الخزانة العاشرة..
• فقه أسماء الله وصفاته وأفعاله:
الله ﷿ هو الرزاق، الذي خلق الأرزاق والمرزوقين، وأوصلها إليهم، فالله ﷿ هو المقيت القادر على كل شيء، خلق الإنسان وخلق له قوته من الطعام، وخلق له توافقًا بين الطعام وجسمه، وخلق له أجهزه تهضم الطعام، وتستفيد منه، وتحوله إلى طاقة يعمل بها، ويعبد الله ﷿ بها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
والله سبحانه هو المقيت الذي خلق جميع الأقوات، وساق لكل مخلوق قوته الذي يصلحه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
هو سبحانه المقيت الذي تكفل بقوت الأجساد من الطعام والشراب، وقوت القلوب من التوحيد والإيمان، والعلم والأعمال الصالحة، فهذا يولد الطمأنينة والسكينة في القلوب، وذاك تصح به الأبدان، وتقوى على العمل:﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
فالنفوس قوتها بالاتصال بالله، بالإيمان بالله، ومعرفتها به، وسكونها إليه، وشعورها بأن الله راض عنها،وبالعمل الصالح الذي تتقرب إلى الله به: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
فسبحان ربنا المقيت الذي ساق جميع الأرزاق، وسمع كل دعاء فأجاب، وعلم البلوى فكشف واستجاب، المقيت الذي خلق قوتًا يناسب الجسد، وجسدًا يناسب القوت، فأقوات الله كثيرة لا يحصيها إلا المقيت، ومخلوقاته كثيرة،لا يحصيها إلا من خلقها: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
وقوت القلوب هو معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله،ومعرفة خزائنه ووعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقوت القلوب هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، قوت القلوب هو معرفة علام الغيوب، والإيمان به، والعمل بشرعه، وهذا القوت يملأ القلب بالإيمان، ويملأ النفس بالسكينة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وإشباع الجسد لا يغني الروح شيئًا، فقر الروح إلى قوت القلوب أعظم من فقر الأجساد إلى الطعام والشراب.
فسبحان مالك الأقوات، واهب الأرزاق، حافظ جميع الأعمال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥].
فكل نصيحة تؤدي إلى طاعة الله، إلى رضوان الله، فهي شفاعة حسنة، وكل نصيحةٍ تؤدي إلى معصية الله، إلى غضب الله، فهي شفاعة سيئة.
فسبحان واهب أقوات العباد وهي الأطعمة، وأقوات القلوب وهي المعرفة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
ومن أدب الانتفاع بالقوت المادي ألا نأكل غير الحلال الطيب، ليرتفع عند الله ذكرنا، ويعظم أجرنا، وإذا جلسنا على الطعام نسمي الله، ونذكر المنعم، من خلال النعمة ونذكر الخالق من خلال ما خلق، ونذكر من خلقه وساقه إلينا ونستعين به على طاعته، ونحمده بعد الفراغ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ [النحل: ١١٤].
فالمؤمن إذا جلس للأكل انتقل بفكره من النعمة إلى المنعم، ومن القوت إلى المقيت، ومن أنواع الإكرام إلى من أكرمه بها فحمده وشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فيا أيها العبد لا تطلب جميع حوائجك إلا من الله وحده،لأن خزائن كل شيء بيده وعنده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
والمقيت ﷻ جعل أقوات العباد مختلفة.
فمنهم من جعل الله قوته الأطعمة والأشربة على اختلاف أنواعها، وهم الحيوانات.
ومنهم من جعل قوته الطاعات، والتسبيح، والتحميد، وهم الملائكة.
ومنهم جعل قوته المادي بالطعام والشراب، وقوته الروحي العلم والمعارف الإلهية، وهؤلاء هم أولو الألباب والعقول، وفي مقدمتهم الأنبياء والمؤمنون.
فمن اشتغل بطاعة ربه، سخر الله له من يقضي حوائجه، ومن انشغل بشهواته، وكله الله إلى ذاته، فمن شغله الحصول على قوت الأبدان، عن تحصيل قوت القلوب خسر دنياه وأخراه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]
والمؤمن حقاً من أخذ من الدنيا بقدر الحاجة، وأعطى لله بقدر الطاقة.
قال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَل رزق آل مُحَمَّد قوتا» متفق عليه.
فعلى المسلم أن يهتم بتحصيل أقواته، وأكبر إثم أن يضيع الإنسان من يقوت من أولاده وبهائمه، ويضيع أقوات أولاده فلا يعرفهم بربهم، ولا يوفر لهم أقواتهم من الطعم والشراب.
قال النبي ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يُضَيِّع من يقوتُ» أخرجه أبو داود.
الله ﷿ هو ذو الجلال والإكرام، ذو الجلال الذي له الجلال والعز والقوة والغنى والجمال والكمال وكل ما في الكون من جلال وحسن وبهاء، فمن أنوار ذاته، وآثار صفاته: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو ذو الجلال الذي جل قدره، وعظم في قلوب العارفين به، الذي عظم قدره، وتنزه عن ما لا يليق به، ذو الجلال والجمال الذي جل في علو صفاته، وتعذر أن يحاط بنعوت جلاله وجماله وكماله:﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هو سبحانه ذو الجلال والعظمة والكبرياء، الذي تعذر على الخلق أن يحيطوا بعظمته وكبريائه وجلاله وعلمه وقدرته،وملكه وملكوته: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
له سبحانه صفات الجلال، وله صفات الجمال، وله صفات ظاهرها جمال، وباطنها جلال، فإذا أعطاك ربك عطاء فهذا شيء جميل، لكن إذا لم يكن مع هذا العطاء استقامة منك فسيكون بعده عقوبة وتأديب بالجلال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
وله سبحانه صفات ظاهرها جلال، وباطنها جمال، فإذا أوقع الله عقوبة بإنسان فهذا جلال، فإذا أفضت هذه العقوبة إلى التوبة والإقبال على الله، فهذا جمال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
والله ﷿ لا يعاقب ويبتلي إلا لينفع، ولا يأخذ إلا ليعطي، ولا يقبض إلا ليبسط، ولا يبتلي إلا ليعافي، وهذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وهو سبحانه ذو الجلال الذي جعل بلاء الدنيا سببًا لعطاء الآخرة، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].
فسبحان الحكيم الذي يمنع ليعطي، ويبتلي ليجزي، فالله ﷿ له الأسماء الحسنى، مرة يكاشف القلوب بأسماء جلاله، ومرةً يكاشفها بأسماء جماله، فإذا تجلى الله على عبده باسم الجلال امتلأ القلب خشية لله ﷿: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
وإذا تجل الله على عبده باسمه الجميل امتلأ القلب فرحة وطمأنينة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
فسبحان مقلب هذا القلب البشري بين الخوف والخشية،وبين السرور والطمأنينة: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
فلا إله إلا الله، ما اعظم أمره، وما أعظم حكمته، وما أعظم علمه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وكل إنسان عاقل قريب من الله يدرك أنه بعد كل كبر أذنب منه تأديب من ربه، وبعد كل افتقار وانكسار عطاء من ربه، فالمفتقر إلى الله ينعم باسمه الجميل، والمعتد بنفسه يعاقب بصفة الجلال.
والله حكيم عليم قد يحوج الإنسان لعبد لئيم فيرده هذا اللئيم، ليعرف إحسان ربه إليه، وهؤلاء الذين يُذلون ويُهانون ويسوق الله لهم من الشدائد ما لا يطيقون، هم غالبًا هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، ونسوا الله فنسيهم، وتسلط على غيرهم فسلط الله عليهم من يهينهم، ليعودا إليه، ويحسنوا الظن به: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
والله ﷿ رءوف بالعباد، يجل عبده المؤمن أن يذله أو يقهره أو يحوجه إلى لئيم، بل للمؤمن كرامة عند ربه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وهؤلاء الأشرار والطغاة الذين يذلون الناس هم عصيٌ بيد الله، يسلطهم الله على من أساء من عباده، فإن تابوا كفهم الله عنهم، فسبحان ذي الجلال والإكرام، الذي أكرم عباده بأنواع الكرامات والعطايا في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
ومن لم يكن عنده ورع يصده عن معصية الله، إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله فركعتان خالصتان لله من ورع خير من ألف ركعة من مخلط فاستقم كما أمرت، ولا تفعل ما لا يليق بجلال مولاك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
الفقه الأكبر، والعلم الأكبر، هو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وخزائنه، ووعده ووعيده، فإذا امتلأت القلوب بهذا العلم الإلهي العظيم
امتلأت نورًا، وحركت الألسن والجوارح بعبادة الله،والتقرب إليه بأنواع الطاعات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والله ﷿ مجيب ينعم قبل النداء، ويتفضل قبل الدعاء: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]
هو سبحانه الرحمن الرحيم الذي يقابل دعاء الداعين بالإجابة، ويقابل سؤال السائلين بالإسعاف، ويقابل ضرورة المضطرين بالكفاية؛ لأنه الرحمن الرحيم الذي لا أرحم منه،العزيز الكريم الذي لا أكرم منه: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ [هود: ٦١].
يعطي سبحانه قبل الدعاء، وإذا تأخر العطاء إلى ما بعد الدعاء فإنما يريد الله أن تدعوه، وتناجيه، وأن تلجأ إليه، وأن تتصل به، وأن تمرغ وجهك في أعتابه، ويحب أن يسعدك بداوم الاتصال به، ويجعل حاجتك وسيلة لهدف إلى دعائه، والاتصال، والتعبد بين يديه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فسبحان الملك الرؤوف الرحيم الذي قد يحوج عبده إلى شيء، وقد يخيفه من شيء، من أجل أن يسأل ربه، ويفزع إليه، ويتصل به، ويستعين به، ويلوذ بحماه، ويعبده ويدعوه:﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وسؤال الله النصر، والحاجات، والتضرع إليه هو الهدف، والحاجات هي الوسيلة، فالله خلق عباده ليسعدهم، وجعل الحاجات والمصائب وسائل، والاتصال به، والشكوى إليه، هو المقصود؛ لأنه سبحانه يعلم حاجة المحتاجين، ويعطيهم إياها قبل سؤالهم، فإذا أخرها فإنما يحب أن يسمع دعاءهم،ويسعدهم بالاتصال به: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]
فهو سبحانه خلق الخلق، ووفر حاجتهم قبل أن يخلقهم، وساقها إليهم قبل أن يسألوه، وأمدهم بالنعم التي لا تُعد ولا تحصى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢)وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
والله ﷻ له في ملكه ومخلوقاته حكمٌ وأحكام، وسر وأسرار، وخلق وأمر، وبسط وقبض، ورفعٌ وخفض.
فسبحان الحي القيوم الذي يقابل الدعاء بالإجابة، ويقابل السؤال بالعطاء، تدعوه فيجبك، وتسأله فيعطيك.
هو الذي يفرج كرب المكروبين، ويجيب دعاء المضطرين:﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
وإذا أراد الله ﷿ رفع درجة عبده المؤمن ساق إليه المصائب، ثم دعا ربه فكشفها، فأكرمه بسبع كرامات، فزاد إيمانه بربه، وزاد حبه له، وزاد ذكره له، وزاد حمده له، وزاد تعظيمه له، وزادت طاعته له، وزاد سوق النعم إليه.
فسبحان ربنا الحكيم العليم بعباده، الذي أمرنا بدعائه؛ لنقف بين يديه، ونسبحه، ونحمده، ونكبره، ونسأله،ونستغفره: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦].
فإذا مسك الضر فاسأل ربك القادر على كل شيء فإنه قريبٌ مجيب، فهو وحده أهل أن تسأله، وتدعوه، وترجوه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
وإياك أيها العبد أن تنزل حاجتك بإنسان، أو تضع ثقتك في غير الله، فإن فعلت ذلك، فمن محبة الله لك، وإكرامه لك، أن يلقي في قلب من وثقت به من الخلق الاعتذار إليك، ويخيب ظنك فيه، تأديبًا لك لتعود إلى ربك: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والدعاء الذي يجيبه الله ما كان بتضرع، وكان خُفية، وتجنب صاحبه الاعتداء في الدعاء، وتجنب أكل الحرام: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
وأعلم رحمك الله أن الميت الحقيقي من البشر، هو الذي يتمتع بأعلى درجات الصحة، لكن قلبه ميت، لا يعرف ربه، ولا يذكره، ولا يشكره، ولا يعبده: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
فلا إله إلا الله، ما أخطر الجهل والغفلة: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فسبحان الرب الرحيم بعباده، أحيانًا يعطيك قبل أن تسأله؛ لتقبل عليه، وتستجيب لطاعته، وأحيانًا تدعوه فيعطيك، فتحبه وتشكره، فهو إما أن تدعوه فيعطيك، وإما أن يعطيك لتدعوه وتشكره؛ فإن كان الدعاء قبل العطاء، فالمبادرة منك، وإن كان العطاء قبل الدعاء، فهذه نعمة أراد الله أن يمتحنك بها، فأنت إما أن تطيعه فيكرمك، أو يكرمك لتطيعه وتذكره وتشكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
اللهم كما صنت وجوهنا عن السجود لغيرك، فصن وجوهنا عن سؤال غيرك فإنه لا يقدر على كشف الضر، وجلب النفع، سواك يا ولي العطاء والإحسان: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧].
الله ﷿ بيده الملك وهو على كل شيءٍ قدير، هو الوكيل القائم بجميع أمور خلقه، القيم الكفيل بأرزاق الخلق، وما ينفعهم، وما يصلحهم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
ومن أجل أن تتوكل على الله وحده، وتفر إليه، وتعتمد عليه، ملأ سبحانه هذه الدنيا بالهموم والمخاوف، والقلق على الرزق والأهل والأولاد، والعمل وكسب الرزق، لتكون عبدًا له، وافقًا بباب عبوديته، فارًا منها إليه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
ففي الحياة الدنيا الأمور مشوبة بالنعم والمصائب، والأمن والخوف، والعز والذل، والمحبوب والمكروه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
أما الآخرة فهي خير محض، حياة بلا موت، وشباب بلا هرم، ونعيم بلا شقاء، وسعادةٌ بلا بؤس، وعافيةٌ بلا مرض، وأمنٌ بلا خوف: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
ولا يتوكل على الله حقًا إلا من عرفه حقاً بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرف أنه القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، الخبير بكل شيء، المحيط بكل شيء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
هو سبحانه القوي الذي كل شيءٌ في قبضته، وجميع أمور الخلائق بيده، وجميع القلوب والخواطر بيده، يصرف قلب هذا ليكرمك ويخدمك، وقلب هذا ليهينك، ويربيك:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقال النبي ﷺ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ».
أخرجه مسلم فالله وحده مقلب القلوب، فاللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].
ولن يستطيع أحدٌ من الخلق أن يتوكل على الله إلا إذا عرفه بأسمائه وصفاته وأفعاله، فإذا عرفه توكل عليه، وفوض أمره إليه، ووكل أمره إليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وكلما عظم إيمان العبد قوي توكله على ربه، وشكا همومه إلى ربه لا إلى غيره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله عن يعقوب ﷺ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦].
وكلما ضعف إيمانه ضعف توكله على ربه، فتجده كثير الشكوى إلى كل من يلقاه، فيشكو القوي سبحانه إلى الضعيف العاجز من خلقه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فمن توكل على ربه كفاه وأغناه، وأرضاه وأثابه، ومن توكل على غير الله ضل وقل، وحُرم وخسر: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
***
مختارات

