النساء: ١٣١].
وتقوى الله ﷿ ألا يفقدك الله حيث أمرك في باب الواجبات والمستحبات، ولا يجدك حيث نهاك في باب المحرمات والمكروهات، وأن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
• تقوى الله ﷿ تنقسم إلى قسمين:
تقوى القلوب.
وتقوى الجوارح.
والأصل تقوى القلوب: «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»متفق عليه.
وتقوى الجوارح من لوازم تقوى القلوب، وهي ثمرة تقوى القلوب، فالتقوى في الحقيقة في القلب، كما قال سبحانه:﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
وتقوى الجوارح لا قيمة لها، ولا وزن بدون تقوى القلوب.
والله سبحانه أمر عباده أن يقوموا بشرائع الإسلام على ظواهرهم، وحقائق الإيمان على بواطنهم، ولا يقبل واحدًا منهما إلا بصاحبه وقرينه، والإسلام علانية، والإيمان في القلب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
وكل إسلامِ ظاهر لا يقوم على حقيقة الإيمان الباطنة، فليس بنافع حتى يكون معه إيمانًا باطن: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وكل حقيقة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الإسلام الظاهرة لا تنفع، ولو كانت ما كانت، فلو تمزق القلب بالمحبة لله والخوف منه والتعظيم له، ولم يتعبد بالأمر وظاهر الشرع، لم ينجه ذلك من النار، كما أنه لو قام بظواهر الإسلام، وليس بباطنه حقيقة الإيمان، لم ينجه ذلك من النار.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله ﷿: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾ [المنافقون: ١ - ٢].
وأكمل الهدي في الإسلام والإيمان والإحسان، وفي كل شيء هدي محمدٍ ﷺ، وكان موفيًا كل واحد حقه.
فكان مع كمال تقواه ﷺ، وإرادته يقوم الليل حتى تتورم قدماه، ويصوم حتى يقال لا يفطر، ويجاهد في سبيل الله، ويحج ويعتمر، ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويدعو إلى الله، ويكرم الضيوف، ويواسي المحتاجين، ويخالط أصحابه، ويؤدي الفرائض، ولا يترك شيئًا من النوافل والأذكار والأوراد: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
• وإذا عرف العبد هذا الصادقون السائرون إلى الله والدار الآخرة قسمان:
الأول: من صدف ما فضل من أوقاتهم بعد الفرائض إلى النوافل البدنية، وجعلوها دأبهم من غير حرص منهم على تحقيق أعمال القلوب ومنازلها وأحكامها، وإن لم يكونوا خاليين من أصلها، ولكن همهم وهممهم مصروفة إلى الاستكثار من الأعمال الصالحة.
الثاني: من صرف ما فضل من الفرائض والسنن إلى الاهتمام بصلاح قلوبهم، وعكوفه على الله وحده، والجمعية عليه، وحفظ الخواطر، والإرادات معه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
فهؤلاء جعلوا قوة تعبدهم بأعمال القلوب من تصحيح المحبة للرب، والخوف والرجاء، والتوكل والإنابة، والتعظيم والحمد، ورأوا أن أيسر الواردات على قلوبهم من الله، أحب إليهم من كثيرًا من التطوعات البدنية، التي يغفل معها القلب.
فإذا حصل لأحدهم وارد أنس أو حب أو انكسار أو ذل لم يستبدل به شيئًا مما سواه البتة، إلا أن يجئ الأمر الواجب عليه من الفرائض، فيبادر إليه بذلك الوارد إن أمكنه، وإلا بادر إلى الأمر، ولو ذهب الوارد.
فإذا جاءت النوافل، فإن أمكن القيام إليها فذاك، وإلا نظر في الأرجح والأحب إلى الله، هل هو القيام إلى تلك النافلة، ولو ذهب وارده وتوجه، وحضور قلبه مع ربه، هل هو القيام إلى تلك النافلة، ولو ذهب وارده، كإغاثة الملهوف، وإرشاد الضال، وجبر المكسور، واستفادة إيمانه، وما نحو ذلك.
فها هنا ينبغي تقديم النافلة الراجحة، وما تقدمها لله تقربًا إليه، فإنه يرد عليه ما فات من وارده أقوى مما كان، وإذا كان الوارد أرجح من النافلة، فالحزم له الاستمرار في وارده حتى يتوارى عنه، فإنه يفوت، والنافلة لا تفوت.
وهذا موضع يحتاج إلى فضل فقه في الطريق، ومراتب الأعمال، وتقديم الأهم فالمهم، والأحسن على الحسن: قال النبي ﷺ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» متفق عليه.
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقد جمع النبي ﷺ مصالح الدنيا، والآخرة في قوله: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» أخرجه ابن ماجة بسند صحيح.
• نعيم الآخرة ولذاتها تنال بتقوى الله ﷿.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
وراحة القلب والبدن، والسلامة من التعب، والكد في طلب الدنيا، إنما ينال ذلك بالإجمال في الطلب، فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة، ومن أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا، وهمومها، كما قال النبي ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» أخرجه ابن ماجة بسند صحيح.
فتقوى الله ﷿ تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه، ولهذا أمر بهم النبي ﷺ في قوله:«اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» أخرجه أحمد والترمذي بسند حسن.
• والدين ركنان:
عبادة الحق.
والإحسان إلى الخلق.
قال الله ﷿: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
فتقوى الله ﷿ توجب للعبد محبة الله له، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته، والتقصير في فعل الطاعات، أو في فعل السيئات يمحوه إتباع ذلك بفعل الحسنات: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤].
والعبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنه، وأقرب الوسائل إلى الله ملازمة السنة والوقوف معها في الظاهر، والباطن، ودوام الافتقار إلى الله والتضرع إليه، وإرادة وجه وحده بالنيات والأقوال، والأعمال الصالحة:﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله ﷿: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
ومن أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خالٍ من تعظيم الله وتوقيره، وإجلاله وتقواه، ومن السفاهة والجهل أن توقر المخلوق وتجله أن يراك في حال لا توقر الله أن يراك عليها، وهذا أعظم الجهل، فمن لم يعرف الله لم يوقره، كما قال سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٣ - ٢٠].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]
• لهذا لابد لكل إنسان من أمرين:
أحدهما: طاعة الله ورسوله بفعل المأمور وترك المحظور.
قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
الثاني: الصبر على ما يصيبه من القضاء المقدور.
فالأول: هو التقوى.
والثاني: هو الصبر وقد جمعهم الله في قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
وقد خلق الله ﷿ في كل إنسان ثلاث قوى:
قوة البذل والإعطاء.
قوة الكف والامتناع.
قوة الإدراك والفهم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
فمن وفقه الله ﷿ للإيمان وهداه استعمل هذه القوى الثلاث فيما يحب الله، ويسره لكل يسرى في الدنيا والآخرة،كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٤ - ٧].
ومن خذله الله، ولم يرد له الهداية استعملها فيما يبغض الله، فنال بسبب ذلك العقوبة، كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٨ - ١٠].
وأبواب البركات تفتح مع كمال الإيمان، وكمال التقوى، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
والبركات الإلهية لا يحصيها إلا الله، ومنها البركة في العمر، والبركة في الرزق، والبركة في الوقت، والبركة في الأهل، والبركة في الأولاد، والبركة في الأموال، والبركة في الأعمال، ومنها قضاء الحاجات بدون أسباب، فباب التقوى من أعظم الأبواب التي تأتي منها البركات: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
ومنها حصول الأموال بدون جهد، وحصول الأشياء بدون تعب، وحصول الأرزاق مباشرة من الرب، كما قال الله عن مريم: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧].
والآن أُغلقت أبواب البركات، وحرم منها أكثر المسلمين بسبب ضعف الإيمان ونقص التقوى، فالمسلمون إذا نسوا الله نزعت من حياتهم البركات، والذي لم يُنزع تذهب بركته، فينزل المطر ولا تنبت الأرض، ويكثر الرزق وتقل منافعه، فإذا نسينا الله نُزع منا كل شيء نافع.
والذي لم يُنزع تذهب بركته، نُزع منا حب كلام الله، وحب كلام رسوله، وحب عبادة الله، وحب طاعته وحب أوليائه، وحب أوامره وحب دينه، فارتفعت الخيرات والبركات،وكثرت المعاصي والمخالفات والسيئات: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
***
مختارات

