بعض ما جاء عن السلف في باب ذكر الموت وقصر الأمل (1-3)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
ففي باب ذكر الموت، وقصر الأمل، أورد بعد تلك الأحاديث جملة من الآثار المنقولة عن السلف فمنها:
كان أبو الدرداء يقول: "من أكثر ذكر الموت قل فرحه، وقل حسده"[1]؛ وذلك أن فرح الإنسان لا يتعاظم إذا وجد ما ينغصه ويكدره، وهذا الذي يكدره هو الموت، وكما قيل:
لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءنغص الموت ذا الغنى والفقيرا[2]وأيضًا "قل حسده" لأنه يعلم أنه مفارق، وأن هؤلاء الذين ربما تتشوف نفسه، وتتطلع إلى ما في أيديهم، مع أنه سينتقل الكل، ويترك ما في يده، وإنما هو وقت قليل، ثم بعد ذلك ينتهي كل شيء.
يقول أبو عثمان النهدي -رحمه الله-: "أتت عليّ ثلاثون ومائة سنة" أي: عُمِّر إلى المائة والثلاثين "وما من شيء إلا وقد أنكرته، خلا أملي، فإنه كما هو"[3].
يقول: كل شيء تغير، فالسمع والبصر والقوة ضعفت، ولذة الطعام والذاكرة ضعفت، وكل شيء يضعف ويتلاشى، يقول: "خلا أملي" يعني: ما عدا أملي، فالأمل يبقى مع الإنسان شابًا.
وهذا عمران بن حطان يقول:
حتى متى تسقى النفوس بكأسهاريب المنون وأنت لاه ترتعُأفقد رضيت بأن تعلل بالمنىوإلا المنية كل يوم تدفعُأحلام نوم أو كظل زائلإن اللبيب بمثلها لا يخدعفتزودن ليوم فقرك دائبًاواجمع لنفسك لا لغيرك تجمع[4]وكان يقول أيضًا:
أرى أشقياء الناس لا يسأمونهاعلى أنهم فيها عراة وجوعواأراهم وإن كانت تحب فإنهاسحابة صيف عن قليل تقشعكركب قضوا حاجاتهم، وترحلواطرقهم بَادِي الغيابة مهيع[5]وهذا سعيد بن جبير -رحمه الله- يقول: "لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد عليّ قلبي"[6].
وهذا سعيد بن جبير -رحمه الله- وهو من التابعين لما جاء به الحجاج للقتل جلس يدعو، فجعل ابنه يبكي، فقال: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟[7].
وكان الثوري إذا جلس معه أصحابه يسمعونه يردد: "الموت الموت"[8].
وبلغه عن خالد بن معدان أنه قال: لو كان الموت علمًا يُستبق إليه، ما سبقني إليه أحد، إلا أن يسبقني رجل بفضل قوة"[9]، قال: فما زال الثوري يحب خالد بن معدان، ثم بلغه هذا عنه.
ومن كلام الحسن البصري -رحمه الله-: "فضح الموت الدنيا، فلم يترك فيها لذي لب فرحًا"[10].
وكان محمد بن سيرين -رحمه الله- إذا ذكر الموت عنده مات كل عضو منه على حدة[11].
ولما احتضر نافع مولى ابن عمر بكى فقيل: ما يبكيك؟ قال: "ذكرت سعدًا وضغطة القبر" والنبي ﷺ قال: لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ[12] .
وهذا عدي بن زيد الذي تنصر في الجاهلية يقول:
أين أهل الديار من قوم نوح؟ثم عاد من بعدهم وثمود؟أين آباؤنا وأين بنوهم؟أين آباؤهم؟ وأين الجدود؟سلكوا منهج المنايا فبادواوأرانا قد حانا منا ورودبينما هم على الأسِرَّة والأنماطأفضت إلى التراب الخدودثم لم ينقض الحديث ولكنبعد ذاك الوعيد والموعود[13]يعني: لم تكن هذه هي النهاية، وإنما هناك شيء آخر.
قال:
وأطباء بعدهم لحقوهمضل عنهم صعوطهم واللدود[14]يعني: الأطباء يستعملون السعوط واللدود في الأنف، وفي جانب الفم للعلاج.
قال:
وصحيح أضحى يعود مريضًاهو أدنى للموت ممن يعود[15]ويقول عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "والله إن عبدًا ليس بينه وبين آدم أب إلا قد مات لمعرق له في الموت[16]، لو يحسب الإنسان الآباء إلى آدم كلهم قد ماتوا، فماذا بقي؟ بقي هو، فليس بمعصوم من ذلك.
وكتب عمر بن عبد العزيز رسالة قال فيها:
"أما بعد: فإنه أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن عدّ كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه، والسلام"[17].
وكتب أيضًا إلى رجل:
"إنك إن استشعرت ذكر الموت في ليلك ونهارك بغض إليك كل فان، وحبب إليك كل باق، والسلام[18].
وكان من الشعر المنسوب إليه:
من كان حين تصيب الشمس جبهتهأو الغبار يخاف الشين والشعثاويألف الظل كي تبقى بشاشتهفسوف يسكن يومًا راغمًا جدثافي قعر مظلمة غبراء موحشةيطيل في قعرها تحت الثرى اللبثاتجهزي بجهاز تبلغين بهيا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا[19]ورثي يونس بن عبيد بهذه الأبيات:
من الموت لا ذو الصبر ينجيهصبره، ولا لجزوعٍ كاره الموت مجزعأرى كل ذي نفس وإن طال عمرهاوعاشت لها سم من الموت منقعفكل امرئ لاقٍ من الموت سكرةله ساعة فيها يذل ويصرعوإنك من يعجبك لا تك مثلهإذا أنت لم تصنع كما كان يصنع[20]وهذا عتبة الغلام غزا، وقال: "لا تفتحوا بيتي" فلما قتل فتحوه، فوجدوا فيه قبرًا محفورًا، وغلاً من حديد[21].
فيبدو أنه كان يجلس في هذا القبر، يتذكر ويعتبر، ووضع غلا من حديد لعله كان يضعه في عنقه، وإن كان هذا الفعل غير مشروع، وإن نقل عن بعض المتقدمين أنه فعله كعتبة وغيره، ولكنه لم ينقل ذلك عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه .
وهذا هشام الدستوائي -رحمه الله- كان إذا فقد السراج من بيته يتململ على فراشه، فكانت امرأته تأتيه بالسراج، فقالت له: لماذا تتململ إذا انطفأ السراج؟ فقال: إني إذا فقدت السراج ذكرت ظلمة القبر[22].
وهذا قبيصة يقول: ما جلست مع سفيان الثوري مجلسًا إلا ذكرت الموت، وما رأيت أحدًا كان أكثر ذكرًا للموت منه[23].
وكان سفيان الثوري يقول: "لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون ما أكلتم منها سمينًا"[24].
وكان سفيان إذا ذكر الموت لم ينتفع به أيامًا[25].
ودخل الحسن بن صالح يومًا السوق، فرأى هذا يخيط، وهذا يصبغ، أصحاب الصنائع، فبكى، وقال: انظر إليهم يتعللون حتى يأتيهم الموت[26].
طبعًا هو لا يقصد أن العمل مذموم، أو أنه يذم العمل، بل يقصد أن عملهم هذا كالتعلل، فالذي بعده يكون الانتقال إلى مكان آخر، والله المستعان.
وهذا يحيى بن بكير قال للحسن بن صالح -وهو من العلماء الفقهاء العباد الزهاد-: "صف لنا غسل الميت" فما قدر عليه من البكاء[27]، وما استطاع مع أن هذا درس في الفقه.
وكان الخليل بن أحمد صاحب اللغة، الإمام المعروف، يقول: "إني لأغلق عليّ بابي فما يجاوزه همي"[28]، يعني: هذا يدل على أنه ليس عنده طول أمل، وتشوف للدنيا، وتطلع وطمع، فيغلق الباب، ويبقى همه لا يتجاوز الباب.
وكان محمد بن النضر إذا ذكر الموت اضطربت مفاصله[29].
وهذا المفضل بن فضالة دعا الله أن يذهب عنه الأمل، فأذهبه عنه، فكاد عقله أن يذهب، ولم يهنأه عيش، فدعا الله أن يرد إليه الأمل، فرده، فرجع إلى حاله[30].
والإنسان إذا فقد الأمل تمامًا قد لا يأكل ولا يشرب، ولا يفعل شيئًا، فالأمل رحمة من الله ، لكن ينبغي ألا يتبعه الإنسان نفسه، فيطول أمله، كما جاء في الحديث، ثم بعد ذلك يوافي الموت، ولم يعمل عملاً يقربه إلى الله .
وقدم العمري إلى مكة، فلما نظر إلى القصور المحدقة بالكعبة، قال: "يا أصحاب القصور المشيدة، اذكروا ظلمة القبور الموحشة، يا أهل التنعم والتلذذ، اذكروا الدود والصديد، وبلاء الأجسام في التراب، ثم غلبته عينه فقام[31].
وغدا -إن شاء الله تعالى- نكمل بعض هذه الآثار.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
مختارات

