الخزانة الثانية..
• وقوع المعاد:
أقسم الله ﷻ على وقوع المعاد والجزاء بسيد الجبال وهو الطور، وأقسم بسيد الكتب، وأحسن الكتب المنزلة من عند الله لعظمته وجلاله وما تضمنه من آيات ربوبيته، وهداية خلقه وهو القرآن، وأقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور الذي فوق السماء السابعة.
وأقسم بسقف العالم العلوي والعالم السفلي وهو السماء العظيمة وما فيها من الآيات، وأقسم بالبحر المسجور وهو آية عظيمة من آيات الله وعجائبه لا يحصيها إلا الله، فقال سبحانه: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ [الطور: ١ - ١٠].
وأقسم الله على ثبوت الجزاء، ومستحق الجزاء، وجمع بين محل الجزاء وهو يوم القيامة، ومحل الكسب وهو النفس اللوامة، فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة: ١ - ٤].
وأمر سبحانه أصدق خلقه أن يقسم للناس بوقوع المعاد،كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس: ٥٣].
ويوم القيامة يومٌ عظيم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، والمؤمنين والكافرين، والمطيعين والعاصين، ويجازي كلاً بعمله، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾ [التغابن: ٩ - ١٠].
ويجمع الله هؤلاء الخلائق، ويحاسبهم الذي يجمع عظام الإنسان بعد ما فرقها البلاء ومزقها، ويجمع للإنسان يومئذٍ جميع عمله الذي قدمه وأخره من خيرٍ وشر، ويجمع ذلك من جمع القرآن في صدر رسوله وعباده المؤمنين، ويجمع المؤمنين في دار الكرامة، فيكرم وجوههم بالنظر إليه:﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
ويجمع الكافرين في دار الهوان، فيهينهم بحجابهم عنه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].
وهو سبحانه قادرٌ علي جمع الخلق كما جمع خلق الإنسان من نطفة من مني يمنى، ثم جعله حلقة مجتمعة الأجزاء، بعدما كانت نطفة متفرقة في جميع بدن الإنسان، فكيف يمكن للإنسان أن يجمع الله عظامه؟ وأن يجمع الله بينه وبين عمله وجزاءه؟ وأن يجمعه مع جنسه في يوم الجمع؟ وأن يجمع عليه من أمر الله ونهيه وعبوديته؟
فلا يُترك سُدى مهملاً معطلاً، لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يُثاب ولا يُعاقب: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠].
وقال الله ﷿: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ [يس: ٨١].
والرب الذي هذه قدرته يجب على الخلق عبادته وحده:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
والإيمان باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإيمان، له قيمة كبرى في تعليق أنظار بني آدم وقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض المشهود، فلا تستبد بهم ضرورات الحياة وأتعابها، ولا يسيطر عليهم الهم والقلق، وعندئذٍ يملكون العمل لوجه الله، وانتظار الجزاء حيث يقدره الله في طمأنينة ويقين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ الرعد: ٢٨ - ٢٩].
فحياة البشر لا تستقيم علي منهج الله، ما لم تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير والأكمل، وما لم يثق المسلم المحدود العمر إلى أن له حياة أخرى أدوم وأسعد وأكرم، تستحق أن يجاهد لها، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمداً على ما وعده الله من العِوض فيها: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
والإنسان بالحياة الآخرة يسعد أيما سعادة إن كان مؤمناً، ويشقى أيما شقاء إن كان كافرًا، والإيمان بالحياة الآخرة نعمة يفيضها الإيمان علي القلب، ونعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني المحدود الأجل، وما أغلق أحد علي نفسه هذا المنفذ إلا وحياته ناقصة، أو مطموسة، أو مضطربة: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
فالإيمان بالآخرة فوق أنه إيمانٌ بعدل الله المطلق، وجزاءه الأوفى، هو ذاته باعث للحيوية في النفس، دافعٌ لها نحو الدار الباقية، نحو الأعمال الصالحة، والمنازل الرفيعة، والنعيم المقيم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
• ثمرات الإيمان باليوم الآخر:
الإيمان باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإيمان، وهو نعمة عظيمة يفيض السلام منها على روح المؤمن وعالمه، وينفي عنه القلق، والسُخط، والقنوط، واليأس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ [المائدة: ٦٩].
وكل إنسان لابد أن يموت، وبعد الموت بعث، وبعد البعث حساب، وبعد الحساب ثوابٌ أو عقاب، فالحساب الختامي للبشرية ليس في هذه الأرض، والجزاء الأوفى ليس في هذه الدار العاجلة: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
فلا قلق علي الأجر إذا لم يوفى في هذه العاجلة، فسوف يوفاه العبد قطعًا بميزان الله غدًا تامًا كاملاً أحوج ما يكون إليه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
ولا قنوط كذلك من العدل إذا توزعت الحظوظ في هذه الحياة الدنيا علي غير ما يريد ويراه الإنسان، فالعدل لابد واقع في الدار الآخرة، وحين يحكم الله وحده بين عباده، فهناك العدل والفضل والكرم:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ [الأعراف: ٨٧].
والإيمان باليوم الآخر حاجزٌ عن الصراع والمنافسة في حطام الدنيا وملذاتها، والخوض في الحرمات والمحرمات بلا تحرجٍ ولا حياء، فهناك الدار الآخرة فيها عطاء، وفيها غناء، وفيها عِوض عما يفوت.
والإيمان بالآخرة يخفف من السعار الذي ينطلق من الشعور بأن الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذا العمر القصير المحدود، فيطمئن قلبه أن النعيم الأوفى والأدوم ينتظره في الدار الآخرة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٦ - ٧].
والإيمان باليوم الآخر أعظم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
ذلك أن الإيمان باليوم الآخر يقوم على أساس أن الله خلق الإنسان ليستخلفه في الأرض بعهدٍ منه يتناول كل صغيرة وكبيرة من نشاط الإنسان في الأرض، وأن الله خلقه واستخلفه ليبتليه في الحياة الدنيا، ثم ينال جزاءه بعد نهاية الابتلاء.
وهذا الإيمان هو الذي يكف قلب المسلم، وسلوكه، وعمله، فلا يغتر بهذه العاجلة، فهو يمضي في طريق الطاعة، والقيام بالحق، وفعل الخير، سواءً كانت ثمرة ذلك في الأرض راحة له أم تعب، نصرٌ له أم هزيمة، حياة له أم موتًا؛ لأن جزاءه هناك في الدار الآخرة بعد نجاحه في الابتلاء، في جنة عرضها السماوات والأرض:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
إن الإيمان باليوم الآخر يعطي الإنسان طاقة وقوة، فلا يزحزحه عن الطاعة والحق، والخير والبر، أن تقف له الدنيا كلها بالمعارضة والأذى والشر والقتل، فهو إنما يتعامل مع ربه العزيز الرحيم، وينفذ عهده وشرطه، وينتظر الجزاء المضمون هناك، وذلك حين يساق الناس يوم القيامة إلى ربهم، وإلى الجنة، وإلى النار: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾ [الزمر: ٧١ - ٧٢].
أما الذين آمنوا فيساقون إلى الجنة، كما قال سبحانه:﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾ [الزمر: ٧٣ - ٧٤]
الله ﷿ خلق الدنيا، وخلق الآخرة، وخلق الدنيا وبين قيمتها، وأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة؛ ولهذا لا يرضى بها جزاءًا لعبده المؤمن، فقال ﷿ عن هذه الدنيا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥].
لهذا أعظم عمل المؤمن في الدنيا هو المسارعة إلى فعل الخيرات، وطاعة الله ورسوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
والدنيا دار الابتلاء والعمل، والآخرة دار الثواب والعقاب:﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥].
وما أقصر هذه الحياة الدنيا التي تزحم حس الناس، وتُشغل نفوسهم، وتأكل أوقاتهم، إنها رحلة سريعة يقضيها الإنسان هناك، ثم يعود إلى مقره الدائم، وداره الأصلية، بدار القرار بالجنة أو النار: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ [يونس: ٤٥].
حقًا كأنها ساعةٍ من نهار قضاها الخلق في التعارف، ثم رحلوا وكأن الناس دخلوا ثم خرجوا ولم يفعلوا شيئًا سوى التعارف، والتعارف أسهل شيء، فهل هؤلاء الأفراد الذين يتنازعون ويتعاركون فيما بينهم في هذه الحياة الدنيا، ويقع بينهم من سوء التفاهم كل ساعة ما يقع، هل هؤلاء تم تعارفهم كما ينبغي وكما يحب الله؟ وهل هذه الأمم والشعوب المتناحرة والدول المتخاصمة التي تتعارك علي الحطام والأعراض! هل هذه عرف بعضها بعضًا؟.
حقًا إنها الخسارة الفادحة الكبيرة، لمن جعلوا همهم كله هو هذه الرحلة الخاطفة، وكذبوا بلقاء الله في الدار الآخرة، وشُغلوا عنه، فلم يستعدوا لهذا اللقاء بشيء يلقون به ربهم، ولم يستعدوا كذلك بشيء للإقامة الطويلة في الدار الباقية، فماذا ينتظر هؤلاء من العذاب والتوبيخ، والإهانة: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ [الأحقاف: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
والاعتقاد باليوم الآخر ليس طريقًا لنيل الثواب في الآخرة فحسب، وإنما هو كذلك حافزٌ على فعل الخير في الحياة الدنيا، وحافزٌ علي إصلاحها وإنمائها حسب أمر الله، على أن يراعي في هذا النماء على أنه ليس هدفًا في ذاته، وإنما هو وسيلة لتحقيق حياة لائقة بالإنسان، الذي يريدها الله له، والذي نفخ الله فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وكرمه على كثيرًا من خلقه، ورفعه عن درك الحيوان، ولتكون أهداف حياته أعلى من ضرورات الحيوان،ولتكون دوافعه وغاياته أرفع من دوافع الحيوان وغاياته:﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
إن الإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات، ويضمن القَسط والاعتدال، لان الذي لا يؤمن بالآخرة لا يملك أن يحرم نفسه شهوة، أو يكبح فيها نزوة:﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾ [النبأ: ٢٧].
ولهذا يتمرغون في الشهوات، ويقعون في المحرمات، فالذي لا يحسب حساب الوقوف بين يدي الله، ولا يتوقع ثوابًا ولا عقابًا يوم القيامة، ما الذي يمسكه عن إرضاء شهواته ونزواته، وتحقيق لذاته ورغباته: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾ [النبأ: ٢٧ - ٢٨].
ومن لا يتوقع حساب في الآخرة، يندفع لنيل جميع شهواته بلا معوقٍ من تقوى، أو حياء من الله ﷿، والنفس مطبوعة علي حب ما يلذ لها، وأن تجده حسنًا جميلًا ما لم تهتدي بآيات الله ورسالته إلى الإيمان بعالم آخر باقٍ بعد هذا العالم الفاني، فإذا هي تجد لذتها في أعمال أخرى،وأشواقٍ أخرى تصغر إلى جوارها لذات البطون والأجسام:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
***
مختارات

