قصة زكريا ويحيى (٦)
بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها…
قال أبو زرعة الدمشقي: حدّثنا عبد اللّه بن صالح،حدّثني معاوية بن صالح عمّن حدّثه قال: أُنزلت التوراة على موسى في ست ليال خلون من شهر رمضان.
ونزل الزبور على داود في اثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.
وكذلك بعد التوراة بأربع مئة سنة واثنتين وثمانين سنة.
وأنزل الإنجيل على عيسى ابن مريم في ثمانية عشرة ليلة خلت من رمضان.
بعد الزبور بألف عام وخمسين عامًا.
وأنزل الفرقان على محمد ﷺ في أربع وعشرين من شهر رمضان.
وقد ذكرنا في "التفسير" عند قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، الأحاديث الواردة في ذلك، وفيها أن الإنجيل أنزل على عيسى ابن مريم ﵇ في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.
وذى ابن جرير في "تأريخه" أنه أنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنةً، ومكث حتى رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.
وقال إسحاق بن بشر: وأخبرنا سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، ومقاتلٌ عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة قال: أوحى اللّه ﷿ إلى عيسى ابن مريم: يا عيسى جُدَّ في أمري ولا تَهِن، واسمع وأطع.
يا ابن الطاهرة البِكر البَتُول إنك من غير فحل، وأنا خلقتك آيةً للعالمين، إياي فاعبد، وعليَّ فتوكل، خُذِ الكتاب بقوة، فَسِّر لأهل السريانية بلِّغ من بين يديك أني أنا الحق الحي القائم الذي لا أزول.
صَدِّقوا النبيَّ الأميَّ العربيَّ صاحبَ الجملِ والتاجِ - وهي العمامة (١) - والمِدْرَعة (٢) والنعلين والهِراوة - وهي القضيب - الأنجل (٣) العينين، الصلتَ الجبين (٤)، الواضحَ الخدّين، الجعدَ الرأس، الكثَّ اللحية، المقرونَ الحاجبين، الأقْنَى الأنف، (٥)المفلَّجَ
الثنايا، البادي العَنْفَقَة، الذي كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من لَبَّتِه إلى سُرَّته، تجري كالقضيب، ليس على بطنه ولا على صدره شعر غيره، شثن الكف والقدم، إذا التفتَ التفتَ جميعًا، وإذا مشى كأنما يتقلَّع من صخر ويتحدّر من صَبَبْ.
عرَقه في وجهه كاللؤلؤ، وريح المسك يَنْفَحُ منه، ولم يُرَ قبلَه ولا بعده مثلُه.
الحسنَ القامة، الطيّبَ الريح، نَكّاحَ النساء، ذا النسل القليل، إنما نسله من مباركةٍ لها بيت - يعني في الجنة - من قصب لا نصب فيه ولا صخب، تكفله يا عيسى في آخر الزمان، كما كفل زكريا أمك، له منها فَرَحان مستشهدان، وله عندي منزلة ليست لأحد من البشر.
كلامه القرآن، ودينه الإسلام، وأنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه وشهد أيامه وسمع كلامه.
قال عيسى: يا رب وما طوبى؟ قال: غرس شجرة أنا غرستها بيدي، فهي للجنان كلّها، أصلها من رضوان، وماؤها من تَسْنيم، وبردها برد الكافور، وطعمها طعم الزنجبيل، وريحها ريح المسك، مَنْ شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.
قال عيسى: يا رب اسقني منها.
قال: حرامٌ على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي، وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى تشرب منها أمة ذلك النبي.
قال: يا عيسى أرفعك إليّ.
قال: ربِّ ولم ترفعني؟ قال:أرفعك، ثم أُهبِطُك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على قتال اللعين الدجّال.
أُهبطك في وقت صلاةٍ، ثمّ لا تصلي بهم لأنها أمةٌ مرحومة، ولا نبي بعد نبيهم.
وقال هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه: إن عيسى قال: يا رب أنبئني عن هذه الأمة المرحومة.
قال: أمّة أحمد، هم علماء حكماء كأنهم أنبياء، يرضون مني بالقليل من العطاء، وأرْضى منهم باليسير من العمل، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا اللّه.
يا عيسى هم أكثر
سكان الجنة؛ لأنه لم تذِلّ ألسنُ قوم قط بلا إله إلا اللّه كما ذلّت ألسنتهم، ولم تذلّ رقابُ قومٍ قط بالسجود كما ذلّت به رقابهم.
رواه ابن عساكر.
وروى ابن عساكر من طريق عبد اللّه بن بديل العقيلي، عن عبد اللّه بن عَوْسَجة قال: أوحى اللّه إلى عيسى ابن مريم: أنزلني من نفسك كهمِّك، واجعلني ذخرًا لك في مَعادك، وتقرَّب إليَّ بالنوافل أُحببك، ولا تَوَلَّ غيري فأخذلَك.
اصبر على البلاء، وارض بالقضاء، وكن لمسرتي فيك، فإن مسرتي أن أُطاع فلا أُعصى، وكن مني قريبًا، وأحي ذِكري بلسانك، ولتكن مودَّتي في صدرك، تيقّظ من ساعات الغفلة، واحكم في لطيف الفطنة، وكن لي راغبًا راهبًا، وأمِتْ قلبَك في الخشية لي، وراعِ الليل لحقِّ مسرَّتي، وأظْمِ نهارَك ليوم الريِّ عندي.
نافس في الخيرات جهدَك، واعترف بالخير حيث توجهت، وقم في الخلائق بنصيحتي، واحكم في عبادي بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاء وسواس الصدور من مرض النسيان، وجلاء الأبصار من عَشَا الكلال.
ولا تكن حَلْسا كأنك مقبوض، وأنت حي تنفس.
يا عيسى ابن مريم ما آمنت بي خليقةٌ إلا خشعت، ولا خشعت لي إلا رَجَت ثوابي، فأُشهدكَ أنها آمنة من عقابي ما لم تغير أو تبدِّل سنَّتي.
يا عيسى ابن مريم البِكْرِ البَتُول، ابْكِ على نفسِكَ أيامَ الحياةِ بُكاءَ مَنْ ودَّعَ الأهلَ وقَلَى الدنيا وتَرَكَ اللذات لأهلها وارتفعت رغبته فيما عند إلَهه، وكن في ذلك تُلين الكلامَ وتفشي السلام.
وكن يقظان إذا نامت عيون الأبرار، حذار ما هو آتٍ من أمر المعاد وزلزال شدايد الأهوال قبل أن لا ينفع أهل ولا مال، واكحل عينك بمُلْمُول الحزن إذا ضحك البطَّالون، وكن في ذلك صابرًا محتسبًا، وطوبى لك إن نالك ما وعدتُ الصابرين.
زَجِّ من الدنيا باللّه يوم بيوم، وذق مذاقه ما قد هرب منك أين طعمه؟ وما لم يأتك كيف لذته، فزجّ من الدنيا بالبُلْغة وليكفك منها الخشن الجَشِيم، قد رأيت إلى ما يصير.
اعمل على حساب فإنك مسؤول ولو رأت عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهَقَت نفسك.
وقال أبو داود في كتاب "القدر": حدّثنا محمد بن يحيى بن فارس، حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن الزهري عن ابن طاووس عن أبيه قال: لقي عيسى ابن مريم إبليس فقال: أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب لك، قال إبليس: فارق بذروة هذا الجبل فتردّى منه فانظر تعيش أم لا، فقال ابن طاووس عن أبيه.
فقال عيسى: أما علمت أن اللّه قال: لا يجرِّبني عبدي فإني أفعل ما شئت.
وقال الزهري: العبد لا يبتلي ربَّه، ولكنَّ الله يبتلي عبدَه.
قال أبو داود: حدّثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا سفيان، عن عمرو، عن طاووس قال: أتى الشيطانُ عيسى ابن مريم فقال: أليس تزعم أنك صادقٌ؟ فأْتِ هُوَّةً فألقِ نفسَك.
قال:ويلك أليس قال اللّه: يا ابن آدم لا تسألني هلاكَ نفسك فإني أفعل ما أشاء.
وحدّثنا أبو توبة الربيعُ بن نافع، حدّثنا حسين بن طلحة،سمعت خالد بن يزيد قال: تعبد الشيطان مع عيسى عشر سنين، أو سنتين، أقام يومًا على شفير جبل، فقال الشيطان:أرأيت إن ألقيتُ نفسي هل يصيبني إلا ما كُتب لي؟ قال:إني لست بالذي أبتلي ربي، ولكن ربي إذا شاء ابتلاني، وعرفه أنه الشيطان ففارقه.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا شريح بن يونس، حدّثنا علي بن ثابث، عن خطاب بن القاسم، عن أبي عثمان قال: كان عيسى ﵇ يصلي على رأس جبل، فأتاه إبليس فقال: أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر؟ قال: نعم.
قال: أْلقِ نفسَك من هذا الجبل وقل: قُدّرَ على.
فقال: يا لعين! اللّهُ يختبِرُ العبادَ، وليس العبادُ يختبرون اللّه.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا الفضل بن موسى البصري، حدّثنا إبراهيم بن بشّار، سمعت سفيان بن عيينة يقول: لقي عيسى ابن مريم إبليس، فقال له إبليس: يا عيسى ابن مريم الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تكلّمت في المهد صبيًا.
ولم يتكلّم فيه أحد قبلك، قال: بل الربوبية لله الذي أنطقني ثمّ يميتني ثم يحييني.
قال: فأنت الذي بلغ من عِظَم ربوبيتك أنك تحيي الموتى؟ قال: بل الربوبية للّه الذي يحي ويُميت من أحييتُ ثم يحييه، قال:والله إنك لإله في السماء وإله في الأرض.
قال: فَصَكَّه جبريلُ صكةً بجناحه فما تناهى دون قرون الشمس، ثمّ صكّه أخرى بجناحه فما تناهى دون العين الحامية،
ثم صكّه أخرى فأدخله بحار السابعة فأساخه، وفي رواية فأسلكه فيها حتى وجد طعم الحمأة فخرج وهو يقول: ما لقي أحدٌ من أحد ما لقيتُ منك يا ابن مريم.
وقد روي نحو هذا بأبسط منه من وجه آخر، فقال الحافظ أبو بكر الخطيب: أخبرني أبو الحسن بن رزقويه، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سندي، حدّثنا أبو محمد الحسن بن علي القطان، حدّثنا إسماعيل بن عيسى العطار، أخبرنا علي بن عاصم، حدّثني أبو سلمة سويد عن بعض أصحابه قال: صلّى عيسى ببيت المقدس، فانصرف، فلما كان ببعض العقبة عرض له إبليس، فاحتبسه، فجعل يعرض عليه ويكلمه ويقول له: إنه لا ينبغي لك أن تكون عبدًا، فأكثر عليه.
وجعل عيسى يحرص على أن يتخلّص منه، فجعل لا يتخلّص منه، فقال له فيما يقول: لا ينبغي لك يا عيسى أن تكون عبدًا.
فقال: فاستغاث عيسى بربّه، فأقبل جبريل وميكائيل، فلما رآهما إبليس كَفَّ، فلما استقرا معه على العقبة اكتنفا عيسى، وضرب جبريلُ إبليس بجناحه فقذفه في بطن الوادي.
قال: فعاد إبليس معه وعلم أنهما لم يؤمرا بغير ذلك، فقال لعيسى: قد أخبرتك أنه لا ينبغي أن تكون عبدًا، إنَّ غَضَبَكَ ليس بغضب عبد، وقد رأيت ما لقيت منك حين غضبت، ولكن أدعوك إلى أمر هو لك؛ آمر الشياطين فليطيعوك، فإذا رأى البشر الشياطين أطاعوك عبدوك، أما إني لا أقول أن تكون إلهًا ليس معه إله، ولكن الله يكون إلهًا في السماء وتكون أنت إلهًا في الأرض.
فلما سمع عيسى ذلك منه استغاث بربّه وصرخَ صرخةً شديدةً، فإذا إسرافيل قد هَبَطَ، فنظر إليه جبريل وميكائيل، فكفّ إبليس، فلما استقر معهم ضرب إسرافيلُ إبليسَ بجناحه فَصَكَّ به عَيْنَ الشمسِ، ثمّ ضربه ضربة أخرى فأقبل إبليس يهوي، ومر بعيسى وهو بمكانه فقال: يا عيسى لقد لقيت فيك اليوم تعبًا شديدًا، فَرُمي به في عين الشمس فوجد سبعة أملاك عند العين الحاميه قال:فَغَطوه، فجعل كلّما خرج غطّوه في تلك الحمأة، قال:والله ما عاد إليه بعد.
قال: وحدّثنا إسماعيل العطار، حدّثنا أبو حُذيفة قال: واجتمع إليه شياطينه فقالوا: سيدَنا لقد لقيت تعبًا.
قال: إن هذا عبدٌ معصوم ليس لي عليه من سبيل، وسأضلّ به بشرًا كثيرًا، وأبثّ فيهم أهواءً مختلفة، وأجعلهم شيعًا، ويجعلونه وأمَّه إلهين من دون الله.
قال: وأنزل الله فيما أيَّدَ بِهِ عيسى وعَصَمه من إبليس قرآنًا ناطقًا بذكر نعمته على عيسى فقال: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعني إذ قَوَّيْتُك بروح القُدُس يعني جبريل ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ … الآية كلها [المائدة: ١١٠]، وإذ جعلتُ المساكين لكَ بِطانة وصحابةً وأعوانًا ترضى بهم، وصحابةً وأعواناً يَرضَون بك هادياً وقائداً إلى الجنة، فذلك - فاعلم - خُلُقان عظيمان من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي.
وسيقول لك بنو إسرائيل: صُمنا فلم يُتَقَبَّل صيامُنا، وصلينا فلم تُقبل صلاتُنا، وتصدَّقنا فلم تُقبل صدقاتنا، وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يُرْحَم بكاؤنا، فقل لهم: ولم ذلك، وما الذي يمنعني إنْ ذَاتُ يدي قلَّتْ، أَوَلَيْسَ خزائنُ السموات والأرض بيدي أُنْفق منها كيف أشاء؟! وإن البخل لا يعتريني أولست أَجْوَدَ من سُئل، وأوسع من أعطى، أو إن رحمتي ضاقت، وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي، ولولا أن هؤلاء القوم يا عيسى ابن مريم عدّوا أنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم ما استأثروا به الدنيا أثره على الآخرة لعرفوا من أين أُتُوا، وإذًا لأيقنوا أن أنفسهم هي أعدَى الأعداء لهم، وكيف أقبل صيامهم وهم يتقوَّون عليه بالأطعمة الحرام؟! وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تركن إلى الذين يحاربونني ويستحلُّون محارمي؟! وكيف أقبل صدقاتهم وهم يغصبون الناس عليها فيأخذونها من غير حلّها؟! يا عيسى إنما أجزي عليها أهلها.
وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطرُ من دماءِ الأنبياء! ازددت عليهم غضبًا.
يا عيسى وقضيت يوم خلقتُ السمواتِ والأرضَ أنه من عبدني وقال فيكما بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار ورفقاءك في المنازل، وشركاءك في الكرامة.
وقضيت يوم خلقت السمواتِ والأرضَ أنه من اتخذك وأمَّك إلهين من دون الله أن أجعلهم في الدركِ الأسفل من النار، وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أني مثبت هذا الأمر على يدي عبدي محمد، وأختم به الأنبياء والرسل، ومولده بمكة، ومهاجره بِطَيْبَةَ، وملكه بالشام.
ليس بفظ ولا غليظٍ ولا صخّاب في الأسواق، ولا مُزر بالفحش، ولا قَوَّال بالخنا، أسدّده لكلّ أمر جميل، وأهب له كلّ خُلُق كريم، وأجعل التقوى ضميرَه، والحكمَ معقوله، والوفاءَ طبيعته، والعدلَ سيرته، والحق شريعته، والإسلامَ مِلَّته.
اسمُه محمد، أهدي به بعد الضلالة، وأُعلّم به بعد الجهالة، وأُغني به بعد العائلة، وأرفع به بعد الضّعَة، أهدي به، وأفتح به بين آذان صم وقلوب غُلف وأهواء مختلفة متفرّقة.
أجعل أمته خيرَ أمّةٍ أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، إخلاصًا لاسمي وتصديقًا لما جاءت به الرسل.
ألهمهم التسبيح والتقديس والتهليل في مساجدهم ومجالسهم وبيوتهم ومتقلّبهم ومثواهم، يصلّون لي قيامًا وقعودًا وركعًا وسجودًا، ويقاتلون في سبيلي صفوفًا وزحوفًا، قُرُباتهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، وقربانهم في بطونهم، رهبانٌ بالليل، ليوث في النهار، ذلك فضلي أُوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم.
وسنذكر ما يصدّق كثيرًا من هذا السياق.
مما سنورده من سورتي المائدة والصف إن شاء الله، وبه الثقة.
وقد روى أبو حذيفة إسحاق بن بشر بأسانيده عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وابن عباس وسلمان الفارسي،دخل حديثُ بعضهم في بعض قالوا: لما بُعث عيسى ابن مريم وجاءهم بالبينات، جعل المنافقون والكافرون من بني إسرائيل يعجبون منه ويستهزئون به، فيقولون: ما أكل فلانٌ البارحة؟ وما ادّخَر في منزله؟ فيخبرهم، فيزداد المؤمنون إيمانًا والكافرون والمنافقون شكًا وكفرانًا، وكان عيسى مع ذلك ليس له منزل يأوي إليه، إنما يسيح في الأرض ليس له قرار ولا موضع يُعرف به، فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مرَّ ذات يوم على امرأة قاعدةٍ عند قبر وهي تبكي، فقال لها: مالك أيتها المرأة؟ فقالت: ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها، وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت أو يحييها الله لي فأنظر إليها، فقال لها عيسى: أرأيتِ إن نظرتِ إليها أراجعة أنت؟ قالت: نعم.
قالوا: فصلّى ركعتين، ثمّ جاء فجلس عند القبر، فنادى يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي، قال: فتحرّك القبر، ثمّ نادى الثانية فانصدع القبر بإذن الله، ثمّ نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب، فقال لها ما بطَّأ بكِ عني؟ فقالت: لمَّا جاءتني الصيحة الأولى بَعثَ الله لي مَلَكًا فركَّبَ خَلْفي، ثمّ جاءتني الصيحة الثانية فرجَّع إليّ روحي، ثمّ جاءتني الصيحة الثالثة فخِفت أنها صيحةُ القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عينيّ من مخافة القيامة، ثم أقبلت على أمها فقالت: يا أُمَّاه ما حملك على أن أَذُوقَ كَرْبَ الموت مرّتين، يا أُمَّاه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا، يا روحَ اللّهِ وكلمتَهُ، سل ربي أن يردّني إلى الآخرة، وأن يهوِّن عليَّ كرب الموت، فدعا ربَّه، فقبضها إليه واستوت عليها الأرض.
فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضبًا.
وقدّمْنا في عقيب قصّة نوح أن بني إسرائيل سألوه أن يحيي لهم سام بن نوح، فدعا الله ﷿ وصلّى لله فأحياه الله لهم، فحدّثهم عن السفينة وأمرها، ثمّ دعا فعاد ترابًا.
وقد روى السّدي عن أبي صالح، وأبي مالك عن ابن عباس في خبر ذكره، وفيه أن ملكًا من ملوك بني إسرائيل مات وحمل على سريره، فجاء عيسى ﵇، فدعا الله ﷿، فأحياه الله ﷿ فرأى الناس أمرًا هائلًا ومنظرًا عجيبًا، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١٠ - ١١١].
يذكّره تعالى بنعمته عليه وإحسانه إليه في خَلْقه إياه من غير أب، بل من أُمّ بلا ذَكَرٍ، وجَعْلِهِ لَه آيةً للناس ودلالة على كمال قدرته تعالى، ثم إرساله بعد هذا كلّه ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة، وإقامة البرهان على براءتها مما نسبها إليه الجاهلون، ولهذا قال: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل بإلقاء روحه إلى أمه، وقرنه معه في حال رسالته ومدافعته عنه لمن كفر به ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي تدعو الناس إلى الله في حال صغرك في مهدك وفي كهولتك ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي الخط والفهم، نص عليه بعض السلف ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ أي تصوّره وتشكّله من الطين على هيئته عن أمر الله له بذلك ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ أي بأمري، يؤكّد تعالى بذكْرِ الإذْن له في ذلك لرفع التوهّم.
وقوله: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال بعض السلف: وهو الذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء إلى مداواته.
﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ هو الذي لا طِبّ فيه، بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عُضالًا.
﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي من قُبُورهم أحياء بإذني.
وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارًا متعددةً مما فيه كفاية.
وقوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وذلك حين أرادوا صلبه، فرفَعه الله إليه وأنقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابه الكريم عن الأذى، وسلامة لهم من الردى.
وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ قيل: المراد بهذا الوحي وحْي إلهامٍ، أي: أرشدهم الله إليه ودلهم عليه كما قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧].
وقيل: المراد وحي بواسطة الرسول وتوفيق في قلوبهم لقبول الحق، ولهذا استجابوا قائلين ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾.
وهذا من جملة نِعم الله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم أن جعل له أنصارًا وأعوانًا وحواريين ينصرونه ويدعون معه إلى عبادة الله وحدَه لا شريك له، كما قال تعالى لعبده محمد ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣].
وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٤٨ - ٥٤].
كانت معجزة كلّ نبي في زمانه بما يناسب أهلَ ذلك الزمان، فذكروا أن موسى ﵇ كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه، وكانوا سحرةً أذكياء، فَبُعِثَ بآيات بهرتِ الأبصار وخضعت لها الرقاب، ولما كان السحرةُ خبيرين بفنون السحر وما ينتهي إليه، وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل
الذي لا يمكن صدوره إلّا عَمَّنْ أيده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقًا له، أسلموا سراعًا ولم يتلعثموا (٦).
وهكذا عيسى ابن مريم بُعث في زمن الطبائعية الحكماء، فأُرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها، وأنى لحكيم إبراء الأكْمَه الذي هو أسوأ حالًا من الأعمى والأبرص والمجذوم ومن به مرضٌ مزمن؟! وكيف يتوصل أحدٌ من الخلق إلى أنْ يقيم الميت من قبره؟! هذا مما يعلم كلُّ أحد أنه معجزة دالة على صدق من قامت به وعلى قدرة من أرسله.
وهكذا محمد ﷺ وعليهم أجمعين بُعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، فلفظه معجز تحدّى به الإنس والجن أن ياتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسور، وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال (فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا) وما ذاك إلا لأنه كلام الخالق ﷿، والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
والمقصود أن عيسى ﵇ لما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم، فانتدب له من بينهم طائفة صالحة، فكانوا له أنصارًا وأعوانًا قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته، وذلك حين هَمَ به بنو إسرائيل ووشَوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان، فعزموا على قتله وصلبه، فأنفذه الله منهم ورفعه إليه من بين أظهرهم، وألقى شبهه على أحد أصحابه، فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى، وهم في ذلك غالطون وللحق مكابرون، وسَلَّم لهم كثيرٌ من النصارى ما ادّعوه، وكلا الفريقين في ذلك مخطئون.
قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إلى أن قال بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي
إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ٦ - ١٤] فعيسى ﵇ هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد قام فيهم خطيبًا فبشَّرَهم بخاتم الأنبياء الآتي بعدَه، ونوَّه باسمه، وذكر لهم صفَتَه ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه، إقامةً للحُجَّة عليهم وإحسانًا من الله إليهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
قال محمد بن إسحاق: حدّثني ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك.
قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبُشْرَى عيسى.
ورَأتْ أمّي حِيْنَ حَمَلتْ بي كأنّه خَرَجَ منها نورٌ أضاءَتْ لَهُ قُصورُ بُصْرَى من أرضِ الشامِ".
وقد رُوي عن العِرْباض بن سارية وأبي أمامة عن النبي ﷺ نحو هذا، وفيه "دعوة إبراهيم وبشرى عيسى"وذلك أن إبراهيم لما بنى الكعبة قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية: [البقرة: ١٢٩].
ولما انتهت النبوة في بني إسرائيل إلى عيسى قام فيهم خطيبًا، فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم، وأنها بعده في النبي العربي الأميِّ خاتم الأنبياء على الإطلاق أحمد، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵈.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] يحتمل عود الضمير إلى عيسى ﵇، ويحتمل عوده إلى محمد ﷺ، ثمّ حَرَّض تعالى عباده المؤمنين على نُصرة الإسلام وأهله، ونُصرةِ نبيه ومؤازرته ومعاونته على إقامة الدين ونشر الدعوة فقال:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي من يساعدني في الدعوة إلى الله ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ وكان ذلك في قرية يُقال لها: الناصرة، فَسُمّوا بذلك النصارى.
قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤]، يعني لما دعا عيسى بني إسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى، منهم مَن آمن، ومنهم
من كفر، وكان ممن آمن به أهل أنطاكية بكمالهم، فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير.
بعث إليهم رسلًا ثلاثة أحدهم شمعون الصفا، فاَمنوا واستجابوا، وليس هؤلاء هم المذكورين في سورة "يس" لما تقدم تقريره في قصّة أصحاب القرية، وكفر آخرون من بني إسرائيل وهم جمهور اليهود، فأيّد الله من آمن به على مَن كفر فيما بعد، وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية: [آل عمران: ٥٥] فكل من كان إليه أقرب كان عاليًا لمن) دونه، ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الذي لا شك فيه، من أنه عبد الله ورسوله، كانوا ظاهرين على النصارى الذين غَلوا فيه وأطروه وأنزلوه فوق ما أنزله الله به، ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب إليه اليهود - عليهم لعائن الله - كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة إلى زمن الإسلام وأهله.
* * *
(١) يقولون: إن العمائم هي تيجان العرب.
اللسان (عمم).
(٢) المدرعة: ثوب من صوف.
(٣) النَّجَلُ: سعة العينين.
(٤) الصلت: الوَاضح الجبين، البارز المستوي.
(٥) قنا الأنف: ارتفاع أعلاه، واحديداب وسطه، وضيق المنخرين.
(٦) التلعثم: الانتظار.
مختارات

