الخزانة الثانية..
أقسام العلماء:
العلماء قسمان:
أحدهما: عالمٌ كالبئر، لا تستفيد منه حتى تذهب إليه، فهذا نفعه محدودٌ بمن حضر مجلسه.
الثاني: عالمٌ كالسحب يتجوَّل بعلمه بين الناس، فيستفيد منه كل الناس، ويحبه كل الناس: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وعطاء الله للناس نوعان:
أحدهما: عطاءٌ خاص؛ كعطاء المال، والأشياء، وعطاء الطب، ونحو ذلك من العطاءات، هذا عطاءٌ محدودٌ لبعض الناس.
الثاني: عطاءٌ عام لكل الناس جميعًا؛ كعطاء الداعي إلى الله، وهو يدعو كل الناس إلى رب الناس، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فهذا عطاؤه عام لكل الناس كالشمس، والقمر، والسحب، والأرض، فمن أعطاه الله عطاءً خاصًا فليعطي من هذا العطاء الخاص غيره: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
لكن عليه ألا ينسى العطاء العام لكل الناس، وهو الدعوة إلى الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧].
وأعلى مستوى في العطاء هو الدعوة إلى الله التي فيها نجاة الناس في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فالداعي في الليل يقول لربه يا رحمن ارحمني، يا غفار، يا كريم، وفي النهار يغفرُ ويرحمُ ويكرمُ الناس، ففي الليل تعلقٌ مع الرب، وفي النهار تخلّقٌ مع الخلق: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
والعلم له حقوق؛ فحق العلم العمل به، وحق العمل إتباع السنة، وحق القول الصدق، وحق القلب الإخلاص: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وحق العين التدبر، وحق الأذن أن تسمع كتاب الله، ودروس العلم والمواعظ، وحق العقل التمييز بين البدائل، والتمييز بين الخالق والمخلوق، وأداء الحقوق الواجبة في أوقاتها ومقاديرها: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
واعلم أن الحياة الدنيا دار الإيمان والعمل والفناء، والبرزخ دار الانتهاء، والآخرة دار البقاء في الجنة أو النار: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وحياة الناس في الدنيا على أربع درجات:
إما حياةٌ كحياة البهائم، أو حياةٌ كحياة السباع، أو حياةٌ كحياة الشياطين، أو حياةٌ كحياة الأنبياء والمرسلين، وهذه أعلى أنواع الحياة، ومن عاش هذه الحياة أسعده الله في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
فخلق الله هذه الدنيا لمعرفة الله وعبادته، وجعل البرزخ للسؤال عن الله وعبادته، وجعل الآخرة لرؤية الله، والخلود في الجنة لمن آمن بالله، والخلود في النار لمن كفر بالله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
فقه الدعوة إلى الله:
بعث الله كل نبيٍ ليعلِّم أمته كيف تعبُدَ الله وحده:﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وهذه الأمة علَّمها النبي ﷺ كيف تدعو إلى الله، وكيف تعبد الله.
فقال في الدعوة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال في العبادة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وأول فريضةٍ علَّمها النبي ﷺ أمته هي أن تعرف من هو الله، والفريضة الثانية كيف تدعو إلى الله، وتعرف من هو الله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
الدعوة إلى الله حكمةٌ في اللسان، وحرقةٌ في القلب، ودمعةٌ في العين، ورحمةٌ للخلق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وبسمة الداعي إلى الله ليؤلف قلوب الخلق على الإيمان بالله، أعظم عند الله من بكاء العابد، وعمل الدعوة إلى الله عملٌ عظيم، لأنه عمل العظماء من الأنبياء والمرسلين الذين يدعون إلى ربهم العظيم ﷻ، وكلما عظم العمل، عظم الأجر والثواب: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وبالدعوة إلى الله يترقى الداعي إلى ما يدعو إليه من الأقوال الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وميدان جهد الأنبياء هو الإنسان، وبيئة جهد الأنبياء هو المسجد، وجبالٌ من الأعمال الانفرادية، أصغر من ذرةٍ من الأعمال الاجتماعية، والأعمال الاجتماعية هي الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة للمسلمين، وتأخر الناس في قبول الحق، حتى يترسَّخ الحق في قلب صاحب الدعوة، ثم يكون همه الأول الدعوة إلى الله في كل مكانٍ وزمانٍ وحالٍ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
وفي هذه الدنيا يعيش المؤمن في جنة الأرواح، وفي الآخرة يَخلُد في جنة الأرواح والأشباح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨].
وكمال الإنسان وكمال الحيوان بكمال بدنه، وكمال المسلم بكمال إيمانه، وتقواه، وأخلاقه، وجهد الصناعة على الأشياء، وجهد الأنبياء على النوع البشري: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وعبودية المخلوق للمخلوق ليستفيد منه، وعبودية المخلوق للخالق أن يستفيد هو من الخالق: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾ [لقمان: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وأكثر كفار مكة ليست عندهم مشكلة في توحيد الربوبية والألوهية، ولكن عندهم مشكلة في محمد رسول الله ﷺ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢].
وجمال الدنيا بحسن العلاقة مع الله؛ بتصديق الأخبار، وفعل الأوامر، واجتناب النواهي: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
واصبر على أداء الطاعات، واصبر عن المحرمات، واصبر على الأقدار المؤلمة، لتسمع في الجنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٤]
ومن أحسن في ليله بحسن العبادة، وحلاوة المناجاة لله، كوفئ في نهاره بالإحسان إلى الخلق بالدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].
قول المسلم، قول الداعي إلى الله، قول أهل لا إله إلا الله، أن يقولوا لكل أحد: أن الفوز والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة هو فقط بيد الله وحده لا شريك له: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وأقوال المسلم كلها في الدعوة إلى الله، في توحيد الله، في ذكر الله، في الأمر بعبادة الله وحده: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
والله ﷿ اصطفى الأنبياء والرسل بكلامه، وشرّفهم بالدعوة إليه، واصطفى هذه الأمة بكلامه وهو القرآن الكريم، وشرّفها بالدعوة إليه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقد جعل الله مع كل سببٍ ماديٍ نافعٍ نفعًا محدودًا كالأكل، والشرب، والتجارة، والزراعة، والصناعة، ولو شاء الله لسلبه النفع، وجعل مع كل سببٍ ضارٍ ضررًا محدودًا، ولو شاء الله لسلبه الضرر، كما سلب ﷿ضرر النار عن خليله إبراهيم ﷺ.
وجعل الله مع سببية الإيمان والتقوى معيّته ونصرته، وفوزٌ وفلاحٌ مطلقٌ غير محدود، حتميُّ النتائج.
فالأسباب الإيمانية قطعية، والأسباب المادية ظنية،والأسباب نوعان:
• أسبابٌ بأيدينا وبأيدي جميع الكفار، وهي الأسباب المادية وهي من عطاء الربوبية.
• وأسبابٌ بأيدي المؤمنين فقط، وهي امتثال أوامر الله على طريقة رسوله ﷺ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
والصحابة ﵃ لما عرفوا ذلك بادروا إلى الأسباب الإيمانية، ولم يلتفتوا إلى الأسباب المادية وإن فعلوها، ولهذا تمتعوا بالمجاهدات، والتضحيات من أجل إعلاء كلمة الله، كما نتمتع الآن بالشهوات لتحقيق رغبة الجسد، فصارت مجاهداتهم لإحياء أوامر الله أحب إليهم من شهواتهم بسبب كمال إيمانهم، ويقينهم على ربهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
والصحابة ﵃ تعلموا من النبي ﷺ حب الآمر، وحب الأوامر قبل أن يتعلموا حب الثواب على الأوامر، فصلاة ركعتين فيها رضى الله، وفيها دخول الجنة،ومرضات ربي أحب إلي من مرضاة نفسي: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
والله ﷿ خلق الدنيا الفانية من ترابٍ ورمالٍ، وأحجارٍ، وحديدٍ ونحاسٍ؛ وخلق الجنة لبنةٌ من ذهب، ولبنةٌ من فضة، وأنهار الماء واللبن، وأنهار الخمر والعسل،ولأهلها فيها من كل الثمرات: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد: ١٥].
ذِكرُ حياة الملوك والأمراء والوزراء تُعَلّقُ قلب العبد بالجاه والمناصب، وذكر حياة التجار والأغنياء تُعَلّقُ قلب العبد بالأموال وأنواع الشهوات، وذكر حياة الأنبياء والرسل تُعَلّقُ قلب العبد بتوحيدهم وإيمانهم، وصفاتهم، وجهادهم، وجهدهم، وعبادتهم كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ [مريم: ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ [مريم: ٥١].
وحياة البهائم تُعلّقُ قلب العبد بالسفليات والشهوات، وحياة الملائكة تُعلّقُه بالعلويات من الإيمانيات، والعبادات، وأنواع الطاعات.
والمؤمن يخرج في سبيل الله لإعلاء كلمة الله في البشرية؛ لنستطيب حياة النبي ﷺ، ونزهد في حياتنا الماضية، ولهذا أمرنا الله بذكر حياة الأنبياء والرسل دون غيرهم، وكل الأمة إلا القليل عندهم سخاءٌ في الإنفاق على الشهوات والحاجات، وتقصيرٌ في القيام على المقصد العظيم، وهو عبادة الله وحده،والدعوة إليه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وأعلى مستويات التعبّد لله أن نمشي إلى كافر لندعوه الى الله، ونكون سببًا لنجاته من عذاب الله:﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وأعلى أنواع التعبّد، التعبّد لله ﷿ بالقوة الخُلُقية:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وأن نُكرِمَ الناس من أجل أن يعرفوا ربهم، هذا تعبدٌ بصفة الكرم، وأن نُكرم لنعرف أن المعطي هو الذي أعطانا، ويريد منا أن نعطي ونكرم.
والحق ثقيلٌ على النفوس المريضة، خفيفٌ على النفوس الطيبة، والباطل ثقيلٌ على النفوس المطمئنة،خفيفٌ على النفوس المريضة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
والفقه في الدين ينقسم الى قسمين:
الأول: فقه العبادات: وهو كيف يأتي الدين على الوجه الصحيح في حياتي.
الثاني: فقه الدعوة: وهو كيف يأتي الدين الصحيح في حياتي، وفي حياة الآخرين: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وفقه الدعوة له بداية، وليس له نهاية، وله كل الأوقات:﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
أما فقه العبادة فبدايته في العهد المدني، وانتهى بموت النبي ﵌.
والقرآن هو المصدر الأول لفقه الدعوة؛ فقد بيَّن الله فيه صفات الأنبياء والرسل، وكل من دعا إلى الله، والسُّنّة النبوية هي المصدر الأول لفقه العبادة؛ حيث فصَّلت السُّنّة كيفية الوضوء، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وغيرها من العبادات، والقرآن المكي كله تفصيلٌ لفقه الدعوة، والقرآن المدني تفصيلٌ لفقه العبادة، والخطأ في العبادة يضُرُّك، والخطأ في الدعوة يكون فتنةً للعالم، والقرآن المكي فصَّل أحوال الداعي، ومجّده، وأثنى عليه، وفصَّل أحوال المدعو، وفصَّل ثواب الداعي والمدعو، كما قال الله ﷿ عن الأنبياء: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩].
***
مختارات

