الخزانة الأولى..
فقه العقل:
العقل: غريزة وضعها الله في قلوب المكلفين من عباده وهو شيء غيبي، كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
فالعين ترى المبصرات، والأذن تسمع الأصوات، والعقل يعقل المعلومات وضد العقل الجنون فالعاقل مكلف، والمجنون غير مكلف والعقل غيبي كالروح، والعقل محله القلب؛ كما أن السمع محله الأذن وللعقل ارتباط بالدماغ.
وبالعقل يميز الإنسان بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين ما ينفعه وما يضره، إذا سلم من الهوى، فهذا حد العقل الذي خلقه الله.
وكذا حد العقل عالم الشهادة، ولا علاقة له بعالم الغيب ولا يعلم منه إلا ما يعلمه له الأنبياء، فالعقل يستقبل الوحي، فمن لا عقل له لا تكليف عليه، وقد رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثلاثة: «عن الصَّبِي حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيق» أخرجه أحمد وأبو داود.
والوحي: إما خبر أو أمر والعقل مأمورٌ أن يصدق الأخبار، ويطبق الأحكام.
مما جاء عن الله ورسوله.
والإيمان: أن نصدق الأخبار التي جاءت عن الله ورسوله، وننفذ الأحكام.
والصحابة كانوا يسمعون الخبر عن الله ورسوله فيصدقونه، ويسمعون الأمر من الله ورسوله فينفذونه.
قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦].
فمن غَير في الأخبار الشرعية عن الله ورسوله بعقله ظهرت بدع العقائد، ومن غير في الأوامر الشرعية بعقله ظهرت بدع العبادات: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
ومكان العقل في القلب، والعقل نورٌ روحاني تُدرك به العلوم الضرورية كالواحد نصف الاثنين، والعشرة أكثر من الخمسة، والعلوم النظرية كالسماء فوق الأرض، والتراب ضد الماء، ومركز العقل في القلب الذي في الصدر، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وجميع ما يؤثر على الدماغ يؤثر على العقل، فالعقل محله القلب، ولكن سلامته مشروطة دائماً بسلامة الدماغ، كسائر الأعضاء مربوطة بالدماغ، فالفقه في القلب كما أن النظر في العين، والسمع في الأذن، كما قال ﷾: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والفقه النافع في القلب هو الذي يوصل لطاعة الله، والإيمان به، وخشيته ﷻ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقد خلق الله بني آدم على خمس صفات:
فكل آدمي: ضعيف.
فقير.
عاجز.
محتاج.
جاهل.
وذلك ليستعين الضعيف بالقوي سبحانه، ويسأل الفقير الغني، ويستعين العاجز بالقادر، ويقف المحتاج بباب ربه الكريم، ويتعلم الجاهل من ربه العليم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
والإنسان إما أن يكون عابداً لله، أو عابداً لعبد الله من صنم أو حجر أو إنسان أو غيرهم من المعبودات الباطلة، وكل من عبد مخلوقاً مثله، أو دونه، أو أكمل منه؛ فهو سخيف العقل؛ لأن الكل عبيد الله، الكل مخلوق ضعيفٌ، فقير، عاجز، مملوك لرب العالمين: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
والله سبحانه هو الخلاق العليم، خلق الإنسان وخلق أعضاءه، وجعل لكل عضو وظيفة، فمحل السمع في الأذن، ومحل البصر في العين، ومحل الكلام في اللسان، ومحل العقل في القلب، والبصر في العين كالبصيرة في القلب هذا يبصر المرئيات، وذاك يبصر المعقولات: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
فكل ما سوى الله عبادته باطله؛ لأنه مخلوق مربوبٌ مملوك لله ﷿.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٧].
وآفة أكثر الناس أنهم يعرفون الغاية الدنيا، ولا يعرفون الغاية العليا فيجتهدون في غايات الدنيا التي تفوت مع الدنيا من فنون، وجمع مال، وتكميل شهوات، ونحوها من الغايات القريبة الفانية.
أما العاقل فيجتهد في الوصول إلى الغاية العليا الباقية التي فيها السعادة في الدنيا والآخرة، وهي عبادة الله وحده،وطلب رضوانه والجنة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
والغاية العليا: أن تعيش مع الحق، وتعمل بالحق، وتدعو إلى الحق.
والغاية الدنيا: أن تعيش مع الأسباب التي يمكن أن تثمر أو لا تثمر، ومن تعلق بغير الله عذب به: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
والغاية العليا حددها العلي الأعلى، والغاية الدنيا يحددها هوى الإنسان: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
والوصول إلى الغاية العليا يكون فقط بالسبيل الذي شرعه الله ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
مدارك العقل:
مدارك العقل الموصلة إلى الإيمان واليقين خمسة:
البديهيات.
والمحسوسات.
والمتواترات.
والتجريبيات.
والاعتراف.
فالبديهيات: الأثر يدل على المؤثر، والبعرة تدل على البعير، وكذا الخلق يدل على الخالق سبحانه، والرزق يدل على الرازق.
والمحسوسات: من سماءِ وأرض ومخلوقات تدل على الخالق سبحانه الذي خلق كل شيء: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
والمتواترات هي: الخبر الصادق من الله ورسوله عن أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وآياته، ومخلوقاته، ودينه، ووعده ووعيده.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
والتجريبيات: لكل عمل ثمرة ولكل تجربة نتيجة.
والاعتراف سيد الأدلة، فالعقل الصحيح: يرى في هذا الكون خالقاً ومخلوقاً، وسيدًا وعبيداً.
والعقل الصريح: لا يعارض النقل الصحيح، بل يشهد له ويؤيده، لأن المصدر واحد، فالعقل خلقة الله، والوحي أنزله الله، فالذي خلق العقل هو الذي أنزل إليه النقل من القرآن أو سنة، ومن المحال أن يرسل إليه ما يفسده، بل أرسل إليه ما يصلحه ويسعده في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
ومن المحال أن يصنع أحد صنعه، ثم يرسل معها تعليمات تفسدها، بل يرسل معها وإليها ما يصلحها، والله ﷿ خلق الإنسان، وأنزل عليه القرآن منهج حياه يسعده في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢ - ٣].
والنقل الصحيح هو القرآن الكريم، وما صح عن النبي ﷺمن السنة، فكل ما ورد في القرآن والسنة موافق للعقل الصحيح، وليس في المنقول ما يخالف المعقول؛ لأن المصدر واحد، وكل ما جاء به الأنبياء لا يخالف بعضه بعضًا، ولا يخالف العقل، لأن المصدر واحد، بل كل ما جاء به نبي أكمله مَنْ بعده حتى ظهر الإسلام كاملاً ببعثة محمد ﷺالذي هو خاتم الرسل، بعثه الله رحمة للعالمين إلى يوم القيامة بالدين الكامل، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
والإنسان عبدُ مخلوق من مخلوقات الله، وعمل العبد بين يدي سيده، تصديق أخبار، امتثال أمره، واجتناب نهيه، وفعل ما يحب، واجتناب ما يكره، وأنت عبد الله شئت أم أبيت: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣].
ولكن الملك سبحانه أعطى هذا العبد الخيار بين فعل ما أمره به، وبين فعل ما تهواه نفسه، امتحاناً وابتلاءً في هذه الدنيا.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
ومن حق العبودية أن تلتزم بتصديق الأخبار، وامتثال الأوامر، ولو شاء الله لألزمك بذلك، كما ألزم الشمس والقمر بالإنارة، وألزم الأرض بالإنبات، لكن الله خلق الدنيا للامتحان والابتلاء، والابتلاء يترتب عليه الجزاء في الدنيا والآخرة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقريش لما قدموا العقل على النقل خسروا الدنيا والآخرة:﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠].
ولهذا كذبوا رسول الله ﷺ، لأنهم نظروا إلى المصلحة الخاصة، مصلحة الدنيا ليبقى الرؤساء لهم السيادة، ويبقى العبيد أذلاء للسادة، ولو أمنوا بالله ورسوله لكسبوا الدنيا والآخرة: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠].
***
مختارات

