الخزانة الثامنة..
مقدار يوم القيامة:
أولاً: الأيام التي خلق فيها الله السماوات والأرض طول الواحد منها ألف سنة، كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ [الحج: ٤٧].
ثانيًا: مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى في يوم مقداره ألف سنة، كما قال سُبحَانَه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة: ٥].
ثالثاً: مقدار يوم القيامة خمسون ألف سنة، كما قال سبحانه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج: ٤ - ٧].
ويوم القيامة أخف على المؤمن منه على الكافر، كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر: ٨ - ١٠].
والله ﷿ وعد المؤمنين والمؤمنات، وتوعد المشركين والمشركات:
أولًا: وعد الله للمؤمنين بالخير والأجر والثواب فإنه واقعٌ لا محالة كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
ثانيًا: ما توعد الله به الكفار من العذاب واقعٌ لا محالة قطعًا، كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ [الحج: ٤٧].
وكما قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
ثالثاً: أما ما توعد الله به عصاة المسلمين، فهذا يجوز أن ينفذه الله ﷿ أو يعفو عن صاحبه، كما قال سُبحَانَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
فما وعد الله به المؤمنين من النعيم والثواب واقعٌ قطعًا، وما وعد الله به الكفار واقعٌ قطعًا لا يتغير ولا يتبدل، لا يمكن أن يُخلف الله وعده بحال؛ لأن الله لا يبدل القول لديه، كما قال ﷾: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق: ٢٨ - ٢٩].
فكل كافرًا ومشرك مات على كفره فهو في النار قطعًا كما قال ﷿: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾ [الحج: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
• أهوال يوم القيامة:
يوم القيامة يومًا عظيم أمره، شديدٌ هوله، يصاب فيه العباد بالرعب والفزع، وتشخص فيه أبصار الظلمة، جعله الله ﷿ على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر، وعلى الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، وهذه صورٌ من أهواله:﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير: ١ - ٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [الانفطار: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ١ - ٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١ - ١١].
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ».
أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح.
• تبديل الأرض والسماء يوم القيامة:
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾ [إبراهيم: ٤٨ - ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
أين يكون الناس يوم تبدل الأرض والسماوات؟:
عن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاءه حبرٌ من أحبار اليهود فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ الناس حين تبدل الأرض غير الأرض والسَّماوَات؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ وفي رواية على الصراط».
أخرجه مسلم.
• شدة الحرارة في الموقف:
يجمع الله الخلائق بعد بعثهم في ساحة واحدة في عرصات القيامة، وذلك لفصل القضاء حفاةً عراةً غرلًا، فتدنو الشمس في ذلك اليوم، ويذهب العرق سبعين ذراعًا، ويعرق الناس على قدر أعمالهم.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقبض الله الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة ويطوي السَّمَاء بِيَمِينِهِ، وَيَقُول: أَنا الْملك أَيْن مُلُوك الأَرْض».
متفق عليه.
وعن المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺيقول: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ في الْعَرَقِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِن وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا قَالَ وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ».
أخرجه مسلم.
• من يُظلهم الله في الموقف؟
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ.
وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَخْفَاهَا، حتى لَا تَعْلَمُ شماله مَا تُنْفِقُ يمينه، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
متفق عليه.
وعن عُلقمة بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ في ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ».
أخرجه أحمد بسند صحيح.
• المشهد الرابع: فصل القضاء:
• مجيء الله ﷿ لفصل القضاء:
يجئ الله ﷿ يوم القيامة لفصل القضاء، فتشرق الأرض بنوره، وتوجل الخلائق لهيبته، وعظمته، وجلاله، كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٨].
وقال النبي ﷺ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ».
متفق عليه.
وإذا حُشر الناس إلى ربهم يوم القيامة، وبلغ العناء منهم مبلغًا عظيمًا من شدة الهول، وصعوبة الموقف، يرغبون إلى ربهم في أن يحكم فيهم، ويفصل بينهم، فإذا طال وقوفهم، وعظم كربهم، ذهبوا إلى الأنبياء ليشفعوا لهم عند ربهم ليفصل بينهم، كما قال سبحانه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٩].
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁: أن رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يُجْمَعُ النَّاسُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وما لَا يَحْتَمِلُونَ.
فَيَقُولُ النَّاسُ: ألا ترون ما انتم فيه؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇،فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟.
فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّى غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِى عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، فيأتون نوحًا، فإبراهيم، فموسى، فعيسى فيعتذر كل واحد وكلهم يقولون:إِنَّ رَبِّى غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، نَفْسِي نَفْسِي، ويقول عيسى: اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فيأتوني فيقولون:: يَا مُحَمَّدُ! أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِى تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّى، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَىَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي.
ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ.
فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ.
ثم قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى».
متفق عليه.
ثم يفصل الله بين الناس، فتعطى الكتب، وتوضع الموازين، ويحاسب الناس، فآخذًا كتابه بيمينه إلى الجنة، وآخذًا كتابه بشماله إلى النار، ثم يفصل الله ﷿ بين الخلائق كما قال سبحانه: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٥].
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «قُلْنا: يا رسُول الله! هلْ نَرى رَبَّنا يوْمَ القِيامة؟ قال: هلْ تُضارُّونَ في رُؤْيةِ الشَّمسِ والقَمَرِ إِذا كانتْ صَحْواً؟؟ قُلْنا: لا، قال: فَإِنَّكُمْ لا تُضارُّونَ في رُؤْيةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئذٍ إلا كما تُضارُّونَ في رُؤْيتِهما، ثُم قال:يُنادِي مُنادٍ: لِيَذْهَبْ كلُّ قوْمٍ إلى ما كانوا يَعْبُدُون، فيَذْهبُ أَصْحابُ الصَّليبِ معَ صَليبِهِمْ، وَأَصْحابُ الأَوْثانِ مَعَ أوْثانِهِمْ، وَأَصحاب كُلِّ آلِهةٍ مع آلِهَتِهم، فلا يبقى مَنْ كانَ يعبُدُ غيرَ اللهِ مِنَ الأصْنامِ والأنْصَابِ إلا يتساقطون في النارِ، حتى يبْقى مَنْ كانَ يَعْبُدُ الله مِنْ بَرّ أَوْ فاجِرٍ، وَغُبَّراتٍ مِنْ أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كأَنَّها سَرابٌ يَحْطِمُ بعضُها بعضًا.
فيُقالُ لِلْيَهُودِ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَا نَعْبُدُ عُزَيْرَ بنَ اللهِ، فيُقال: كَذَبْتُم، لم يكنْ للهِ صاحِبةٌ ولا ولَدٍ، فما تُريدون؟ قالوا: عطشنا، نُرِيدُ أنْ تَسْقِيَنا، فيُقالُ: اشْربُوا، فيَتَساقَطُون في جَهَنَّم، ثُمَّ يُقالُ لِلنَّصارى: ما كُنْتُم تَعْبدون؟ فيَقُولونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المسيحَ بنَ الله، فَيُقالُ: كَذَبْتُم لم يكنْ للهِ صاحِبة ولا ولد، فما تُرِيدُون؟ فيقُولون: نُريدُ أنْ تَسْقِيَنا، فيُقالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَساقَطُون، حَتَّى يَبْقى من كانَ يعبدُ اللهَ من بَرٍّ أو فاجرٍ.
فيُقالُ لهم: ما يَحْبِسُكُم وقد ذهب الناسُ؟ فيقولون:فارقناهم ونحن أحْوجُ مِنا إليهِ اليومَ، وإنّا سمعنا مُناديا يُنادي: لِيلْحَقْ كلُّ قومٍ بما كانوا يعبدون، وإنّما ننتظر ربَّنا،قال: فيأتيهم الجبّار في صورةٍ غيرِ صورتهِ التي رأوه فيها أوّل مرَّةٍ، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: أنت ربُّنا، فلا يُكَلِّمُهُ إلا الأنبياءُ.
فيقولُ: هل بينَكُم وبينَهُ آيةٌ تَعرفونَه؟ فيقولون: السَّاقُ، فيكشِفُ ربُّنا عن ساقِهِ، فيسْجُدُ له كل مؤمنٍ، ويبقى مَنْ كانَ يسجدُ رياءً وسمعةً، فيذهب كَيْما يسجدَ، فيعودُ ظهرهُ طَبَقاً واحداً، ثم يُؤتى بالجِسرِ فيُجْعَلُ بين ظهريْ جَهنَّمَ، قُلْنا:يا رسول الله! وما الجسْرُ؟ قال: مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عليه خطاطيفُ، وكلاليبُ، وحسكةٌ مُفلطحةٌ لها شوْكةٌ عُقيفاءُ تكون بنجْدٍ، يُقال لها: السَّعْدان، المؤمن عليها كالطَّرْفِ، وكالبرقِ، وكالريحِ، وكأجاويدِ الخيلَ والرِّكابِ، فناجِ مُسَلَّمٌ، وناجِ مَخْدوشٌ، ومكدُوسٌ في نار جهنَّمَ.
حتى يَمُرَّ آخِرُهم يُسْحَبُ سَحْباً، فما أنتم بأَشدَّ لي مُناشَدةً في الحقِّ قد تبيَّنَ لكم مِنَ المؤمنِ يوْمئذٍ للجبَّارِ، وإذا رأَوْا أنَّهم قد نجوا في إخوانهم، يقولون: ربَّنا إخوانُنا الذين كانوا يُصَلُّونَ معنا، ويصومونَ معنا، ويعْملون معنا، فَيَقُولُ الله تعالى: اذْهَبُوا؛ فمَنْ وجدتم في قلبه مثقالَ دينارٍ من إيمانٍ فأخرِجُوهُ، ويُحَرِّمُ الله صُوَرَهُم على النارِ، فيأْتُونَهُم.
وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمِه، وإلى أنصافِ ساقيهِ فَيُخْرِجُونَ من عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودونَ، فيقولُ: اذْهَبُوا، فمن وجدتم في قلبهِ مثقالَ نصفِ دينارٍ فأخرِجوه، فيخرجون من عَرَفوا، ثم يعودون، فيقُول: اذْهبُوا، فمن وجدتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ من إيمان فأَخْرِجُوه، فيُخرِجونَ من عرفوا، قال أبو سعيدٍ: فإن لمْ تُصدِّقُوا فَاقْرؤُا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
فيشْفَعُ النَّبيونَ، والملائكةُ، والمؤمنونَ، فيقول الجبَّارُ:بَقِيَتْ شفاعتي، فيقبضُ قبْضةً من النار فَيُخْرِجُ أقواماً، وفي روايةٍ: إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، يقولُ الله: مَنْ كانَ في قلبهِ مثقال حبَّة من خردل من إيمان فأخْرِجوه، فيخرجون قد امْتُحِشُوا وفي روايةٍ: اسْوَدُّوا فيُلْقَون في نَهْرٍ بأفواهِ الجنَّةِ، يُقال له: ماءُ الحياةِ، فيَنْبُتُون في حافتَيْهِ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَيْل قد رأيتُموها إلى جانبِ الصَّخْرةِ، إلى جانبِ الشَّجرةِ، فما كان إلى الشمسِ منها كان أَخْضَرَ.
وما كان منها إلى الظِّلِّ كان أبْيضَ، فيخرُجونَ كأنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلُ في رقابهم الخواتيمُ، فيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فيقولُ أهلُ الجنَّةِ: هؤُلاءِ عُتَقَاءُ الرَّحمنِ، أَدْخَلهُمُ الجنَّةَ بغيرِ عملٍ عملُوه، ولا خيْرٍ قدَّمُوهُ، فيُقالُ لَهُمْ: لكم ما رأيتُم، ومِثلُهُ مَعَهُ».
أخرجه مسلم.
***
مختارات

